ذاكرة عراقية

 

شخصيات لها أثر عالم اللغة إبراهيم السامرائي في (حديث السنين)

عدد المشاهدات   1120
تاريخ النشر       07/01/2017 03:58 PM


الحلقة الأولى
شكيب كاظم

تَعود معرفتي الثقافية باللغوي المتمكن الدكتور إبراهيم السامرائي (1923-2001) إلى سنة 1959, يوم قرأت دراسته اللغوية عن شعر معروف بن عبد الغني الرصافي (1875-1945), والمنشورة في العدد الثامن/ آذار - نيسان 1959 من مجلة (الثقافة الجديدة) وكانت الجهات الثقافية في العراق, قد احتفت يومذاك بالذكرى الرابعة عشرة لوفاة الشاعر الرصافي, بإقامة احتفال كبير عقدته على قاعة الشعب بباب المعظم, دعت إليه عدداً من الأدباء والباحثين العرب, وما زال في الذاكرة, حضور الأديب اللبناني رئيف خوري (1913-1967), وقد حملت دراسة السامرائي عنوان (الرصافي بين المحافظة والتجديد - الجانب اللغوي) ونشرت المجلة إلى جانب إسهامة الباحث السامرائي, دراسات للدكتورة وديعة طه النجمو الدكتور يوسف عز الدين ومحمد شرارة ومزيد عبد العزيز الظاهر وغيرهم, وكنت على صلة دائمة بما يصدر عن قلم هذا اللغوي العالم من دراسات في اللغة سواء على مستوى المجلات المتخصصة مثل (المورد) أم ما يصدره من كتب حتى إذا عثرتُ على كتابه اللغوي المهم (فقه اللغة المقارن) اقتنيته, فضلاً على كتابه (العربية بين أمسها وحاضرها) والصادر عن وزارة الثقافة والفنون سنة 1978, كذلك كتابه المهم (مع المصادر في اللغة والأدب) الصادر عن الوزارة ذاتها عام 1981, وصدر في ثلاثة أجزاء واحتوى على مناقشة ومدارسة للعديد من الكتب والدراسات اللغوية, مصّوباً وشارحاً ومعقباً على ما ورد, ونهجه هذا يذكرني بجهود الشاعر والمحقق الأستاذ هلال ناجي, والتي كان ينشرها في العديد من المجلات المتخصصة ولا سيما مجلة (الكتاب) التي كان يصدرها اتحاد المؤلفين والكتاب العراقيين, فضلاً على جهود الدكتور عباس هاني الجراخ في هذا المجال. منذ أسابيع قرأت كتاب الباحث الأردني أحمد العلاونة الموسوم بـ(إبراهيم السامرائي علامة العربية الكبير والباحث الحجة) وقد صدر عن دار القلم بدمشق الصادرة طبعته الأولى عام 1422هـ - 2001, وهو الكتاب الرابع عشر في سلسلة (علماء ومفكرون معاصرون. لمحات من حياتهم وتعريف بمؤلفاتهم) الذي أعارنيه صديقي الشاعر الغريد عبد الخالق فريد, ونحن نستذكر الأستاذ السامرائي, وزاد على ذلك بأن أعارني- كذلك - ما كتبه السامرائي في أدب السيرة والموسوم (حديث السنين - سيرة ذاتية) والصادر عن دار البيارق ببيروت ودار عمار في عمان بطبعته الأولى سنة 1418هـ-1998و ويقع في أكثر من أربع مئة صفحة من القطع الكبير, وقد كتبه خريف سنة 1995, في صنعاء وهي محطته الحياتية قبل الأخيرة, إذ ما لبث أن غادرها بعد أن أمضى فيها تسع سنوات عجفاء, غادرها نحو عمان ليموت فيها في ظهر يوم الأربعاء الثاني من صفر/ 1422 الموافق للخامس والعشرين من نيسان/ 2001 وكان من شدة احترامه لذاته ونفسه, أنه يوم كان يعمل في عمان أستاذاً محاضراً نما إلى علمه أن أولي الأمر في الجامعة الأردنية. قد تحدثوا في التقشف وإنهم ينظرون في هذا إلى التخفف من الوافدين المسنين, وإن اسمه ورد فيمن يرومون التخفف منه, فقرر - لعلو نفسه وقوة شكيمته - أن يخفف عنهم ويستقيل من العمل قبل أن يُقيلوه ويتخففوا منه, لكن ما كان هذا من وَكَدِهم ولم يخطر لهم على بال. فجاءه رئيس القسم وآخرون من الأساتذة ليخبروه إنه لم يكن مقصوداً في حملة التخفف هذه, إذ كيف لجامعة تحترم نفسها أن تتخفف من مثل هذه الطاقة العلمية الباهرة, لكن قضي الأمر الذي فيه تستفتيان, فقد أزمع رحيلاً إلى صنعاء, متصلاً برئيس جامعتها الباحث الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح, الذي رحب به, قائلاً له: إن من خير جامعتنا أن يكون السامرائي فيها.
البعثة إلى السوربون
كتاب (حديث السنين - سيرة ذاتية) هذا يرتبط بأكثر من وشيجة مع كتابه المهم الآخر (من حديث أبي الندى - أحاديث وحوار في الأدب واللغة والفن والتأريخ), والصادرة طبعته الأولى عن دار واسط عام 1986, وإذا كان كتابه هذا وأحاديثه وقفاً على الأدب واللغة وحواراً في الفن والتاريخ, فإن كتابه (حديث السنين) ما خلا من مثل هذه الأحاديث فضلاً على شذرات من حياته وأسرته فالدكتور إبراهيم السامرائي شغوف بالدراسة والكتابة, وقد أوقف حياته عليهما, لذا جاء في كتابه هذا الكثير من حديث الكتب, فضلاً على ما يتصل بالناس. في سيرة الدكتور إبراهيم السامرائي, الكثير من المواقف والشواهد الدالة على سمو نفسه, مما جعله يدفع ضريبة عالية غالية, فاحترام الذات وقول الحقيقة مدعاة لجلب الأذى لصاحبها, فما أوحش طريق الحق وما أقل من يسلكه, فلقد ائتمر عليه بعضهم لدعاوى مؤسفة, كان تعاطيها في تلك السنوات مخجلاً, أرادوا حرمانه من البعثة إلى السوربون, التي تأجلت بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية خريف سنة 1939, فعين مدرساً في كلية الملك فيصل النموذجية, التي كانت علامةً شاخصةً وباهرة في التعليم أيام العهد الملكي, ورفدت الحياة العراقية بكفاءات نادرة وباهرة, قبل أن تضرب التعليم في العراق مأساة (الزحف) ولمن لا يعرف هذه المأساة, أن الذين وثبوا على السلطة في تموز 1958, قرروا كسباً لمشاعر الطلاب والتلاميذ, نقل كل طلاب العراق إلى صف أعلى بما فيهم الراسبون, مما أدى إلى عدم اعتراف جامعات ومعاهد في أوربة والغرب بالشهادة العراقية في تلك السنة وسنوات أخرى تلت ومن ثم أدى الزحف إلى انخفاض مستوى التعليم في العراق. حتى إذا انتهت الحرب سنة 1945, بدأ بمراجعة دائرة البعثات لغرض تمشية معاملة ابتعاثه إلى فرنسة, لكن من غير جدوى, فلقد أخفى المبطلون ملفه تحت (كمبار) غرفة ملاحظ البعثات لأمر في نفس يعقوب, وكان الجواب الجاهز, إن ملفه فُقِدَ أثناء هذه السنوات الست لكن المصادفات الجميلة تفعل فعلها الرائع, يحدث أن يراه أستاذُه الدكتور متي عقراوي مصادفةً في شارع الرشيد, فيسأله عن شأنه في موضوع البعثة, وان زملاء له قد التحقوا فيها؟ كان الدكتور متي عقراوي يعرف إمكانات ومؤهلات الطالب إبراهيم السامرائي, منذ أن كان عميداً لدار المعلمين العالية, ونيله السبق دائماً, إذ يخبره بأن اسمه لم يظهر مع أسماء المقبولين, وكان عقراوي قد تحول من العمادة إلى وظيفة مدير التعليم العالي, التي تعني في مفهوم أيامنا هذه وزير التعليم العالي, والذي كان يعمل حثيثاً على إقامة جامعة بغداد, فيطلب منه موافاته إلى مقر عمله غداً, وكان إبراهيم قد احتفظ بورقة تشير إلى رقم وتاريخ ملفه سنة 1939, بعد أن لم يجد عقراوي ملفاً له إذ أخفاه المبطلون المرجفون تحت بساط غرفة ملاحظ البعثات, فقد اثرت فيه رطوبة الأرض, وإذ أسقِط في يدهما ملاحظ البعثات ومديرها كتبا على الملف ((يضم الموما إليه إلى البعثة العراقية في مصر)) فعاد الطالب إبراهيم إلى الأستاذ عقراوي يطلعه على هامش مدير البعثات, فرفع سماعة الهاتف قائلاً للمدير: إني اعرف هذا الطالب وهو من طلابي, وكانت نتيجته الأول في الدفعة, وعليه فسأرسم في ملفه: يضم إلى البعثة العلمية في فرنسة. يرجى تسليمه أوراق العقد لينجزها ويلتحق بأصحابه في باريس. وكان من أصحابه في باريس: علي جواد الطاهر وعلي الزبيدي وصلاح خالص فضلاً على عاتكة وهبي الخزرجي, وكان من حسن حظي أن تتلمذت على يد الثلاثة الرجال أيام الطلب في كلية الآداب في النصف الأول من عقد السبعين من القرن العشرين.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com