ذاكرة عراقية

 

السرد والصورة في الخطاب الشعري دراسة نظرية تطبيقية في تجربة الشاعر عبد المنعم حمندي

عدد المشاهدات   985
تاريخ النشر       10/01/2017 03:35 AM


الحلقة الأخيرة

عبد الحسين صنكور

كانَ الوصف معروفاً من قبل النقاد العرب الأقدمين وشعراء الجاهلية، ويحدد الدكتور عبد الملك مرتاض غاية الوصف، بأنّ (غايته أن يعكس الصورة الخارجية لحال من الأحوال، أو لهيئة من الهيئات فيتحول من صورتها المادية القابعة في العالم الخارجي الى صورة أدبية قوامها نسج اللغة وجمالها وتشكيل الأسلوب)(37). بل إن الدكتور مرتاض يؤكد فاعلية الوصف بوصفهِ تقنية سردية مهمة بقوله (يلائم الأشياء التي توجد بدون حركة، على حين أن السرد يلائم الحركة التي توجد بدون أشياء، وإذن فالوصف ألزمُ للسرد من السرد للوصف) (38)، وهذا ما أكّد أهميته وبنفس المعنى الناقد (جيرار جينيت) بقوله:
(الوصف يجوز تصوره مستقلاً عن السرد، بيد أننا لا نكاد نلقاه أبداً في حالة مستقلة، وإن (السرد) لا يقدر على تأسيس كيانه دون وصف)(39)، وقد حدّد بعض الباحثين وظيفتين اثنتين للوصف، أولهما ذات طابع (جمالي)/ تزييني، عندما يكون وصفاً ليست له ضرورة لدلالة القص أو الحكي، وثانيهما (تفسيرية/ رمزية) عندما يكون للوصف دلالة على معنى ما، في إطار سياق الحكي)(40)، لذا فالشعر يهتم بالوظيفة الجمالية للوصف من خلال اللغة المجازية التي يحرص السارد/ الشاعر على استخدامها في خطابه الشعري السردي، بدون أن يهمل الوظيفة العادية للوصف، من خلال استخدامها في وصف تفاصيل عادية، تُثري النص من جهة، وتؤثر في المتلقي من جهة ثانية، من خلال تبادل الحركة داخل النص بين السردي والمجازي.
إن الوصف، قد يستخدمه شعراء لوصف شخصيات محددة بعينها سواءً أكان (25)ذلك جسمانياً، أم غيره، كالوصف المجازي، أو أن الوصف يكون شاملاً لعناصر، الزمن، المكان، الأشياء، وغيرها في إطار شعري سردي، يعمق إحساس المتلقي بهذه العناصر، أولاً، ويجعلها تأخذ مكانتها داخل بنية النص السردية الكلية.
إن الدهشة المتحققة في الصورة الشعرية، لا بدّ وأن تأتي من تلازم كل عناصر السرد وتقنياته وأشكاله، والوصف هو واحد من هذه المنظومة السردية المتكاملة.
أن اللغة بوصفها أداة أساسية من أدوات الشعر، تأخذ دوراً مهماً في تعميق الإحساس بالوصف السردي داخل الخطاب الشعري، من خلال قدرة الشاعر على بناء تركيبات لغوية فعالة، تؤدي الى عرض مساحة سردية وصفية عميقة وشاملة، تعطي للمتلقي فرصة التأويل والكشف وتأشير العلاقات البنائية داخل النص الشعري السردي. ضمن هذه (البنية العميقة Deep Structure) للنص الشعري السردي ، يجيء (الحوار Dialogue)، بأشكاله المتعددة ليُضاف بوصفه تقنية سردية لها أهميتها في بناء النص وحركة شخصياته و أحداث و طريقة الوصف المستخدم فيه، المختلفة باختلاف اتجاهات الشخصيات المتحاورة أو رواية السارد/ الشاعر.
إن الحوار هو تقنية سردية واردة من فنون سردية مجاورة للشعر مثل المسرحية والرواية، إلا أن ثمة فرق بين الحوار في نص سردي غير شعري (الرواية) مثلاً، وبين مثيله في خطاب شعري، ويوضح (ميخائيل باختين) ذلك حول الحوار في الشعر بقوله:
(لا يستخدم الصوغ الحواري الطبيعي للخطاب بكيفية أدبية لأن الخطاب الشعري يكفي ذاته بذاته، ولا يفترض وجود ملفوظات الآخرين خارج حدوده، إن الأسلوب الشعري هو اصطلاح مجرد من كل تأثير متبادل مع خطاب الآخرين و من كل (نظرة) نحو خطاب يصدر عن آخر) (41). ويضيف: (في الشعر يتحقق الوعي الأدبي تحققاً كاملاً داخل لغته، ويكون محايثاً لها بكليته ويعبر عن نفسه من خلالها مباشرةً وتلقائياً بدون قيود ولا مسافات) (42).
إن الشعر بوصفه تجربة إنسانية معقدة، يُلجِئُ الشاعر/ السارد الى الاستعانة بعدد من الأدوات والتقنيات بهدف التعبير عن نفسه وتجربته، وما الحوار إلا واحدٌ من هذه التقنيات، رغبةً منه في إيجاد مساحة سردية، تشكّل عبر تعدد الأصوات داخل النص الشعري السردي، لخلق التوتر والحركة اللازمة للتعبير عن عمق وتعقيد وشمولية تلك التجربة.
لذا يوجَد شكلان للحوار في بنية النص الشعري السردي هما:
الحوار الداخلي أو ما يصطلح عليه بـ(المونولوج) وهو حوار (26) الذات مع نفسها، والحوار الخارجي (الديالوج) وهو حوار الذات مع الآخر، أو صوتين متحاورين خارج الذات، وكلا الشكلين يحققان بوصفهما تكنيكاً مستخدماً في السرد بناءً سردياً داخل النص الشعري، يؤدي الى التعبير والكشف عن حالات التوتر والحركة في النص.
كما إنهما قد يتبادلان المواقع أو يرتبطان بعلاقة جدل تسمح للتدفق النفسي للشاعر أن يُبَث بطريقة مؤثرة وفاعلة و مستمرة في تأثيرها على المتلقي.
إن تعدد الأصوات في النص الشعري يفرض على بنية النص فضاءً سردياً، ويجعل حركته متوترة و ذات مسحة درامية مؤطرة بحالة جمالية، تعتمد البوح من شخصيات النص من خلال الحوار بما يجول في نفوسها، الأمر الذي يوفر للمتلقي خيارات تأويلية تسهم في فهمه للنص وفكرته وبنائه ومرتكزاته الجمالية والدلالية. (27)

ج . أشكال السرد :
بعد أن أوجزنا شرح تقنيات السرد الشعري، لا بد لنا، استكمالاً للإطار النظري لهذه الدراسة من المرور بـ(أشكال السرد) وأدواته في بنية النص الشعري. يؤكد العديد من الباحثين ومنهم الدكتور (عبد الملك مرتاض)، أن اللغة العربية، كسواها من اللغات الإنسانية الكبرى، (عرف أدبها أشكالاً مختلفة من طرائق السرد التي اقتصرت في معظم أطوارها على اصطناع ضمير الغائب) (43).
إن هذه (الأشكال) تطورت لاحقاً لتشمل ضمائر أخرى كان من أبرزها زيادة على ضمير الغائب (هو)، هما ضميري (المتكلم/ أنا) و(المخاطب/ أنت).
إن اصطناع الضمائر في بنية النص السردي، كما يقول الدكتور (مرتاض): (يتداخل إجرائياً مع الزمن من جهة، ومع الخطاب السردي من جهة أخرى) (44).
من هنا اختلقت وظيفة (الضمائر) كشكل من أشكال السرد، في النص الشعري إذ أنها تقوم في الخطاب الشعري (بطريقة بنائية معقدة ومتشابكة لا يكون مردّها الإنفعال الشعري المرتبط بالغنائية. ويقوم الضمير بوصفه وحدة بنائية بخلق مساحات دلالية رامزة وسردية أحياناً، كما أن الضمير في البنية الشعرية يرتبط بالسارد الشاعر، وكثيراً ما يلتحم بالذات الشاعرة ويصبح الضمير عائداً على الراوي الشاعر وإن اختلفت رؤياه)(45).
إذا أردنا أن نضع (تراتبية) في استخدام الضمائر في الخطاب السردي عامةً والشعري منه خاصةً، فإن ضمير الغائب (هو) يحتل المرتبة الأولى، ويأتي بعده ضمير المتكلم (أنا)، و أخيراً ضمير المخاطب (أنت).
وفي هذا الصدد يحدد الدكتور (مرتاض) الأهمية بقوله: (ضمير المتكلم يحيل الى الذات، بينما ضمير الغائب يحيل الى الموضوع.. إن ضمير الغائب لا يمتلك سلطان التحكم في مجاهل النفس وغيابات الروح ــ على حين أن ضمير المتكلم ــ بما هو ضمير للسرد المناجاتي، يستطيع التوغل الى أعماق النفس فيعريها بصدق، ويكشف عن نواياها) (46).
من جهة أخرى لضمير المتكلم بصفته الجمعية (نحن) وظيفة سردية من خلال استخدامه من قبل الشاعر/ السارد بصيغة يتماهى فيها (ضمير ( 29) الأنا مع الـ(نحن) بطريقة يخطط لها الشاعر في نصه، من أجل التعبير عن حالة توحده مع ذاته و الآخر، و ربما الطبيعة أيضاً، لمواجهة حالات الاغتراب أو الموت أو الإحساس بأية حالة تعيق تحقيق الحلم أو الطموح الفردي أو الجماعي.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com