ذاكرة عراقية

 

أبرز النكبات البشرية والطبيعية في بغداد 1534 - 1921

عدد المشاهدات   1091
تاريخ النشر       10/01/2017 03:39 AM



د. كمال رشيد خماس العكيلي
وكانَ ما قالهُ الشاعر العربي أبو فراس الحمداني هو وصف  واقعي لما جرى ويجري في مدينة بغداد منذ عام 1958م ويلخص معاناة بغداد وأهلها ووضعيتها المزرية: (198)
بمن يثق الإنسان فيما يـــنوبه
ومن أين للحرُّ الكريم صـحاب
وقد صار هذا الناس ألا أقلهم
ذئاباً على أجسادهن ثـــــــيابُ
إلى الله أشــــكو أننا بمـــنازلٍ
تحكم في أســـــادهن كــــــلابُ
لذا فبغداد عبارة عن نكبات وآهات وحسرات دائمة ومتتالية فكلنا يجب أن نتذكر قول الشاعر العربي:
رُبًّ يومٍ بكيتُ منهُ فلما
صرتُ في غيرهِ بكيتُ عليهِ
وبالتالي تبقى بغداد وأهل بغداد ميزات وخصائص حضارية فريدة تمثل ملامح الشخصية البغدادية العصرية، وهذه ميزة اكتسبتها مدينة بغداد منذ استيطانها، وزادت عليها الموجات البشرية التي دخلتها إبان عزها وحضيض انحطاطها فولدت خزيناً تراثياً خضع على مر السنين لتجارب الانتقاء، ولسلسة من التحولات التطويرية لتشكل نسيجاً حضارياً مزخرفاً يتمثل في الخصائص البيئية والتراثية والإنسانية للشخصية البغدادية العصرية، أبرزها تلك في ولع البغدادي بداره وحديقتهِ ونخلتهِ إلى جانب شغفهِ بالطرب واعتداده بمقامهِ البغدادي المتعدد الأداء في النغم والإيقاع. حيث تميز ذلك المجتمع بطبيعة حُسن معشرهِ وبساطة انسجامه مع الغير وثقتهِ بكل من يتعامل معهُ. هذه الصفات تبرز عند الإنسان البغدادي في ممارستهِ لحياتهِ اليومية في الأسواق والجوامع والمدارس ودوائر الدولة ودواوينها (199). ويظهر بوضوح أن مدينة بغداد عبارة عن (ميلو دراما) غريبة عجيبة فهي جامعة لكل شيء وحدث وعبر التاريخ، أن حب الطرب عند أهل بغداد موروث فيهم عبر التاريخ، ولشدة التباين فيما مرًّ بهم من أحداث بين مجدٍ رفيع وبحبوحة عيش، ونكبات متتالية ومستمرة حيث الاقتتال والتطاحن والحصار والفيضان والأمراض والاحتلال المذل، كل ذلك عبروا عنه بمشاعرهم الجياشة بالغناء في مسراتهم وأعراسهم وشؤون حبهم وذلهم ومآسيهم (200).
ولم يتبقَ لاهل بغداد غير الذكريات. فهناك قصيدة مهمة ومؤثرة نظمها الشاعر العربي (أبو الوفاء محمود نظيم) عام 1946م يرجو أن تستعيد (الرصافة) زمانها حيث بغداد وبلاد الرافدين الغالية يقول فيها: (201)
على الرصافة أن تستعيد زمانها
فلقد تسنمت الـــعراق مــــــــكانها
يجري الفرات بها كسابق عهدهِ
ويفيض دجلة مســعفاً شطـــــــأنها
بغداد كانت للخــــــــلافة موئلاً
في الأرض تبسط عدلها وجنانـــها
أن الشعوب إذا تحرر فكــــرها
أبت الخنوع وحطـــــمت أوثانــــها
والشرق أن لم تـــــــتحد اخواته
يستمرئ الغرب القـوي هوانـــــــها
الله يحرس للعراق شــــــــبابها
دوماً لـــيرفع في العــــلى بنيانـــــها
وهذا الشاعر العربي الكبير (نزار قباني) ينظم قصيدة حب عنوانها (أغنية حب لبغداد) التي أوحتها إليه هذه المدينة الخالدة من سحر الحياة وعظمة التاريخ وفنون الطبيعة ومنها: (202)
عيناك يا بغداد منذ طفولـــــتي
شمسان نائمتان في أهدابـــــي
لا تنكري وجهي فأنتِ حبيبتي
وورود مائدتي وكاس شرابي
بغداد جئتكِ كالسفينة متعـــــباً
أخفي جراحاتي وراء ثيـــابي

(المبحث الثالث)
(النكبات الطبيعية ... الفيضانات والأمراض وغيرها)
 
من الملاحظ أن بغداد شهدت صروفاً عدة من أحداث الزمان وعانت من النكبات والويلات عبر تاريخها، فقد قضى الفيضان والغرق علاوة على الطاعون والمجاعة بأبشع أشكالها على الكثير من السكان وقوض أسوار هذه المدينة وعمرانها.
إضافة إلى الحرائق التي كانت تحدث كثيرا، وغمرها الفيضان الخطر عدة مرات. فقد اعتاد نهر دجلة أن يطغي بحيث تصبح بغداد شبه جزيرة تحيط بها مياه الفيضان، وبذلك تنتشر الأوبئة وتكثر الحشرات ويسوء المناخ.
لذا فليس بغريب أن يبقى بعد ذلك كله من المدينة الأصلية إلا القليل، وإنما الغريب أن يبقى منها شيء على حد قول الرحالة (ليدي دراور) (203).

أولاً: الفيضانات
وعن موقع بغداد ونهر دجلة والفيضان وهل أُخذ في الحسبان خطر الفيضان على بغداد عند تأسيس المدينة.
فعندما اختار الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور موقع مدينة بغداد على الجانب الايمن من نهر دجلة (الكرخ) كان قد استمع إلى آراء مستشاريه العسكريين والمدنيين، واستمع إلى المنجمين ورهبان الأديرة في القرية التي أرادها أن تكون عاصمة ملكهِ.
إلا أنه لم يرد لا في كتاب تاريخ الطبري ولا في كتب معاصريه ما يشير إلى أن عامل الفيضان وخطره على الكيان الجديد للدولة الفتية قد ورد في دراساتهم، لا سيما وإن سجل فيضان نهري دجلة والفرات ليس بجديد فتاريخهما حافل بنكبات وكوارث لا تحصى.
كما انه ليس من الصعب التعرف على طبيعة (طوبغرافية) المنطقة حول العاصمة، كونها في ارض سهل منبسط تخلو من التعاريج الأرضية، ما عدا التلال الأثرية المتناثرة كتل دير سونايا- جامع براثا حاليا – والتلال الأخرى التي تقع في شرقي بغداد وهي المشراك  وحرمل وتل محمد، وكل هذه التلال من صنع الحضارات السابقة في تاريخ العراق القديم (204).
ومن الغريب أن الفيضانات المتلاحقة أسهمت في تدمير الكثير من معالم بغداد الأثرية. فمن المعروف أن مدينة بغداد تقع بين نهري دجلة والفرات وهما في ثورة وفيضان دائمين، فكثيراً ما تطغي وتهدد بغداد الغربية – الكرخ- أما بغداد الشرقية – الرصافة- فلم تسلم من عنف نهري دجلة وديالى ونظرة سريعة على كتاب احمد سوسة (فيضانات بغداد) تكفينا تصور حال بغداد وتهديد المياه لها منذ تأسيسها وحتى الوقت الحاضر. لذا فقد أسهمت الفيضانات المتلاحقة في تدمير الكثير من معالمها الأثرية.
وغير نهر دجلة مجراه خلال تاريخها فأتى على كثير من المواقع التي يمكن الاستعانة بها على فهم خطط بغداد، وجرفت معالم مهمة، فقد جرف نهر دجلة قبر (عبد الله بن احمد بن حنبل)، ودير القباب، وشريعة خضر الياس ومعالم اخرى عديدة (205).
ومن المفارقات العجيبة أن دمار الفيضانات في بغداد كان يفوق أحيانا دمار الحروب. فأنه بالرغم من تعدد النكبات البشرية من الحروب وقسوة الغزاة التي خضعت لها بغداد على امتداد تاريخها الحافل بالنكبات وأنواعها، فان الدمار العمراني الذي حل بها جراء فيضانات نهر دجلة المتتابعة كان أفدح واكبر. ومع ذلك كله فان الصورة الأساسية للمدينة لم تتغير كثيراً عن تلك التي كانت عليه في أدوارها المختلفة خاصةً فترات الحكم التركماني والفارسي والعثماني (206).
ففي العهد العباسي الأول طغت مياه نهر دجلة وأغرقت بغداد مرات عديدة، وكان الاعتقاد في ذلك الوقت أن زيادة قنوات الري وتوسيعها ربما هي الطريقة لاستيعاب فائض المياه في النهر، وقد ثبت أن هذه الطريقة خاطئة وبسببها أصيبت الأراضي  الزراعية بأضرار الفيضان،  بالإضافة إلى الأرياف والمدن المعمورة (207).
ومن النكبات الطبيعية التي شهدتها مدينة بغداد في تلك الفترة، أنه في سنة 186هـ - 802م طغت مياه نهر دجلة وبالتالي تهديد المدينة بالغرق (208).

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com