ذاكرة عراقية

 

قضية مهرب اسمه .. عدس

عدد المشاهدات   853
تاريخ النشر       14/02/2017 05:06 PM


الحلقة الأولى
قضية التاجر اليهودي العراقي (شفيق اسحق عدس) لم تَزل ساخنة حتى الان بالرغم من مرور اكثر من (46) عاماً على شنقه ولعل (نفي) الكيان الصهيوني لعلاقة عدس بالنشاط الصهيوني السري في العراق انذاك، واصرار هذا الكيان على ذلك طيلة تلك السنوات هو الذي يجعل من قضية عدس ساخنة جدا، وبالرغم من ان الكيان الصهيوني يعرف تماماً ان الادلة التي قدمت امام المجلس العرفي الثالث الذي حاكم عدس بامكانها ان تلف رقبة عدس لمرات عديدة فقد ثبت ارتباطه بالصهيونية ومتاجرته بالسلاح (وخردة السلاح) لصالح الكيان الصهيوني في نهاية الاربعينات.. لقد تاجر عدس بالسلاح وقدم لاسرائيل صناديق العتاد في ادق مرحلة شهدتها الصهيونية في فلسطين المحتلة عندما كان الصهاينة يفتشون عن رصاصة في تل من القش لحاجتهم الماسة جداً الى ذلك لتحقيق الاغتصاب الكامل لفلسطين بقوة السلاح! في 22 ايلول عام 1948 تسلم المجلس العرفي الثالث (الارادة الملكية) التي رفعها الامير عبد الاله وهذا يعني الموافقة على تنفيذ حكم الاعدام شنقاً بعدس وهكذا بدأت مرحلة اخرى اذ نصبت مشنقة في محلة (السعودية) مقابل قصر عدس الكبير الذي لم يكمل انشاؤه بعد وكان عدس قد اشاع قبل القاء القبض عليه بأنه سيهديه لـ(اسرائيل) لاتخاذه مقراً لقنصليتها في البصرة! في زنزانة انفرادية عاش عدس بانتظار تنفيذ حكم الاعدام وايضا بانتظار ان يغير عبد الاله رأيه فيستبدل الاعدام بالسجن مثلاً! كتب الاستاذ عبد الجبار العمر عن تلك اللحظات في حياة عدس ذهب جواد المولى عضو المجلس العرفي مع معاون الشرطة عبد القادر وحاكم التحقيق الى سجن البصرة، ومن هناك رافقهم سعدون محمود رامز مدير السجن ووصلوا الى غرفة عدس الذي كان جالساً على (مدة) داخل زنزانته وعندما وقعت عيناه عليهم خارت قواه وتساءل بهلع: ها بقى سويتوها صارت صارت. يبدو ان عدس قد فقد الامل بالوساطات التي بعث بها الى اصحاب الشأن في ذلك العهد.. ويبدو ايضا ان اخاه (ابراهيم عدس) لم ينجح في مسعاه مع السفارة البريطانية التي تحركت فعلاً لنجدته كما يذكر الاستاذ العمر. كان عدس قبل القاء القبض عليه يملك نفوذاً قوياً داخل البصرة. واستعمل هذا النفوذ مرات عديدة في (حماية) اعضاء التنظيم الصهيوني السري في مدينة البصرة كالافراج عن المقبوض عليهم او ايقاف التعقيبات القانونية ضدهم، او تسهيل (تهجيرهم) عبر شط العرب والسيبة الى ايران ومن هناك الى فلسطين المحتلة لم يقتصر نفوذه في البصرة فحسب، بل امتد الى بغداد ويذكر ان نزاعاً عميقاً نشب بين رئيس الوزراء مزاحم الباجه جي ووزير الدفاع صادق البصام في مرحلة محاكمة عدس كان هذا واحدا من ضمن محاولات للتأثير على مسار قضية عدس لصالح عدس نفسه! يردد البعض ان قضية المهرب الصهيوني الكبير عدس لا تخلو من مبالغة، فهي باختصار مجرد تجارة والكاتب (الاسرائيلي) يهودا اطلس من اصحاب هذا الرأي لكن حقيقة (تجارة) عدس ليست كذلك بأي حال من الاحوال، كان عدس بنفوذه الواسع قد سيطر تماماً على بقايا المعسكرات البريطانية في (الشعيبة) واخذ بتصدير (السكراب) من المعقل الى (جنوا) في ايطاليا حيث يعاد تجميعها وتصنيعها من جديد وتشحن كدبابات ومدرعات وبنادق ورشاشات صالحة للاستعمال ضد الجيوش العربية! قال عدس للجنة تنفيذ الحكم وهو خائر القوى متى يكون التنفيذ! اجابه عضو المجلس العرفي لا ندري. وبيأس كبير تمتم عدس بلهجته المحلية وي..وي,, لعد صاغت.. مو قالت خلصتها من الوصي؟ كان عدس يشير بذلك الى (نفوذه) الواسع الذي لم يفلح كما انه اشار الى زوجته (ام زكي) التي سافرت الى بغداد لمقابلة عبد الاله من اجل الحفاظ على حياة عدس. لم يكتب عدس وصية او اعترافاً جديداً اخر او يدلي بأية معلومات اضافية بل اكتفى ان قال: اني بريء واطلب حضور ام زكي واولادي. لقد ايقن تماما ان حبل المشنقة سيلتف حول عنقه عما قليل وان علاقاته وملايينه لم تمنع سقوطه وان استهتاره ولا مبالاته قد اوقعا به بالرغم من غطاء (التجارة) الذي فلح بالاستتار به لسنوات طويلة وقد اعطى (اسرائيل) الكثير من الخدمات وربما كان عدس بنشاطه التجاري القاتل (تهريب العتاد والسلاح والسكراب) يعتقد ان لا مفر امام الصهاينة من الاعتراف بكونه واحداً لا يقل شأناً عن بن غوريون فهو مثله ايضا اسهم في قيام الدولة الصهيونية ولكن باسلوب اخر. لا يجزم الاستاذ العمر باتصال زوجة عدس بعبد الاله غير ان عبد الاله تردد كثيراً قبل اصدار الارادة الملكية! كما ان شريك عدس لم يدخل قفص الاتهام ولم يستدع كشاهد بالرغم مما ورد في اقوال الشهود من ان باخرتي اسلحة قد صدرت باسم ناجي الخضيري الى خارج العراق، لقد كانت اوراق الشحن المسجلة باسم شريك عدس كافية ان يقتسم مع عدس مصيره ولكن هذا لم يحصل! في لقاء عدس الاخير بزوجته واولاده جرى كلام كثير بينهما وقالت له زوجته انها طالما نصحته ان يبتعد عن شراء مبايعات عسكرية، وقالت له بالحرف الواحد: (بقى تشتغل مثل الحمار دون ان تهتم لاحد) لكنه لم يصغ لها كثيراً، بل استدار نحو ولده الصغير قائلاً له: (منو بقى راح يعطيك يومية خمسة دنانير)! ثم ابدى عدس رغبته الاخيرة في تقبيل زوجته وتم له ذلك بعد تردد قليل. في الساعة الرابعة والنصف من صباح يوم 23 ايلول انزل عدس من سيارة السجن السوداء واقتيد الى الساحة تحت حراسة غير اعتيادية.. كان متخاذلاً فاضطر حرسه الى سحبه الى منصة الاعدام حيث شنق مكشوف الوجه لكي يقطع الطريق على الاشاعات التي دارت بأن الحكومة ربما ستنفذ الحكم بشخص اخر ليس عدس لكنه يحمل اسم عدس! في 28 اب عام 1948 القي القبض على عدس بعد ان داهمت قطعة عسكرية احدى البواخر الراسية في ميناء البصرة وهي تستعد للابحار بشحنة (عسكرية) الى ايطاليا ترجع عائديتها الى التاجر عدس! قامت القوة العسكرية بفتح الصناديق فوجدت داخلها عددا من الاسلحة والمعدات العسكرية ثم فتش مكتب عدس فعثر على وثائق ومستندات خطيرة فاحيل على اثرها الى المجلس العرفي العسكري لمحاكمته امام (250) مواطناً في قاعة المجلس العرفي جرت محاكمة عدس. وتألفت المحكمة من العقيد عبد الله النعساني، وابراهيم العقيل وعبد الواحد الخضيري والرائد جواد المولى والنقيب محسن الجبوري وكان محامو الدفاع علي محمود الشيخ علي وزكي خطاب ونامق توفيق. قال المدعي العام في مطالعته ان المتهم ارتكب الخيانة العظمى للعراق بارساله المساعدات من الاسلحة والاعتدة على اختلاف انواعها كالمدرعات والدبابات والمدافع الى اعداء العراق من الصهاينة.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com