ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر متى تعهد البريطانيون بأن هدفهم ليس احتلال العراق بل تحريره من الحكم العثماني الاستعماري؟

عدد المشاهدات   1113
تاريخ النشر       13/04/2018 11:58 PM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 

 أُجريتِ الانتخابات على نحوٍ نزيه وضمت صفوف النواب المنتخبين (بفتح الخاء ـ المترجم) شيعياً ويهودياً، وهو حدث كان يدخل في نطاق الأمور التي لا مجال للتفكير فيها خلال الفترة الحميدية. وبعد اربع سنوات، كانت الانتخابات اللاحقة أكثر فاعلية من حيث التنافس وقد "شهد العراقيون للمرة الاولى [ظاهرة] التنافس الحزبي بين المرشحين". وفي تلك الانتخابات فان عدداً من المرشحين، ولا سيما من مدينتي البصرة والعمارة الجنوبيتين، ممن كانوا يعارضون بقوة سياسات وممارسات جمعية الاتحاد والترقي تمكنوا من الفوز بمقاعد برلمانية. وكان للرياح نفسها ذات التغيير الليبرالي، وإن كان من اتجاه مختلف، تأثير كبير على المدينتين الشيعيتين المقدستين النجف وكربلاء. وقد أحدثت الثورة الدستورية الفارسية لعام 1906 انقساماً (ومعه نقاشاً حاداً) بين رجال الدين واتباعهم الخاصين في المدينتين العراقيتين المقدستين بين أولئك الذين ارادوا حذو انموذج الدستوريين الفرس واولئك الذين واصلوا دعم الاستبدادية الملكية. وكان من الطبيعي قبل عام 1908 ان يكون لمؤيدي الحكم المطلق في المدن الشيعية المقدسة السيطرة على الجماهير، وقد دعمت البنية السياسية المستبدة للسلطان عبدالحميد قضيتهم غير ان المد تغير بعد عام 1908 حين بات المناخ السياسي أكثر ودية تجاه الدستوريين. وفي عام 1909، نشرت صحيفة بغدادية تقريراً يحمل عنوان، "الاحرار مقابل مؤيدي الحركة الرجعية"، استعرضت فيه على أساس زمني محاضر اجتماع شعبي جرى في مدينة كربلاء الشيعية، وفيه القى المتحدث المدعو لحضور الاجتماع باللوم للمقتل المروع للأمام المبجل الحسين  في عام 680 بعد الميلاد على شرور الحكم الاستبدادي المطلق. وعندها مضى مجادلاً أن أهواء الحكم الاستبدادي تُعد غريبة عن مبادئ العدل والمساواة بين جميع عباد الله المتجسدة في تعاليم الاسلام. وعندها اعلنت الصحيفة على نحوٍ ذي مغزى انه بينما امتعض بعض مؤيدي الحكم الاستبدادي المطلق للرجعيين من فحوى كلام المتحدث، فقد شاطر أغلبية الحاضرين وجهة نظره في واقع الامر.ولا يوحي هذا الأمر حتماً بوجود تغيير فكري بين اغلبية العراقيين نحو تبني قيّم ليبرالية؛ فالسواد الأعظم من السكان، وهم أميون ويفتقرون إلى الوعي بالمناقشات التي يقتصر فهمها على فئة صغيرة، سيُصيبهم الفزع جراء الأفكار"الآثمة" عن المساواة أمام القانون للرجال والنساء وللمسلم، والمسيحي، واليهودي. وفضلاً عن ذلك، واصل العديد من رجال الدين إظهار عدائهم تجاه الليبرالية المنتهكة للقيّم ( بنظرهم ـ المترجم)؛ بل أن بعضهم كان معارضاً، على نحو يتسم ببعض الحدة، إلى قراءة الطبقة المتعلمة للصحف والمجلات، التي عدّوها في أحسن الاحوال مضيعة للوقت والافضل بدلاً عنها قضاء الوقت في دراسة النصوص الدينية، وفي أسوأ الأحوال استيراداً لأفكار هدامة لطريقة الحياة الاسلامية. ومع ذلك وبينما لم تكن مقبولة قبولاً عاماً بأي حال من الأحوال، فإن الحركات الدستورية حفرت بالفعل طريقاً سياسياً وفكرياً مختلفاً في وعي الشرائح المتعلمة والواعية سياسياً من المجتمع.ولم تستمر فترة الليبرالية والانفتاح السياسي طويلاً، حيث سرعان ما تحولت جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم الاستبدادي المطلق وإلى انتهاج سياسة معلنة للتتريك في الولايات الناطقة بالعربية، ومن ثم، تقلصت النشاطات السياسية في الولايات الثلاث التي (أي النشاطات السياسية ـ المترجم) ستتحول على نحوٍ متزايد إلى احزاب وجمعيات مناهضة للعثمانيين.ومهما يكن من أمر، فسرعان ما ستجلب الحرب العالمية الاولى البريطانيين إلى العراق لإعادة التحفيز على نشر المثُل الليبرالية والدستورية. وقد تعهد البريطانيون علناً على ان هدفهم ليس احتلال العراق بل تحرير العراقيين من الحكم العثماني الاستعماري والقمعي. وبالنسبة للسواد الاعظم من السكان، بدت هذه المشاعر غريبة نوعاً ما. ولاعتيادهم على العيش لقرون في ظل هيمنة إستعمارية، لذا أصابت العراقيين الحيرة جراء إعلان بريطانيا بان استفتاءً سيجري لتقرير شكل الحكم الذي يرغب به السكان من اهل البلاد. وقد أخبر أحد الشيوخ العشائريين مسؤولاً بريطانياً: "انتم، الحكام، تطلبون منا ان نخبركم بشكل الحكم الذي نختاره... وهو طلب غريب، لم نسمع به من قبل. لماذا ينبغي عليَّ التدخل في هذه العملية؟ لو أردتم تعيين مسيحي، أو يهودي، أو حبشي، فأنه سيكون، بالنسبة لي، حكومتي". وكان امراً غير مفهوم على نحوٍ واضح بالنسبة للعراقيين ان الامبراطورية الغازية الأعظم قوة في وقتها، التي تحوز على سطوة لا تُضاهى وثقافة رفيعة، تطلب من المهزومين تحديد مستقبلهم السياسي.وفي حقيقة الامر، وكما رأينا، فإن وجهة النظر تلك شاطرها إلى حد كبير للغاية المندوب السامي وكالة في العراق الكولونيل اي. تي. ولسن، الذي شعر بأن هذا الشعب الذي تحرر حديثاً سيحصل على افضل خدمة حين يخضع لحكم بريطاني مباشر. وبدون مقاومة من وطنيين قلائل، الذين ابعدهم ولسن عن نطاق تفكيره إبعاداً ينم عن ازدراء، حيث كانوا يُطالبون بالاستقلال، فأن السواد الأعظم من السكان، كما كان يعتقد (أي ولسن ـ المترجم) باستمرار، كانوا بعيدين عن الاضطلاع بالعبء الثقيل لإدارة الدولة. ولذا فقد شرع في التخطيط لنوعٍ من الاستفتاء تناسبت نتائجه مع رؤيته الخاصة. وقد تحول الاستفتاء، على يديه، إلى "مضابط" يقدمها مجموعة من الشيوخ والوجهاء المالكين للأراضي، الذين وجدوا ان الوجود البريطاني الدائم سيخدم مصالحهم الاقتصادية، والذين، طبقاً لولسن، سيتحدثون بالنيابة عن رجال عشائرهم واتباعهم الاميين.وحين أُجريَّ الأستفتاء، كانت غالبية المضابط تدعم الوجود البريطاني دعماً مؤكداً. وثمة مضبطة إنموذجية، تنطوي على إحترام واضح، قدمها أهل كربلاء، على الرغم من أن زعماء دينيين كانوا قد أصدروا في وقتٍ سابق فتوى (وهي مرسوم ديني) ضد الحكومة غير المسلمة:
طبقاً للأمر الصادر من حكومتنا العادلة حكومة بريطانيا العظمى، دامت عدالتها، لاختيار حكم للعراق... لقد أذعنا للأمر وقررنا تلبية" للصالح العام أن نكون تحت انتداب حكومتنا الشفوقة والشهمة حكومة بريطانيا العظمى في الوقت الحاضر في اقل تقدير حتى يُمسك العراق بأسباب التقدم [وعلى أية حال] فالقرار بيد من يملك الحق باتخاذ القرار .(العبارة الموضوع خط تحتها مكتوبة بالاحرف الطباعية المائلة ـ المترجم) .ومن ناحية أخرى، لم يكن ثمة مقدار من الضغط والامتناع سيعمل على ثني ممثلي بغداد المسلمين المُطّلعين سياسياً عن إعلان موقفهم المناهض للحكم البريطاني، واختيارهم بدلاً من ذلك تولي ملك عربي مسلم للحكم، يكون مقيداً بمجلس تشريعي مقره في بغداد. وفي برقياته إلى وزارة المستعمرات ، قلل ولسن من اهمية مضبطة بغداد بوصفها عملاً "لسياسيين هواة في بغداد ".وقد بذل جهده لاستصدار مضابط من مجموعات بغدادية اخرى دافعت عن السيطرة السياسية البريطانية، وإرسالها إلى لندن. ويستنتج فيليب ايرلاند، وهو مراقب وثيق للتطور السياسي العراقي خلال تلك الفترة، انه بينما كان الشعب العراقي على وجه العموم مؤيداً على الارجح لاستمرار الاحتلال البريطاني، فإن الصورة لم تكن احادية المشهد كما قدمها ولسن إلى لندن. ويُسلّم ايرلاند بحقيقة أن "التعليمات التي اصدرها المندوب السامي وكالة، وطريقة اختيار الموقعين على المضبطة، والمقابلات الشخصية التي أُجريت والاجراءات الاحتراسية المتبناة أُختيرت بطريقة لا تُبرز سوى الآراء المحابية، ومنعت التعبير الاصيل للرأي المحلي في بغداد من أخذ طريقه إلى حكومة صاحب الجلالة، ما لم يكن الرأي المحلي مرضياً للأدارة المدنية نفسها". وقطعاً لم يكن ثمة نقص في الوجهاء العراقيين الحضريين والعشائريين، ممن في مسعاهم لكسب ود الاوصياء على السلطة حالياً، كانوا سيصدرون مضابط مؤيدة يرغب بها البريطانيون.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com