ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر بعد ثورة العشرين اقتنعت بريطانيا بـإقامة ملكية في العراق ومنح العرش لفيصل

عدد المشاهدات   952
تاريخ النشر       17/04/2018 05:37 AM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


العمليات والمناقشات الدستورية
تمكنَ البريطانيون في نهاية الأمر من إنزال الهزيمة بالانتفاضة، ولكن كانت التكلفة باهظة للغاية بحيث سرعان ما جرى التخلي عن اية افكار وهمية للحكم المباشر. وقد انيطت بالمندوب السامي الجديد، السير بيرسي كوكس، مهمة إقامة دولة تخضع لحكم عربي. وقد اختار البريطانيون بعد تفكير دقيق إقامة ملكية، ومنح العرش لفيصل، ثالث انجال شريف مكة. وعلى الفور، شرع البريطانيون والملك المفترض بحملة لاقناع السكان بمنح مظهر للشرعية لمملكة العراق المستقبلية: كان فيصل بحاجة إلى ان يظهر بمظهر مَنْ هو من اهل البلاد وان يقدم نفسه الى الخارج بوصفه ملكاً اختاره الشعب. وصدرت تعليمات إلى السلطات المحلية في مختلف الالوية لعقد سلسلة من المؤتمرات للتداول والتصويت على تولي فيصل العرش. ومع ذلك، فسرعان ما تحول هذا الامر إلى العملية ذاتها التي كان معمولاً بها في الاستفتاء، حيث كان المطلوب توجيه سلسلة من المضابط التي تؤيد اختيار فيصل. وكانت العملية، كما رأينا في الفصل السابق، مصممة تصميماً دقيقاً لضمان تصويت جماعي "بنعم" لصالح فيصل، وهي كانت تسعى في أقل تقدير إلى بلورة انطباع بوجود مشاركة من القاعدة الشعبية. ولذا تبلورت لدى البريطانيين توقعات كبيرة بأن ترشيح فيصل سيحظى بموافقة سهلة وإجماعية. وفي واقع الأمر، فقد صوتت معظم الالوية لصالح ملكهم المستقبلي، بل أن البعض طالب باستمرار الاشراف البريطاني. غير ان هناك بعض المفاجآت غير السارة كانت بانتظار البريطانيين؛ فلواءا كركوك والسليمانية الكرديان على نحو ٍساحق صوتا فعلياً ضد اختيار فيصل، في حين أصرت الموصل على إضافة بنود تنص على حماية حقوق الاقليات السياسية والثقافية. وقد أخرت البصرة العملية، حيث أصرت في بادىء الأمر على إقامة نظام فيدرالي فضفاض، وطالبت بغداد، حيث تركز معظم النشاط الوطني، "بديمقراطية مستقلة، ودستورية، وبرلمانية لا ترتبط بقوة خارجية" ومضت بغداد أبعد من ذلك حين طالبت "بعقد مجلس وطني خلال ثلاثة أشهر من تتويج فيصل" ان موقف المدينة الاكبر (أي مدينة بغداد ـ المترجم) في الملكية المقترحة لم تكن شيئاً كان السير برسي كوكس قد توقعه بسبب مقدار الجهد الذي كان البريطانيون قد بذلوه في عملية كان المتوقع منها ان تؤتي بالنتائج الايجابية المرغوبة. ومنذ ذلك الوقت فصاعداً، تنامت علاقة مرتبكة، واحياناً عدائية على نحوٍ واضح، بين الوطنيين، الذين طالبوا بديمقراطية برلمانية حقيقية، والمندوب السامي والموظفين البريطانيين الاخرين الذين لم يكونوا معارضين لمنح بعض الحريات السياسية، طالما إنها لا تقوض الهيمنة السياسية البريطانية. وقد وصل هذا الصراع إلى مرحلة حرجة بعد عامٍ واحدٍ من تولي فيصل لمهام منصبه. فقد ارسل الاعضاء ذاتهم في اجتماع بغداد ممن كانوا قد اصروا على الدستورية الملكية مذكرة إلى الملك تنتقده انتقاداً قاسياً على تأخره بإقامة "مجلس تشريعي تكون الحكومة مسؤولة أمامه، طبقاً لبنود يجري تشريعها لحكومة دستورية". وأضافوا أيضاً بعدم جواز التفاوض على عقد معاهدة مع بريطانيا قبل "انتخاب المجلس انتخاباً حراً على نحوٍ كامل".  وبينما قد يكون بالامكان على نحوٍ سهل المحاججة بأن مذكرة كهذه جاءت ضمن المقاييس المقبولة للخطاب الديمقراطي، فقد نظر إليها المندوب السامي بوصفها عملاً خطيراً، بل مُهين، للتحريض السياسي من اقلية صغيرة لا تحوز على تمثيل. لذا فقد تحرك ضد قادة المجموعة، حيث طرد عدداً منهم خارج البلاد. وكان الغضب الناجم عن إجراءات المندوب السامي محط استشعار يتعدى الطبقات المتعلمة والمهنية. فرجال الدين الذين كانوا قد طالبوا فيصل مطالبة صريحة بحكم دستوري وبرلماني، اصدروا الآن فتاوى تحظر الاشتراك في الانتخابات الخاصة بالمجلس التأسيسي العراقي المقترح، ما لم توافق الحكومة والبريطانيون على المطالب الشعبية المشروعة، التي شملت الغاء قوانين الطوارئ القائمة، والتأكيد على حرية الصحافة والحق بالتجمع، والسماح بتشكيل الاحزاب السياسية، وإعادة القادة السياسيين ممن نفاهم البريطانيون خارج البلاد. وعلى نحوٍ ما، كان هذا الحدث صورة مصغرة للمأزق البريطاني في العراق الذي سيستمر طوال فترة الانتداب، 1921-1932. وبينما بدأت أفكار الاستقلال والتحرر تتغلغل في الوعي العراقي، كان ثمة انقسام هائل بين الوطنيين والطموحات الديمقراطية للقلة من النخب الحضرية المتعلمة والمثيرة للصخب وغالبية العراقيين ممن لم ينفكوا غير مكترثين بالأفكار الراديكالية للتغيير السياسي والتحول الديمقراطي. وبعد عامٍ واحد بالكاد، كان السير بيرسي كوكس قد طلب من مجموعة من الشيوخ العشائريين من الجنوب بيان شكل الحكم الذي يفضلونه في بلدهم المستقل مستقبلاً. وكانت إجابتهم مؤشراً على الميول السياسية لغالبية العراقيين؛ فكانت إجابة واضحة في الصميم: "الله ربنا، ومحمد نبينا، وكوكس حاكمنا"  ففي مشهد ديمغرافي ما انفك محط هيمنة السكان الريفيين والقيّم العشائرية، قد يكون كوكس معذوراً لابعاده الوطنيين والديمقراطيين البغداديين بوصفهم اقلية راديكالية تكاد لا تمثل السكان إجمالاً. وقد غذى هذا المأزق التناقضات المتأصلة في السياسات البريطانية، الممزقة بين التزام باقامة حكومة تمثيلية والحاجة إلى تأكيد حق امبراطورية مهيمنة للسيطرة على مصير شعب لم ينفك نضجه السياسي في بواكيره. ولذا، وبينما ستُعلن وزارة المستعمرات ان بريطانيا ملتزمة باقامة "ملكية دستورية" وانها كانت قد تعهدت بإقامتها، فأن كوكس سيعطي نفسه رسمياً سلطة التحكم في القرارات التي يتخذها مجلس الوزراء العراقي وتنفيذها. وكما رأينا فعلياً، فان تجاذب هذين الدافعين المتعارضين قد أفسد العلاقات البريطانية مع النخبة السياسية المنبثقة من أهل البلاد طوال فترة الانتداب. وفي ما يتعلق بالتطور الديمقراطي، الذي كان ظاهراً في الفترة المضطربة للمجلس التأسيسي للبلاد، فقد جرى انتخاب اول برلمان عراقي.
التطورات البرلمانية
خلال العقد الاول من عمر الدولة، سعت بريطانيا إلى تنظيم علاقاتها مع الحكومة العراقية من خلال سلسلة من المعاهدات، كان المقصود منها جميعاً حماية الهيمنة البريطانية وإضفاء الشرعية عليها. وقد حظيت المعاهدة الأولى بقبول مجلس الوزراء في عام 1922، بيد انها كانت خاضعة لمصادقة مجلس تأسيسي. ولاعترافهم بحجم العداء الذي كان العراقيون يكنونه لأفكار التفويض "الانتدابي" عليهم، فقد صاغ البريطانيون معاهدة عام 1922 كي تحل اساساً محل المدة الانتدابية المبغوضة. ومع ذلك، ففي واقع الامر، فأن المعاهدة الأنكلو ـ عراقية منحت المسؤولين البريطانيين وظائف رقابية واسعة على الجهاز السياسي والاداري للبلاد، وجعلت البلاد معتمدة عسكرياً ومالياً على بريطانيا. ان المعارضة للمعاهدة ولطبيعة التعامل الذي انتهجته الحكومة حيال المعارضة، التي قادتها العناصر الوطنية ورجال الدين الشيعة أرجأت الانتخابات ذات الدورين للمجلس الوطني حتى اواخر عام 1923. وقد أُجريت في نهاية الأمر في شباط عام 1924. وقد تجمع النواب المنتخبون في بغداد في السابع والعشرين من آذار عام 1924 للاستماع إلى الملك فيصل وهو يفتتح المجلس التأسيسي الذي طال تأخير انعقاده. وقد ألقى الملك كلمات بليغة عن الديمقراطية البرلمانية، حيث مجدَّ فضائل الحرية، مذكراً البرلمانيين بأن الشريعة الإسلامية استندت إلى "الشورى" وحثهم على المصادقة على مسودة الدستور ووضع الإجراءات الانتخابية الخاصة بالبرلمان. غير أنه لا الدستور ولا القانون الانتخابي كانا المادة الأولى في النقاش. وخضوعاً للمطالب البريطانية، فأن المعاهدة الانكلو ـ عراقية هي المادة الأولى التي نيط بالمجلس مناقشتها والمصادقة عليها. وشعر البريطانيون بالثقة بأن المجلس سيصادق على المعاهدة بسرعة، بما أن عدداً لا يزيد على الخمسة عشر نائباً من أصل النواب المئة المنتخبين (بفتح الخاء ـ المترجم) كانوا قد أبدوا آراءً مناهضة للمعاهدة. وقبل ثلاثة أسابيع من انعقاد المجلس، كتبت صحيفة بغداد تايمز، الناطقة بلسان المؤسسة البريطانية قائلة:

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com