ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر ماذا اقترح النائب ناجي السويدي عقب افتتاح الملك للمجلس التأسيسي؟

عدد المشاهدات   934
تاريخ النشر       18/04/2018 05:51 AM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


 برأي القضاة المختصين فإن حصول تعقيد في المصادقة على المعاهدة الانكلو ـ عراقية لم يُعد أمراً مؤكداً. فثمة تخمين بوجود ما لا يقل عن 60 نصيراً متحمساً للمعاهدة وأن نسبة كبيرة من الأربعين نائباً المتبقين ستصوت لصالحها، في حالة توجيه المجلس توجيهاً مناسباً.وسرعان ما أتضح ان ظن البريطانيين بوجود "مجلس مطواع وقابل للإذعان كان وهماً". فبالنسبة للطيف الوطني في المجلس، فأن المعاهدة ببساطة ستحتفظ بالعلاقة الانتدابية من خلال آلية مختلفة. وبعد إستماعهم إلى الإطراء الكامل للملك على الديمقراطية والحرية، عقد اعضاء المجلس العزم على تعنيفه وتعنيف حكومته، والمندوب السامي.إن المصادقة السرية على المعاهدة التي كان البريطانيون يأملون بها، وفي واقع الأمر يتوقعونها، قد تحولت إلى ما يزيد على الشهرين من النقاش العدائي الحاد والصريح. وعلى الأرجح تبلور لدى البريطانيين إنطباعاً مبكراً عن هذا الأمر حين إقترح أحد النواب الوطنيين، ناجي السويدي، عقب إفتتاح الملك للمجلس مباشرة، بضرورة تقديم المعاهدة أولاً إلى الشعب كي يتخذ النواب القرار المناسب في ضوء "رغبات الشعب وطموحاته" وكان هذا الأمر، كما أتضح للمجلس وللبريطانيين، مساوياً في معناه لرفض المعاهدة، وقد مهد السبيل لمزاجٍ سياسي ينطوي على هجومٍ حاد وعنيف على المعاهدة. وسرعان ما بدأ السويدي ونواب آخرون مثقفون و يمتازون بالفصاحة ممن يضمرون مشاعر وطنية جياشة بكسب الآراء ضمن المجلس، ولاسيما بين الشيوخ العشائريين الرئيسين، ضد المعاهدة على اساس أنها ستعمل على تقييد إستقلال العراق وتثقل كاهله بأعباء مادية باهظة.ومع اشتداد المعارضة للمعاهدة ضمن المجلس، حيث أصبحت حادة على نحوٍ متزايد، تصاعدت أيضاً المشاعر المعادية لبريطانيا في شوارع بغداد ومدن عراقية أخرى. وقد تنامت التظاهرات المناوئة للمعاهدة على نحوٍ أكبر وأكثر حدة. وكان لهذا الأمر تأثير جذري على نواب المجلس، ولاسيما على عدد من الشيوخ العشائريين المنتخبين (بفتح الخاء ـ المترجم) ممن جرى الاعتماد عليهم في المصادقة على المعاهدة. وسواء تفهم هؤلاء الزعماء العشائريون تفهماً منطقياً عدم وجود شعبية كبيرة للمعاهدة أو كانوا هم أنفسهم مأخوذين بالحماس العاطفي نفسه الذي اكتسح البلاد، فهم لم يغيروا ولائهم، حيث تحولوا إلى مناصرين متحمسين أما إلى رفض المعاهدة جملةً وتفصيلاً أو في أقل تقدير تعديل بعض بنودها غير المستساغة. وباستعمالهم لمفردات قاموس التعابير الشعرية العشائرية الموغلة في القدم، المستند إلى افكار الشرف والرجولة، فأنهم سيهاجمون المعاهدة بوصفها أداة لاستعباد العراقيين، وهو شيء لن يسمح به قط رجال العشائر الأُباة ممن، كانوا قد ضحوا، قبل اربع سنوات، بأنفسهم من اجل شرف بلدهم وبحلول مطلع حزيران، أمسى النقاش في المجلس محط هيمنة الخطاب المتسم بالخشونة المناوىء للبريطانيين . وقد وصف أحد النواب المعاهدة، وموادها، وملاحقها، بكونها "ضربة مميتة لاستقلالنا، المقصود منها نفي جوهر وجودنا"، في حين وجه نائب آخر الاتهام لكل مِنْ يوافق على المعاهدة بكونه "يرتكب خيانة تنطوي على تفريط بالدين، والشرف، والحرية". وقد حفز هذا زعيم عشائري بارز على التهديد بتفجير إنتفاضة أخرى على غرار انتفاضة عام 1920 في حالة إستمرار بريطانيا بالإصرار على عدم تعديل المعاهدة.وقد لمّح البريطانيون، الذين أصبحوا أكثر إنزعاجاً من تصاعد حدة خطاب المعارضة، بأن أي تأخير إضافي في التصديق على المعاهدة سيكون له تأثير سلبي على مصير ولاية الموصل في الشمال، التي كانت في ذلك الوقت مسألة خلافية بين العراق وتركيا. ويقيناً كان ثمة نواب نصحوا بالموافقة على المعاهدة، بصرف النظر عن مقدار التذمر الذي قد يُثيره رأي كهذا. وقد قام نوري السعيد بتذكير زملائه المتصلبين إن العراق بلد صغير يفتقر إلى جيش وتسليح حديث. وهو بحاجة إلى حماية قوة إستعمارية في الوقت الحالي في الأقل، وإن إستعداد بريطانيا الآن هو أمر يفتقر إلى الحكمة. غير ان نصيحته هذه إنصبت في أذان أصمها الهياج المطالب برفض المعاهدة أو تعديلها تعديلاً جذرياً.وبحلول التاسع من حزيران، كان جلياً للملك ان المناخ في المجلس كان على نحوٍ يجعل من أي آمال مبكرة بإمكانية تصديق المعاهدة تتلاشى بسرعة. وقد وضعه هذا الأمر بموقفٍ حرج، كونه كان متأرجحاً بين مطالب البريطانيين التي كان يعرف بأن عليه الالتزام بها وبين المعارضة الصاخبة "لممثلي شعبه" والتي هو بحاجة إلى أن يظهر بمظهر المتعاطف معها. ولذا فقد دعا عدداً من نوابه إلى القصر والتمس منهم عدم المبالغة في تصعيد الموقف. وباسلوبٍ كلامي ينم عن تروٍ، قال الملك: "أنا لا أطلب منكم قبول المعاهدة أو رفضها. ينبغي عليكم أن تتخذوا ما ترونه في صالح البلاد. غير أنكم أذا قررتم رفض المعاهدة، فينبغي عليكم أن لا تتركوني معلقاً بين السماء والأرض. وسيستوجب عليكم التوصل إلى حلٍ آخر". وقد حفز هذا الطلب الملكي على إجراء نقاشٍ في المجلس يخص القيام بتصويت فوري على المعاهدة، غير أن تلكم الأصوات التي كانت تأمل بنتيجة إيجابية سرعان ما حُجبت جراء المناشدات الشديدة الحماس المناوئة للمعاهدة، ومرة أخرى توقف النقاش، بحيث لم يكن ثمة خيار أمام رئيس المجلس سوى تأجيل الجلسة. وعند ذاك فأن السير هنري دوبس، خليفة كوكس بوصفه المندوب السامي البريطاني، الذي مال إلى رؤية أية معارضة للبريطانيين في المجلس بوصفها عملاً ديماجوجياً، عقد العزم على التصرف تصرفاً حاسماً لكبح المد المعادي للمعاهدة. وفي صباح العاشر من حزيران، بعد أكثر من شهرين على إنعقاد المجلس، ذهب هنري إلى القصر حيث قام بتسليم إنذار نهائي يفيد بوجوب التصديق على المعاهدة في منتصف ليلة اليوم ذاته، وإلا سيستوجب على الملك إستعمال صلاحياته الدستورية لتعطيل عمل البرلمان. ولمواجهة التهديد بالحل، تدافع أعضاء الحكومة والقوات الأمنية في ذلك المساء وقاموا بتجميع (69) نائباً من أصل عدد النواب الكلي البالغ (100) نائباً، حيث قاموا بانتزاعهم من أسرة نومهم، وإرغامهم على التصويت على المعاهدة. ولم يصوت سوى (37) نائباً لصالح المعاهدة، في حين صوت (24) نائباً ضد المعاهدة مع إمتناع ثمانية نواب عن التصويت. وهكذا نجح البريطانيون في نهاية المطاف بإقناع النواب بالتصويت لصالح المعاهدة. وقد أفسدوا العملية الديمقراطية من خلال الاستعمال الصارخ للتعسف السياسي. وطوال العقد اللاحق، واصلوا التدخل في اعمال البرلمان، حيث قمعوا القرارات والتعديلات وهددوا بحل المؤسسة. ومع ذلك، فخلال الحياة القصيرة للمجلس التأسيسي، كان البرلمانيون، بعد أن فهموا بسرعة وظائف المؤسسة ومسؤولياتهم الخاصة، قد رفعوا من وتيرة الدفاع الشجاع لِما اعتقدوا بأنه يخدم مصالح البلاد خير خدمة.وكان المجلس التأسيسي بداية ميمونة للحياة البرلمانية في العراق. وأن الحرية النسبية التي أُجريت فيها المناقشات وحيادية الحكومة، حتى تدخل المندوب السامي، كانت بشيراً على توسع دور البرلمان في الحياة السياسية العراقية. غير أن الحكومات العراقية المتعاقبة، بناءً على توجيهات من البريطانيين تخص طريقة عملها، قد عملت على نحوٍ دؤوب على إضعاف البرلمان بجعله خاضعاً لمجلس الوزراء ورئيس الوزراء.وقد سمح عدد من العوامل الدستورية والمؤسسية للحكومة بتحقيق ذلك الهدف، وبالقيام به على نحوٍ يسير نوعاً ما. فأولاً، وكما رأينا في الفصل السابق، منح الدستور المؤسسة التنفيذية، ولاسيما الملك، سلطات تكفي لجعلها المؤسسة المهيمنة التي تصنع السياسة. وفي ما يتعلق بالبرلمان، يحوز الملك على سلطة أرجائه وتعطيله وحله، وفي حالة عدم إنعقاد المجلس، يحوز الملك على الحق الدستوري الذي يخوله إصدار القوانين، التي تحوز، بالاتفاق مع مجلس الوزراء، على قوة القانون. ولأضفاء هذا الأنموذج الذي يمنح حقوق وإمتيازات دستورية واسعة للملك، نص الجزء الثالث من الدستور على: "إن السلطة التشريعية مناطة بالبرلمان وبالملك". وقد أضعف هذا التطفل على مبرر وجود البرلمان المؤسسة التشريعية إضعافاً طبيعياً، حيث جعلها ملحقة بالمؤسسة التنفيذية. ولا عجب ان يُعلن أحد البرلمانيين بأن النظام الدستوري جعل الملك "القيّم الأوحد على السلطة". وفي سياق العلاقات التنفيذية ـ التشريعية الأوسع، فأن مجالس وزراء متعاقبة، غير المسرورة بشبح المعارضة، كان تهدد البرلمان بالحل تهديداً ينم عن إصرار، ومراراً ما حصلت (أي مجالس الوزراء – المترجم) على أمرٍ ملكي يحقق لها هذا الهدف. وحيث أنه مقيد جراء ضعفه الدستوري، لم تكن للبرلمان رغبة كبيرة بتحدي السياسات الحكومية تحدياً ينم عن تصميم وفعالية، ناهيك عن القدرة على نقضها. وفي حقيقة الأمر، فأن البرلمان لم يُقر تصويتاً واحداً بحجب الثقة عن أية وزارة طوال كامل الحقبة الملكية.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com