ملفات وقضايا

 

أثر الاحتلال الأميركي وداعش في التعليم بالعراق؟ عام 1925 قدم رئيس الوزراء ياسين الهاشمي استقالة حكومته لأنه كان يشعر بأنه لم يعد يحظى بثقة البرلمان

عدد المشاهدات   270
تاريخ النشر       19/04/2018 06:34 AM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


 ثمة عامل آخر أسهم بالضعف البرلماني تمثل في قانون البلاد الانتخابي الذي أعطى الحكومة سهولة كبيرة في التدخل في العملية الانتخابية. وكان المجلس التأسيسي قد صادق على هذه العملية الانتخابية بعد المصادقة على المعاهدة واقرار الدستور. وقد نص على إقامة إنتخابات من دورين، ونظام إنتخابي غير مباشر. وثمة إنتخابات عامة، تتألف من مصوتين رئيسين، ستفرز مجموعة من المصوتين الثانويين الذي سينتخبون عندها نواب البرلمان. وسيمنح هذا القانون البلاط الملكي والحكومة عدداً أصغر للناخبين وأكثر مطواعية. وفضلاً عن ذلك، فقد جرى منح الحكومة فرصتين للتدخل في العملية؛ فما قد تُخفق فيه في الجولة الأولى، قد تتمكن من تلافيه في الجولة الثانية، وليس في الغالب أكثر من التواطؤ مع المقيمية البريطانية، تقوم الحكومات بالتلاعب بالانتخابات على نحوٍ فعلي. وكان هذا الأمر هو السائد ولاسيما في الانتخابات التي سبقت التصديق على المعاهدات مع بريطانيا. ولتصميم البريطانيين على إقرار المعاهدات من دون معارضة كبيرة، فأنهم سيسلطون الضغط على الملك لضمان إنتخاب المرشحين لمجلس النواب الذين يعدّهم البريطانيون مستعدين لتقديم المساعدة لسياساتهم (أي لسياسات البريطانيين ـ المترجم). وقد أنتج هذا التلاعب في العملية الانتخابية أغلبية حكومية جاهزة تقريباً:
لقد أثبتت الأوامر السرية [من] الحكومة إلى المسؤولين في الألوية أنها كانت كافية لضمان إنتخاب مرشحيها سواء أكانوا مقيمين في المنطقة أو حتى معروفين فيها. ولذا ففي عام 1925، فأن جميع المرشحين الحكوميين سوى اربعة جرى إنتخابهم... وفي عام 1928 فأن جميع المرشحين المنتخبين (بفتح الخاء ـ المترجم) من البصرة، والعمارة، وديالى، والدليم، والحلة وآلوية اربيل كانوا مرشحين حكوميين. ومن بين نواب بغداد الثلاثة عشر فأن خمسة منهم تقريباً كانوا مرشحين حكوميين. وفي هذين الانتخابين، فضلاً عن إنتخابات عام 1930، فأن عدد مرشحي المعارضة الذين احتضنتهم الحكومة باتقان وفقاً للمبدأ الذي كان محط تأييد الملك والذي مفاده ان الاعضاء الموهوبين في صفوف المعارضة سيُثيرون صعوبات أكبر خارج البرلمان... ولذا ففي عام 1928، فأن نصف اعضاء المعارضة البالغ عددهم واحداً وعشرين عضواً المنتخبين (بفتح الخاء ـ المترجم) في المجلس كانوا قد حصلوا في السابق على قسيمة حكومية.
ويلقى هذا الوصف تأييد عضو رسمي في المقيمية البريطانية حيث يُقر بان قائمة النواب المنتخبين (بفتح الخاء ـ المترجم) تتطابق مع قائمة المرشحين الذين تدعمهم الحكومة والتي كانت ستُسلّم إلى المسؤولين في الألوية قبل الانتخابات. وفي واقع الأمر، ثمة نائب عشائري، يبدو أنه كان يعاني من وخزة ضمير، وجد نفسه مرغماً على الاعلان في المجلس في اعقاب إنتخابات عام 1928 بأنه كان يمثل لواء الكوت في البرلمان، على الرغم من أنه من لواء ديالى، وهو في حقيقة الأمر لم يكن يعرف شخصاً واحداً من الكوت. وقد ألقى ناجي السويدي، الشخصية النشيطة في المعارضة، ولكنه ما أنفك يمثل دعامة من دعامات النظام السياسي الملكي، اللوم، في مقابلة صحفية جرت في عام 1936، على الحكومات العراقية المتعاقبة "لاختيارهم النواب حتى من دون إنتظار إجراء الانتخابات". وطبقاً لمراقب آخر، كانت الحصيلة وجود "نواب بأيادٍ قصيرة وألسنة مقطوعة". وعلى الرغم من هذا الغلو في الوصف، لم يكن ثمة شك بأن تلاعباً حكومياً دائماً في العملية الانتخابية قوّض إستقلالية البرلمان، وحجّم من قدرته على التشريع على نحوٍ مستقل عن المؤسسة التنفيذية.
وثمة عامل آخر يُضاف إلى هذه العملية من الضعف البرلماني يتمثل في النوعية المتفاوتة للنواب أنفسهم. فأكثر من ثلث اعضاء المجلس التأسيسي كانوا زعماء عشائريين، يكاد لا يكون العديد منهم متعلمين. ولذا، كانوا، في أغلب الأحيان، غير واعين وغير مستوعبين، للإجراءات البرلمانية. وفي النقاشات حول القانون الانتخابي في المجلس التأسيسي، فقد تطرق إلى مشكلة الأمية عدد غير قليل من النواب المتعلمين ممن كانوا ينحدرون إجمالاً من المدن. وبالنسبة لهم، فأن فكرة ان شخصاً ما يشترك في تشريع القوانين وهو في واقع الأمر غير قادر على القراءة ، ناهيك عن الاستيعاب، تُعد أمراً مثيراً للسخط. ومع ذلك، فهم لم يجدوا دعماً كبيراً في المجلس لأنَّ العديد من النواب إعترفوا إن العشائر كانت تشكل جزءاً مهماً من المجتمع العراقي. ولذا، فلم يكن بالمستطاع إقصاؤهم عن التمثيل السياسي من خلال إدخال صيغة ما من المستوى التعليمي، أو حتى مستوى بسيط من معرفة القراءة والكتابة. وفضلاً عن ذلك، لم يزل ثمة أثر قوي للاحترام والأعجاب برجال العشائر ممن كانوا قد ثاروا على البريطانيين في عام 1920 وضحوا بحيواتهم. وتمثلت الحصيلة في أنه لم يكن ثمة تمثيل عشائري كثيف وحسب، بل ان النواب من المناطق العشائرية أصبحوا يمثلون العمود الفقري لما بات يُدعى "بالقائمة الحكومية" وقد اكتسبوا سمعة سيئة لتأييدهم لمقترحات الحكومة في المجلس.
وعلى الرغم من جميع هذه المعوقات، فأن عمل البرلمان خلال العقد الأول من حياته لم يكن دونما حصة عادلة من الانجازات. وبينما لم يكن قادراً على كبح الهيمنة الوزارية كبحاً مطرداً، فقد عمل في عددٍ من المناسبات بوصفه كابحاً للمبادرات الوزارية، حيث أعاق التشريعات المنقوصة من الناحية القانونية وأماط اللثام عن الخروقات، ولذا فرض على الحكومة القيام بإعادة تقييم. وحتى أرفع وأهم الشخصيات الحكومية لم تكن تسلم من الألسنة السليطة للمعارضة، التي عوضت على العموم عن إفتقارها للوزن الكمي بشن هجمات متواصلة، وإنْ كانت متروية، على الحكومة وسياساتها. وعلى نحوٍ مثير، فأن الشخصيات الحكومية كانت تُصغي بانتباه إلى هذه الانتقادات اللاذعة وتستجيب لها إستجابة كاملة. وثمة قضية في هذا الصدد تمثلت في النقاش حول المعاهدة الانكلو ـ عراقية لعام 1930. وكانت الحكومة العراقية، وبضغطٍ مكثف من البريطانيين، قد وافقت على المعاهدة الجديدة بوصفها مقدمة ضرورية لقبول بريطانيا بدخول العراق في عصبة الأمم. وفي النقاش البرلماني، فأن اعضاء المعارضة، مثل ياسين الهاشمي، ورشيد عالي الكيلاني، وصادق البصام، هاجموا المعاهدة بنبرات حادة ومتصلبة، وإن كانت متروية. وقد إنطوى شجبهم للمعاهدة شجباً قوياً على تقريع الملك ورئيس وزرائه، نوري السعيد. وفي رده، لم يكن نوري أقل حماساً وأقل كياسة. وقد صاغ دفاعه عن المعاهدة صياغة براغماتية، حيث إعترف فوراً بأنها ليست بالمعاهدة المثالية؛ بل حتى أنه أتفق في رأيه مع عدد من الانتقادات التي وجهتها المعارضة، مشيراً إلى أنه لو كان العراق دولة سيادية ولم تكن خاضعة للانتداب البريطاني، لما كان قد نصح الملك بالتوقيع على المعاهدة. غير أنه في ظل هذه الظروف، كما كان يُصر، فأن هذا هو أفضل سبيل يأمل به البلد. وأنتهى الأمر بالنواب إلى التصديق على المعاهدة بهامش (69-13) ، وقد صادق مجلس الاعيان على المعاهدة بواقع (11-5). وعلى نحوٍ متوقع، حققت الحكومة ما كانت تأمل به، على الرغم من ان النقاش كان حاداً وينطوي على نقدٍ شديد، وكانت جلساتها اليومية محط متابعة نشيطة من الجمهور المتعلم.
ومن حين لآخر، حقق البرلمان نجاحات ملموسة أكبر: تعديل مشروع قانون حكومي، وإرغام الحكومة على تبني البعض من أفكاره (أي أفكار البرلمان  - المترجم)، وجعل أي وزير يُفكر ملياً قبل تقديم مقترح يخص سياسة وزارته. وفي أكثر من مناسبة واحدة، كان للبرلمان دور أساسي في إسقاط الحكومات. وفي عام 1925، قدم رئيس الوزراء ياسين الهاشمي إستقالة حكومته لأنه كان يشعر بأنه لم يعد يحظى بثقة البرلمان. وبعد عامٍ واحد، إنتخب البرلمان عضواً من اعضاء المعارضة رئيساً له بالضد من رغبة رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون، الذي عدَّ الأمر أزدراءً سياسياً فاستقال جراء ذلك.وعدا هذه النتائج الملموسة ونتائج أخرى، فقد أثر البرلمان في السكان بسبلٍ غير ملموسة حاسمة. فقد كان يمثل تجربة تثقيفية ملائمة للعديد من الطبقة السياسية الصاعدة في البلاد. ويُخبرنا ستيفن همسلي لونكريك، وهو عضو في المقيمية البريطانية، بأن "حتى إن مجلساً شبه مُعين كان يتمتع بذكاء، وخبرة، وروح المصلحة العامة ليكون هيأة تداولية ونقدية (أي تمارس النقد-المترجم)" ومع ان عمله لم يكن متكاملاً، لم ينفك البرلمان يسمح بالتعبير عن السخط ضمن النظام السياسي، ولذا فقد حجّم من إحتمالات التفجر العنيف للسخط.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com