ذاكرة عراقية

 

من أوراق رشيد محسن مدير الأمن العام في عهد عبد السلام عارف قصة الاضبارة الشخصية لصدام حسين في الأمن العامة

عدد المشاهدات   1778
تاريخ النشر       17/05/2018 12:48 AM



بعدَ أكثر من نصف قرن.. المحامي نجاة صاري كهية يكشف أوراق رشيد محسن، مدير الأمن العام في عهد الرئيس الأسبق عبد السلام عارف، الذي اعتقل صدام في عام 1964، وحقق معه، وأسرار (الاضبارة) الأمنية الخاصة بصدام، التي اختفت يوم 17 تموز 1968!.

أجرى الحوار - شامل عبد القادر

قضيتُ ليلة يوم الأحد 19 آذار في ضيافة المحامي المتقاعد نجاة علي صاري كهية، وهو شقيق زوجة المرحوم المقدم الركن  رشيد محسن مدير الأمن العام في عهد الرئيس الاسبق عبد السلام محمد عارف للفترة 1964-1965 والذي كان على صلة قريبة منه واطلع على خفايا واسرار تلك الحقبة من خلال اتصاله الاسري والعائلي وكانت فرصة امام السيد نجاة لازاحة الستار عن بعض تفاصيل هذه الحقبة خدمة للحقيقة التاريخية!.
يعد رشيد محسن وهو من مواليد بغداد وكرخي الانتساب يسكن منطقة الجعيفر من اشجع الضباط القوميين وأهدأهم في الوقت نفسه وبرغم قوته البدنية وشراسته التي عرف بها الشباب الكرخي الا انه كان غير ميال للعنف مع خصومه وكان يعرف اهالي الكرخ فردا فردا وكان يعرف صدام حسين باعتباره من سكنة الكرخ منطقة خضر الياس ويعرف اتجاهه البعثي ومطلع على نشاطه الحزبي والسياسي بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1963 الذي شارك به المقدم الركن رشيد محسن!.
روى لي السيد نجاة صاري كهية: كان رشيد محسن ينتسب الى عشيرة (الجميلة) اي عشيرة الرئيس عبد السلام عارف وهو كعارف ايضا من اهالي الكرخ الاصليين ويقطن منطقة الجعيفر في طفولته وفتوته وشبابه وعرف في الكرخ بشخصيته المتزنة والهادئة برغم قوته وجرأته وشجاعته واكمل دراسته في الكرخ وقدم اوراقه للكلية العسكرية وقبل فيها وتخرج فيها ضابطا برتبة ملازم وتزوج من شقيقتي وانجب منها ولدين هما حميد ومحسن وثلاث بنات وما زالت شقيقتي على قيد الحياة تعيش مع ابنتها في احدى الدول الخليجية منذ ان توفي رشيد في القاهرة في نهاية عقد تسعينيات القرن الماضي بعد ان لجأ اليها بعد انقلاب 17 تموز 1968!. ويمضي السيد نجاة الذي اشرف على عقده الثامن في تذكر ما تركه الزمن البعيد في طيات ذاكرته الطرية قائلا: اشتغل رشيد بعد ثورة 14 تموز 1958 في مديرية الاستخبارات العسكرية وهو رجل كتوم وكنت أزوره في تلك السنوات ولا يتحدث عن مسؤولياته إلا قليلا جدا وان اكثر ما عرفته جاء عن طريق زوجته وهي شقيقتي التي راحت تتذكر سلوكه وأقواله ومواقفه إبان تلك السنوات.. لم يكن رشيد ميالا للعنف وهو الرجل الاول على راس المؤسسة الامنية في العراق وكان يحترم المعارض السياسي – وان اختلف معه عقائديا وفكريا - مهما كان لونه السياسي ولا يلجأ للقوة والتعذيب في اجباره على الاعتراف ايام توليه الامن العام!.
* هل كان يكره الشيوعيين والبعثيين؟
- كان ينتقد سلوك الشيوعيين المتسم بالعنف في ايام هيمنتهم في عهد عبد الكريم قاسم وكان ايضا لا يتعاطف مع البعثيين الذين جاؤوا الى الحكم عام 1963 ونفذوا مجازر وحشية ايضا وكان الرجل بطبيعته يكره العنف ومسالما لكنه كان قويا ايضا في الحالات التي تقتضي "العين الحمرة"!.
* كيف اختاره عبد السلام عارف مديرا للأمن العام؟
- الرئيس عارف كان يعرفه جيدا لانه من منطقته الكرخ اولا ومن العناصر القومية ثانيا ومخلصا نزيها في عمله الامني والاستخباري وكان رشيد من كبار رموز الكتلة القومية الناصرية في العراق آنذاك اي من كتلة صبحي عبد الحميد وعرفان وجدي عبد القادر وهادي خماس وعبد الكريم فرحان وعارف عبد الرزاق.. وقد تبوأ هؤلاء مناصب حساسة في عهد الرئيس عارف فكان صبحي وزيرا للخارجية وهادي مديرا للاستخبارات وعرفان امرا للكلية العسكرية وهكذا كانوا ضامنو استمرار حكم عارف!.
* كيف ألقى رشيد محسن القبض على صدام بعد فشل محاولة 4\9\1964؟
- روى رشيد القصة كاملة لزوجته في القاهرة وكانا يستعيدان ذكريات عام 1964 وبعد ان اصبح صدام حسين نجما لامعا بعد عام 1968 وروت لي شقيقتي القصة نفسها وهي كالتالي: وصلت اخبارية بعد فشل حركة 4\9 التي استهدفت اغتيال الرئيس عبد السلام عارف بوجود صدام التكريتي في وكر حزبي في منطقة سبع ابكار فارسل رشيد مفرزة من ضابط امن وعددا من افراد الامن فطوقوا البيت وطلبوا منه الاستسلام لكنه قاومهم وفتح نيران مسدسه فاصاب ضابط الامن وهو برتبة ملازم وكان مقربا جدا من رشيد اصابه "شدخ" قرب عينه اليمنى فارسله رشيد الى لندن للعلاج واصيب اثنان من المفرزة بجروح والقي القبض على صدام وجلبوه الى مديرية الامن العامة مقيدا وعندما سمع الرئيس عبد السلام عارف بمقاومة هذا "البعثي" امتعض جدا!.
ويضيف السيد نجاة: روى رشيد قصة اللقاء مع صدام قائلا: كنت اعرف صدام التكريتي في منطقة الكرخ وكنت اعرف ان له سلوك شقاوة في محلة خضر الياس ولهذا اوصيت الدائرة ان يتعاملوا معه من دون اهانة او ضرب وان يفكوا القيود عن يديه ويحجزوه في غرفة انفرادية!.
يعلق السيد نجاة: كان من طبيعة رشيد احترام صاحب الفكر والعقيدة وهو يعرف ان صدام التكريتي من البعثيين ولهذا احترمه.. طلب رشيد احضار صدام امامه في مكتبه وبالفعل جلبوه وهو مقيد اليدين فأمر بفك القيود وطلب منه الجلوس امامه على كرسي فرفض صدام الجلوس قائلا له: انني لست ضيفا حتى اجلس.. ولما كان رشيد بغداديا كرخيا قحا قال لصدام باستخفاف: "اكعد لك لا تتخيلف".. فجلس صدام على الكرسي فورا.. وامر له باستكان شاي وعندما قدم له رفض صدام تناوله ولنفس السبب: "اني مو خطار عندك" فكرر رشيد كلامه له: "اشرب لك لا تتخيلف"!.
يقول السيد نجاة: نقلا عن رشيد قال انه عرض على صدام التعاون معه في كشف المتآمرين واستجاب صدام بسرعة فأمر رشيد بعدم إهانته وحبسه في غرفة فيها صحف ومجلات وفواكه.. واستمر تعاون صدام مع رشيد حتى بعد إطلاق سراحه ويؤكد رشيد لزوجته في القاهرة انه جند صدام وكيلا للأمن وسمح له بزيارته سرا عن طريق باب خاص لا يدخل منه الا المخبرين السريين التابعين لرشيد او كبار الوكلاء وكان صدام واحدا من هؤلاء!.
* هل انهار آخرون بعد فشل الحركة؟
- كان رشيد محسن يهوى قراءة الشعر ومعجبا جدا بالسياب ولا يميل لشعر عبد الوهاب البياتي وعندما سمع بوجود شاعر بين المتآمرين المعتقلين وهو الشاعر شفيق الكمالي طلب احضاره بسرعة للتعرف عليه!.
يقول السيد نجاة: روى رشيد انه فوجئ بل وأصيب بصعقة عندما احضروا الشاعر الكمالي فقد كان منهارا ويتوسل به ويقول انه مستعد ان يعترف بكل شيء على ان لا يضربوه فتعجب رشيد من سلوكه وطلب منه ان يهدأ ويجلس وكان الكمالي يرتجف ويتوسل ولم تنجح جهود رشيد في تهدئته فقال له بعصبية: اذا كنت تخاف الى هذه الدرجة فلماذا انتميت للحزب وورطت رفاقك معك.. وبقي الكمالي قلقا لا يهدأ فنهض رشيد من كرسيه وتوجه نحوه وهو في اشد درجات الغضب وصفعه على وجهه صائحا به: "روح ولي لبيتكم.. اطلع" وبالفعل اطلق سراحه في الحال وعلق رشيد انه لاول مرة يصفع معتقلا سياسيا لان الكمالي "وازاه"!.
يمضي السيد نجاة في رواية أسرار مرحلة عام 1964 قائلا: روت لي زوجته وهي شقيقتي ان رشيد جاء الى البيت ذات يوم من عام 1964 بعد القبض على صدام وتناول طعام غداؤه وهو تشريب بامياء وذهب لغرفته لينام وطلب مني – والكلام لزوجته – ان لا أوقظه لاي سبب وبعد دقائق على إغفاءته رن جهاز الهاتف الرئاسي الاحمر وكان الرئيس عبد السلام عارف على الخط فسالني بعد التحية عن رشيد فاخبرته انه موجود فطلبه وذهبت لأوقظه واعلمته ان الرئيس على الخط فثارت اعصابه واخذ يصيح: "ليش هو ما يدري اني انام الظهرية.. شيريد؟" وسمعت حوارا بينهما.. سمعت رشيد يقول للرئيس رجاء: "سيدي اترك الموضوع علي انا احلها.. هاي الشغلة شغلتي مو يمك.. سيدي اذا سويناها لعد شنو فرقنه عن الشيوعيين.. لعد ليش ثرنا ضد الشيوعيين؟"!.
يقول السيد نجاة: قالت لي شقيقتي انها بعد سنوات على ترقي صدام في الحكم بالعراق سألت زوجها رشيد عن سر تلك المخابرة بينه وبين الرئيس عارف فروى لها رشيد ما يلي: عندما طلبني الرئيس عبد السلام عارف على التلفون كان قد سمع باعتقالنا لصدام التكريتي وسمع انه قاوم رجال الامن وجرح ضابطا وشرطيين فاغتاظ الرئيس وقال بالحرف الواحد: "منو هذا السرسري صدام التكريتي حتى يقاوم الشرطة ويجرح ضابطا.. اسمع رشيد اذبحه وسلم جثته للبلدية يدفنوه وخلصنا منه"!.
* كيف تصرف رشيد محسن بعد حصول انقلاب 17 تموز 1968؟
- أصل القصة هو شقيقتي التي روت قائلة: كنا نسكن في بداية الامر في بيت مقابل شركة بسكولاته ثم شيد رشيد داره عن طريق شقيقه المقاول وانتقلنا اليها في منطقة اخرى وفي ليلة الانقلاب كنا ننام على السطح وكانت الساعة تقارب الثالثة فجرا عندما أيقظ شخصان زوجي وكانا يقفان قرب الباب الخارجية وامام سيارة جيب عسكرية فاستيقظ رشيد ونزل السلم وتحدث معهما ثم عاد مسرعا وارتدي بنطلونه فوق دشداشته وصعد معهما الجيب العسكرية واختفت اخباره.. وبعد ثلاثة اشهر ظهر رشيد في الكويت تسلل اليها بجواز سفر مزور.. وكانت صورته الملصقة تشير الى انه راعي غنم!.
ويضيف السيد نجاة: بعد فترة ظهر رشيد في القاهرة وتعاطف معه الرئيس جمال عبد الناصر ولحقت به عائلته بجوازات سفر مزورة ايضا.. وفي القاهرة تعرض الى ثلاث محاولات اغتيال اخرها في عام 1977!.
* هل حقا استولى صدام على اضبارته السرية في الامن بعد 17 تموز؟
- اخبرني مسؤول القلم السري جعفر مراد الذي عمل بمعية رشيد محسن ان اضبارة صدام في الامن تضمنت اعترافاته وتقاريره السرية التي كان يرفعها لرشيد محسن ولهذا كان صدام حريصا على الحصول على الاضبارة باي ثمن.. ولا نعرف ان كان صدام قد نجح بالاستيلاء على اضبارته ام لا لكنه بقي يلاحق رشيد محسن في القاهرة!.
قلت له: المعلومات المتوفرة تحت يدي تقول ان صدام وضع يده على الاضبارة في الساعات الاولى من اليوم الاول للانقلاب لكنه لم يفصح عنها بل اتلفها شخصيا وان صدام ساوم رشيد محسن على حياته مقابل الاضبارة وان رشيد هو الذي سلمه الاضبارة مقابل السماح له ولعائلته بمغادرة العراق وهذا ما تم له وان صدام تعرض لحملة تشكيك من قبل رفاقه عندما سمعوا بهروب رشيد محسن وظهوره في القاهرة وكانوا يعدون للانتقام منه فجمعهم صدام في مطار المثنى والقى فيهم كلمة قال لهم: ان ثورتنا بيضاء ولن ننتقم من احد وحتى نبرهن على صحة شعارنا سمحت لرشيد محسن عدونا الرئيس بمغادرة العراق الى القاهرة!.
كان اغلب رفاق صدام يجهلون حقيقة الصفقة التي جرت بين رشيد وصدام.. صيانة حياته وعائلته مقابل تسليم اضبارة صدام.. وهذا بالفعل ما تم سلم رشيد الاضبارة فركب الطائرة الى القاهرة ولحقت به عائلته!.
أجابني الأستاذ نجاة: لم اسمع بهذه المعلومات إلا الآن!.
توفي رشيد محسن في القاهرة عام 1999 ودفنت أسرار صدام معه!.

عن مجلة (أوراق من ذاكرة العراق)

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com