ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر متى قام قاسم بالسماح لوحدات الجيش بدعم القوات الكردية المعادية لبارزاني؟

عدد المشاهدات   1098
تاريخ النشر       06/07/2018 10:09 PM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


كانتْ تحركات الجيش قد حدثت رداً على تفجر الاعمال العدائية بين الأغوات (القادة)  العشائريين الكرد. وقد أثار التقارب بين البارزاني وقاسم حفيظة زعماء عشائريين آخرين، وأعقب ذلك اندلاع قتال بين البارزانيين ومنافسيهم، وقد رأى البارزاني في ذلك فرصة ذهبية لتحييد المنافسين، وهو هدف كان قد حققه تقريباً في صيف عام 1961. وفي محاولة لتدعيم سلطته الجديدة في كردستان، طالب البارزاني علناً بمقدار واسع من الحكم الذاني للمنطقة الكردية. ورد قاسم، الذي لم يكن متوجساً من نيات البارزاني وحسب، بل من سلطته الجديدة أيضاً، بالتأكيد على وحدة العراق. وقد "تحدث عن التعامل مع الكرد بوصفهم جزءاً لا يتجزأ من الشعب العراقي" وأعقب ذلك قيام قاسم بالسماح لوحدات الجيش بدعم القوات الكردية المعادية للبارزاني. ومنذ ذلك الحين فصاعداً تواصل تصعيد الصراع الكردي بحيث أنه بحلول نهاية عهد قاسم فأن أكثر من ثلاثة أرباع الجيش العراق كانوا منغمسين في الصراع.
وكان الكرد مكوناً مهماً للغاية في إئتلاف "العراق أولاً"، الذي يؤكد على هوية عراقية في مقابل هوية عربية. وبينما مضى الكرد في رفض هوية عربية حصرية من الناحية العرقية، فأن إلتزاماتهم بفكرة المجموعات العرقية، والطائفية، والايديولوجية المختلفة التي تتوحد جميعها في هوية عراقية جامعة كان يجري إختبارها إختباراً صارماً. وفي الجانب المضاد، سيتشكك العرب العراقيون ممن كانوا حلفاء في إئتلاف "العراق أولاً" في ما لو ان الكرد موالون بحق لأي شيء سوى هويتهم القومية الكردية.
وثمة هوية وطنية مستقلة لم تكن قط تمثل اهتماماً أو مطلباً للشيعة، وهم المكون الآخر في إئتلاف "العراق أولاً". فمنذُ بواكير تأسيس الدولة العراقية، كان الشيعة يطالبون الحكومات المتعاقبة مطالبة مطردة بإعادة توزيع الموارد وتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية الفقيرة التي تئن الطائفة من وطأتها، واستيعاب المزيد من الشيعة في البنى الحكومية والبيروقراطية التي تعكس وزنهم الديمغرافي. وبالنسبة للعديد من الشيعة فأن نظام قاسم كان صادقاً في تصميمه على الاستجابة للتظلمات الشيعية، وفي واقع الامر فأن الخطوات النشيطة التي جرى إتخاذها للتخفيف من معاناة قاطني الأحياء الفقيرة في بغداد، حيث كانت الغالبية العظمى منهم شيعة، جعلت قاسم إلى حدٍ كبير محبوباً لدى جمهور الفقراء الشيعة. ولا عجب فأن المقاومة الرئيسة للانقلاب العسكري البعثي الذي أطاح بنظام قاسم في شباط عام 1963 جاءت من المناطق ذات الكثافة الشيعية في بغداد. ومن الصائب على نحوٍ لاشك فيه ان الشعور القومي العربي الذي لا يُمكن إيقافه والذي اكتسح الشرق الأوسط في خمسينيات القرن العشرين أرغم العديد من الشيعة على الانضمام لصفوف حزب البعث والحركات القومية الأخرى، حيث اعتنقوا الهوية القومية الأكثر شمولاً. ومع ذلك، فأن غالبية الشيعة بقيت مخلصة طوال العهد القاسمي لائتلاف "العراق أولاً"، بتأييده الواضح لهوية عراقية توحد مجموعات البلاد العرقية والطائفية المختلفة.إن ما كان ساطع الحصري والمنظرون الأوائل للأيديولوجية القومية في العراق يسعون إليه، وهو إظهار ان الهويتين لا ينبغي ان تكونا حصريتين على نحوٍ تُلغي إحداهما الأخرى، بل في واقع الأمر تعززان بعضهما، لكن العلاقات بين مناصري الهويتين في فترة قاسم كانت مشحونة بالريبة وانعدام الثقة بحيث كان التوصل إلى تسوية وتوافق أمراً متعذر الدفاع عنه فعلياً. وكان المناصرون لهوية "عربية" سُنّة على نحوٍ رئيس مع بعض الشيعة المنحدرين من الطبقات الحضرية المتعلمة، بينما ينحدر المناصرون لهوية "عراقية" من الطائفة الشيعية مع بعض السُنّة ممن كانوا ينتمون إلى أحزاب سياسية، مثل الحزب الوطني الديمقراطي، الذي يؤكد على تطور "العراق" سياسياً وإقتصاديا. ومن بين كلا الاتجاهين، يناصر الكرد بقوة الهوية العراقية ـ طالما أنها لا تتعارض  مع كرديتهم، وهي الحس الأساس للانتماء بالنسبة لهم. وبينما لم يكن هذا المزيج الملتهب من الهويات أمراً خاصاً بالفترة القاسمية، فقد كان موجوداً في العهد الملكي، بيد ان ثورة عام 1958 نقلته إلى المستوى الجماهيري، وعلى نحوٍ أكثر دقة إلى الشارع ، مثيرة لتوترات وأعمال عدائية ملتهبة تواصلت طوال مدة حكم قاسم، وما بعدها.
الهويات المتنافسة
في العهد القومي
لقد تحدث البيان الأول الذي أعلن عن زوال النظام القاسمي عن تعزيز الهوية الوطنية، وإعادة الحريات، وتعزيز حكم القانون، ولم يتطرق كثيراً إلى الوحدة العربية سوى إشارة خاطفة في نهاية البيان. وفي واقع الأمر، فأن الالتزام بمبادىء الأمم المتحدة، والصراع ضد الامبريالية، وانتهاج سياسة عدم الانحياز كلها سبقت الاشارة إلى وحدة الشعب العربي. وكان المستمعون إلى البيان الأول متشككين بالاتجاهات الايديولوجية لحكامهم الجدد. وسيكون هذا الامر مبعثاً للدهشة طالما ان النخبة الحاكمة الجديدة لم تتردد في التصريح بمبادئها البعثية علناً وعلى نحوٍ جازم حتى في مواجهة السجن والنفي. وكان ميشيل عفلق، وهو مفكر سوري مسيحي، قد بلور هذه المبادئ. وبوصفه طالباً في باريس في ثلاثينيات القرن العشرين، كان عفلق معرضاً للهياج الفكري لتلك الفترة الاوربية، وسيصوغ لاحقاً مفهوم "أمة عربية واحدة" التي تعرضت لتقسيم قسري على يد الاستعمار والامبريالية إلى عددٍ من الدول العربية "غير المشروعة". وبالنسبة لعفلق، فأن هذا التشظي المتعمد للأمة العربية كان قد أفضى إلى انحطاط الروح العربية نفسها. ولذا سيناضل البعثيون من أجل تغيير هذا الاتجاه، وإعادة توحيد الكيانات العربية المختلفة، والقيام بذلك بسرعة وبالقوة إذا اقتضت الضرورة. ونشأت من هذا الأمر الحاجة إلى عدم تحاشي التحالفات مع الجيش. وكما رأينا، فأنه كان تحالفاً انصب في فائدة الانقلاب البعثي في العراق، حيث سمح للحزب بوضع أفكاره موضع التطبيق.وعلى الأرجح بالإمكان تفسير تحفظ القادة الجدد عن التطرق للوحدة العربية في عدم يقين الانقلابيين بالاتجاه الفكري للشعب العراقي، الذي بعد خمس سنوات من حكم قاسم سيجد عزاءً في فكرة بلورة وحدة وطنية عراقية تستند إلى عناصره العرقية، والطائفية، والسكانية المختلفة. وبينما في الأيام الأولى للانقلاب التي اكتنفتها الحيرة وعدم وضوح المسار كان من العقلاني ان يحجم القادة البعثيون الجدد إحجاماً شديداً عن الاعلان عن عقيدتهم القومية العربية، فحال تواجدهم في السلطة، سرعان ما سيتفهموا البون الشاسع بين الشعارات المثيرة التي تُطالب بوحدة عربية عضوية والسياسة الحقيقية التي لا تستطيع سوى أخذ الوقائع الديمغرافية العراقية في الحسبان. لذا سيعتنق القادة العراقيون الجدد مفهوماً أكثر واقعية ، وأقل عاطفية، للوحدة العربية. وسيتجسد هذا التوجه في "محادثات الوحدة" التي أُقيمت في القاهرة مع مصر وسوريا في آذار عام 1963.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com