شخصيات

 

التشكيلية نزيهة رشيد.. "رسامة الريف" المدينية

عدد المشاهدات   214
تاريخ النشر       06/07/2018 10:13 PM



توفيتْ مؤخرا الفنانة التشكيلية العراقية الرائدة نزيهة رشيد في الولايات المتحدة الامريكية حيث تقيم هناك منذ العام 1999، وقد نعيت في بغداد عبر بيان صدر عن جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، عادة ذلك خسارة للفن التشكيلي العراقي. تعد الراحلة من الفنانات الأوليات اللواتي تلقين دروسا في الرسم على يد الرائدين جواد سليم وفائق حسن في معهد الفنون الجميلة في بغداد وذلك في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي وتخرجت من المعهد عام 1959، وعلى ذلك تحسب نزيهة رشيد على جيل الفنانات الرائدات من وجهة نظر الدراسين  لتاريخ الفن التشكيلي العراقــي.
حالما اكملت دراستها للرسم في معهد الفنون الجميلة في العاصمة العراقية بغداد شدت الرحال الى خارج العراق حيث سافرت الى الولايات المتحدة الامريكية لاكمال دراستها العليا هناك، فنالت شهادة الماجستير من جامعة ميريلاند عام 1967، ولم يتوقف نشاطها الفني اثناء فترة دراستها في امريكا حيث شاركت في عدد من المعارض الخاصة بالطلبة، اضافة الى انها اقامت معرضا شخصيا في مدينة سان فرنسيسكو ومعرضا آخر في مدينة ميريلاند كما اقامت معرضا عام 1969 في مبنى الامم المتحدة يعد علامة مهمة في مسيرتها الفنية.
في مطلع سبعينات القرن الماضي عادت الى بلدها العراق بعد ان انهت دراستها للماجستير في امريكا وبدأت تمارس مهنة التدريس لفن الرسم في قسم التربية الفنية بجامعة بغداد واستمرت على ذلك حتى العام 1984 ، لتقرر بعدها مغادرة العراق نهائيا متجهة الى المغرب ولتقيم في مدينة الرباط فترة تزيد على الخمسة عشر عاما، وكانت تلك الفترة التي عاشتها هناك من اهم المحطات في مسيرتها الفنية خاصة وانها لم تترك اية فرصة لأجل التفاعل مع المشهد الفني المغربي، ونجحت فعلا في ان تستثمر وجودها هناك وانتجت العديد من اللوحات الفنية التي حاكت من خلالها جماليات الريف المغربي بطقوسه وعاداته التي ترتبط ببعض الوشائج مع الريف العراقي، كما امتزج في العديد من لوحاتها الريف العراقي بالمغربي.
وبما ان اعمال نزيهة رشيد قد تميزت باهتمامها الواضح في رسم طبيعة الريف كان من السهولة على المتلقي ان يعثر في تفاصيلها على احاسيس جميلة عكستها الوانها وموضوعاتها فكانت مزيجا من مشاعر الدهشة والسحر بكل ما له صلة بالريف، حتى ان النقاد وصفوها بأنها رسامة الريف بامتياز، والمفارقة انها تنتمي الى المدينة ولم تولد او تقضي فترة من حياتها في الريف إلاّ انها كانت مسحورة بالطبيعة الفطرية التي تزخر بها حياة الارياف، ومما يذكر بهذا السياق ان لوحاتها التي حاكت فيها الريف المغربي لاقت في حينها اقبالا كبيرا في صالونها الذي كانت قد افتتحته اثناء اقامتها في المغرب وتم اقتناء معظمها من قبل المؤسسات الحكومية والفنادق المغربية الشهيرة، ولعل ابرز ما يلاحظ على لوحاتها انها ذات احجام كبيرة وهذا الخيار ينسجم تماما مع طبيعة الموضوعات التي كانت محور اهتمامها والتي لم تخرج عن اطار الاحتفاء بكل المظاهر الانسانية داخل حدود البيئة الاجتماعية وبما تتيحه تلك المساحة الكبيرة للوحة من حرية واسعة للفنان للتعبير عن جماليات المكان وتفاصيل الموضوع .
ايضا في اطار الرؤية النقدية لاعمال الفنانة الراحلة نزيهة رشيد غالبا ما كان النقاد يشيرون الى انها توقفت طويلا امام الموروث الحضاري العريق لبلاد مابين النهرين فعكفت على ان تستلهم عناصر معينة في لوحاتها من الحضارات العراقية التي تعاقبت على هذه الارض مثل الحضارة السومرية والاكدية والاشورية حيث كانت عيون النساء واسعة في معظم لوحاتها مثلما هي عيون النساء السومريات، كذلك اجساد الرجال كانت تتسم بالقوة والصلابة بما يحيلها الى ايحاءات جاءت من القطع النحتية الاشورية.
نزيهة رشيد مثل بقية الفنانات العراقيات لم تذهب في رؤيتها للعمل الفني ناحية الانشغال بالمدارس الفنية الحديثة المهووسة بالفن التجريدي بكل نزعاته وتمثلاته المتنوعة في الفن الحديث بقدر ما بقيت وفية للاساليب التي تدور في اطار المدارس الطبيعية والانطباعية والواقعية بالشكل الذي اتاح لها ان تكرس اهتمامها في محاكاة العادات والتقاليد والاعراف الدينية والاجتماعية في البيئة الريفية العراقية والمغربية وما تشهده من مظاهر واحتفالات وطقوس في مناسبات خاصة يعبر من خلالها الناس عن معتقداتهم ومورثهم الديني والاجتماعي مثل طقوس الاحتفال بالمولد النبوي وختان الأولاد والاحتفال بعيد الأضحى وعيد الفطر وعاشوراء.ومما يؤسف له ان لا نجد لها اعمالا في العراق بعد ان تعرضت معظم اعمال الرواد الى النهب والتلف والحرق اثناء احتلال بغداد عام 2003 على يد الأميركان وكانت محفوظة معظمها في متحف صدام الذي كان يضم في اروقته العشرات من الاعمال الفنية، من لوحات وقطع نحتية تعود جميعها للفنانين العراقيين الرواد وكذلك لبقية الاجيال، ومن ضمنها اعمال الفنانة الراحلة نزيهة رشيد ، ومنذ عدة اعوام تبذل جمعية الفنانين التشكليين العراقيين جهودا كبيرة في محاولة منها لاستعادة الاعمال المسرقة عن طريق شرائها ونجحت فعلا في استعادة الكثير من تلك الاعمال.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com