ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر ولاء عبدالسلام عارف لعبدالناصر في العام 1958 تسبب في سقوطه

عدد المشاهدات   901
تاريخ النشر       08/07/2018 11:33 PM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


لقدْ عُقدت المحادثات على نحوٍ مفاجئ بوصفها ثمرة للانقلابيين البعثيين في العراق وسوريا في شباط وآذار عام 1963 على التوالي، حيث غادر القادة الجدد في بغداد ودمشق إلى القاهرة في آذار عام 1963 للحث على طرح موضوع إقامة وحدة ثلاثية على الرئيس المصري. ومع ذلك، فسرعان ما تعثرت المحادثات ليس فقط جراء إنعدام الثقة العميق المتولد من الانفصال السابق للجمهورية العربية المتحدة، بل أيضاً جراء الظروف السياسية، والديمغرافية، والاجتماعية، والاقتصادية للدول الثلاث. ومن ناحيتهم، شدد العراقيون على الظروف المحلية الخاصة ببلدهم، وقد أيدوا اجراءً كونفدرالياً يحظى العراق فيه بمقدارٍ كبير من الاستقلالية حيال الامور السياسية، وهو موقف فكري شكّل إفتراقاً كبيراً عن الاصرار العاقد العزم للحزب على إقامة وحدة عضوية وشامة. وفضلاً عن ذلك، فقد دعوا إلى إقامة فترة إنتقالية بطيئة قبل وضع أي إجراء للوحدة موضع التطبيق. وفي واقع الامر، فأن البيان الختامي للمحادثات، الذي أُطلق عليه ميثاق القاهرة، نص على فترة تعاون إنتقالية أمدها سنتان، سيجري في نهايتها سن دستور إتحادي. وبينما قصّر هذا الاجراء الخالي من أية قيمة عن بلوغ الطموحات القومية العربية، فبالنسبة للعراقيين فأنه أظهر في الأقل إعترافاً عملياً من جانب القادة البعثيين بهوية البلد الوطنية المستقلة.
وسيكرر نظام عبد السلام عارف التراجع في الآمال الفكرية البعثية. غير أنه بينما حدث ذلك في حالة البعثيين جراء إعتبارات عملية تعكس ضرورات داخلية، فأن عارف كان ببساطة عرضة لإغراء السلطة، ولذا فإن فكرة اقتسام السلطة أصبحت تنطوي على تضحية شخصية فادحة. وعارف نفسه هو الرجل الذي كان قد قدم العراق بالفعل قبل خمس سنوات إلى عبدالناصر. فآنذاك كان عارف ضابطاً مغموراً محباً بصدق للزعيم المصري. إن خمس سنوات من العمل السياسي من صدور حكم بالاعدام بحقه إلى توليه رئاسة الجمهورية كانت قد أحدثت تحولاً في موقفه. ففي عام 1958، تسبب ولاءه لعبد الناصر وإلتزامه بالوحدة العربية في سقوطه؛ أما الآن فلن يحاول إخفاء إمتعاضه حين يُصادف في لقاءاته العامة هتافات تُطري على عبد الناصر أو تمجد الوحدة مع مصر. وقطعاً أصبح الولاء الايديولوجي خاضعاً للمنفعة الشخصية، حيث ان لعب دور ثانوي خلف عبدالناصر لن يخدم بوضوح هذه المنفعة الشخصية.
وتمثلت المشكلة في ان اتجاهات عارف القومية وتاريخه، فضلاً عن سعيه إلى عدم إزعاج قاعدة دعمه الطبيعية في الجيش، التي تتركز في الضباط القوميين العرب، المناصرين لعبدالناصر، قد فرضت قيوداً حقيقية على حريته بالمناورة. ولم يكن بإمكانه ان يظهر بمظهر المتهرب عمداً عن هدف الوحدة، أو في الأقل الاتحاد، مع مصر. ولذا أثبت عارف براعته في الابرام المتحمس للاتفاقيات وتوقيع المعاهدات، ومع ذلك لم يبذل الكثير لوضعها موضع التنفيذ. وقد وعد برنامج حكومته، المعلن في كانون الأول عام 1963، عن الالتزام بقضية الوحدة العربية، وذلك بتطوير ميثاق القاهرة، الذي وقّع عليه البعث في نيسان ، إلى وحدة كاملة. وللمزيد من إضفاء الشعبية، غادر عارف إلى القاهرة في ايار عام 1964 وقام بالتوقيع مع عبد الناصر على إتفاقية تمهيدية للوحدة بين البلدين. ومع ذلك، فقد أظهرت الاتفاقية ببساطة الخطوات العديدة الواجب اتخاذها لإنجاز الوحدة بين البلدين. وجرى لاحقاً تشكيل قيادة سياسية موحدة، لكن ليس قبل ان يوضح عارف بالتفصيل لعبد الناصر المصاعب التي تواجهها بلاده (أي العراق ـ المترجم) في تنفيذ المبادئ الخاصة بإتفاقية تخص الوحدة. وحين أرسل الضباط القوميون العرب برقية تحث عارف على إنتهاز الفرصة والشروع بوحدة كاملة مع مصر، علّق عارف على نحوٍ ساخر: "أنا، وليس هم، مَنْ سيخسر" وفي واقع الامر، فلدى عودته إلى العراق أخذ يزدري مصر بوصفها بلد "القيم الفاسدة والاخلاق المنحلة الذي يعج بالمغنيات والراقصات والعاهرات" لذا فهو ليس ذلك النوع من البلاد الذي يسعى العراق للوحدة معه.
إن رؤية دينية متزمتة كهذه كانت نتاج تنشئة سُنّية محافظة جعلت منه رفيقاً غريباً عن العلماني عبدالناصر. وفي واقع الأمر، فأن الخطابات التي كان يلقيها في مصر كانت تبدأ دوماً بنص قرآني وكان يُقحم الإسلام على الدوام عند إشارته للقومية والاشتراكية. وعلى النقيض من الروح العلمانية لذلك الزمان، فأن تصريحات عارف أثارت دهشة العديد. غير أنه في العراق سيكون لهذا الأمر تأثيرات أشد ضرراً.
وفي مجالات عدة، كان عارف سُنّياً متعصباً لم يكن يفكر كثيراً قبل إستعمال إصطلاح إزدرائي، عجمي (الذي يعني في العراق "الفارسي") بالاشارة إلى الاعضاء الشيعة في القيادة السياسية. ففي البيان الأول الذي صدر عقب إنقلابه على البعثيين فقد وصم البعثيين، وكان عدد منهم شيعة، بالشعوبيين، وهو إصطلاح آخر يشكك بعروبة شيعة العراق ويشهد حتى الاعضاء السُنّة في القيادة على طائفيته. ويروي عبدالكريم فرحان، وهو عضو في مجلس قيادة الثورة، أنه في أحد الاجتماعات أعلن عارف إن إثنين وأربعين طالباً عراقياً في الكلية العسكرية سيجري إرسالهم إلى كلية تقنية في الاسكندرية، في مصر، لكن عبدالناصر يُفضل ان يكونوا سُنّة. وقد برأ فرحان عبدالناصر من هذه الطائفية الصارخة، ملقياً باللوم على تعصب عارف ومقته المتآصل للشيعة، وهو مقت كان الرئيس العراقي يضمره تجاه المسيحيين أيضاً. وقد أخبر ذات مرة وزيراً سورياً كان ينتمي إلى حزبٍ يقوده مسيحي بأنه من غير الطبيعي على "شباب محمد ان يتبعوا إملاءات مسيحي".وسيكون لتعصب عارف تأثير على نطاق صناعة السياسة. وقد أناط الرئيس بعضاً من أكثر المناصب الأمنية والسياسية حساسية بالسُنّة من محافظة الانبار، التي ينحدر منها هو نفسه. وهذا الامر ينطبق على وجه الخصوص على المناصب العسكرية المحورية، مثل رئيس الاركان، والحاكم العسكري، وقائد حامية بغداد، وقائد الحرس الجمهوري، ونائب رئيس الاستخبارات العسكرية، ووزير الداخلية (المسؤول عن الأمن الداخلي). وفضلاً عن ذلك، فقد إقتصرت التعيينات لشغل المناصب الأخرى لحامية بغداد والحرس الجمهوري على سكان محافظة الأنبار. ومن ناحية أخرى، فقد جرى تهميش الشيعة تهميشاً مقصوداً. ولذا ففي وزارة عارف الأولى، نيطت وزارات ثانوية بشيعيين إثنين، وكلاهما علماني ومنفصل إنفصالاً كبيراً عن الدوافع والاهتمامات الشيعية. ويُجادل كُتّاب شيعة أنه فضلاً عن ذلك، فأن الطائفة الشيعية كانت تعاني من نصيب غير عادل من السجن، والتعذيب، وفقدان الوظائف في العهد العارفي.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com