ذاكرة عراقية

 

قصة مقتل السياسي العراقي أحمد العزاوي (أبو الجبن) في عام 1976

عدد المشاهدات   459
تاريخ النشر       09/07/2018 12:05 AM



محمد جميل

بتاريخ 10 تموز 1976 أعلنَ النظام السوري مقتل السياسي العراقي احمد العزاوي (أبو الجبن) (أبو سلام) عضو القيادة القومية التي يرأسها حافظ أسد.. وتم توجيه الاتهام إلى نظام الحكم في العراق.. فمن الجهة التي تقف وراء تلك العملية؟ وقبل أن أبدأ بتثبيت بعض الاحتمالات لا بد من التذكير بأن المغدور هو عضو القيادة العامة للحرس القومي سنة 1963 والمولود سنة 1939 وليس هو الضابط في الجيش العراقي المقدم احمد أبو الجبن.. أما عملية الاغتيال التي أودت بحياته فقد سبقتها عملية اغتيال قبل عام واحد وتحديدا مساء 11 تموز 1975 وقد أذاع النظام السوري في حينها بيانا حول العملية وموجها الاتهام إلى نظام الحكم في العراق.. وخلاصة تلك العملية: قام أحمد العزاوي بزيارة عبد الله الأحمر (الأمين العام المساعد لحزب البعث) في مسكنه بمنطقة العدوي بدمشق ومسكنه عبارة عن شقة سكنية في الطابق الثاني.. وبعد مغادرته توجه إلى سيارته التي كان يقودها بنفسه.. وأثناء قيامه بفتح باب السيارة انفجرت الباب ويعني ذلك إنها كانت مزروعة بعبوة ناسفة.. فأصيب بجروح بالوجه وخاصة العين وبيده وأجزاء أخرى من جسده.. نقل على إثرها إلى المستشفى.. مع ملاحظة أن أبو الجبن لا يقيم علاقات كثيرة مع اغلب اللاجئين من أبناء بلده.. ولا يخبر أحدا بحركته أو برحلاته إلى الخارج.. والأهم من ذلك من يستطيع أن يقترب من سكن الرجل الثاني في حزب السلطة السورية.. وبعد أشهر تماثل للشفاء وبدأ يمارس مسؤولياته الحزبية في مكتبه في القيادة القومية. وبعد عام من المحاولة الأولى وتحديدا بتاريخ 11 تموز 1976 أثناء دخول احمد أبو الجبن إلى مكتبه في (القيادة القومية) وأثناء جلوسه رفع سماعة الهاتف فانفجرت به عبوة ناسفة أودت بحياته.. فصدر بيان النعي من (القيادة القومية) ووجهت تهمة الاغتيال إلى نظام الحكم في العراق. جرت مراسم دفن رسمية وحزبية للمغدور شارك فيها حافظ أسد رئيس النظام السوري، محمود الأيوبي رئيس الوزراء، عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد، محمد جابر بجبوج الأمين القطري المساعد، محمد علي الحلبي رئيس مجلس الشعب، أعضاء القيادة القومية والقطرية، الوزراء، قادة الجيش، أعضاء القيادة المركزية للجبهة الوطنية، خالد الفاهوم رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، آل الفقيد.. زوجته السيدة سعاد أبو معاش وأخوته وبعض الأقارب ممن قدموا من العراق. نقل جثمانه من مستشفى المواساة بتاريخ 13 تموز 1976 للصلاة عليه في جامع التكية السليمانية وسار الموكب أمام مبنى القيادة القومية ثم إلى قرية السيدة زينب فمقبرة الشهداء في نجها. أقيمت الفاتحة يوم 13 - 14 - 15 تموز في مبنى اتحاد العمال بدمشق. وعود على بدء.. من الجهة المنفذة؟ بتقديري هناك عدة احتمالات سأذكرها كالتالي:

أولا: النظام السوري
وذلك وكما يعرف بعض رفاق احمد أبو الجبن أن له مواقف وطنية وقومية لا يمكن إغفالها بالرغم من وجود كثير من السلبيات والأخطاء كان قد مارسها في مراحل عدة من حياته.. ولكن ولمن يعرف حافظ أسد فإنه لا يسمح بتجاوز الخطوط الحمراء.. وهو الذي قام بـإبعد شقيقه رفعت أسد ولم يسمح له بالعودة إلى سورية حتى بعد وفاة الأسد الأب.. واذكر تحديدا مواقف معلنة لــ أبو الجبن غير المواقف الأخرى التي ترصدها الأجهزة وترفعها لرأس النظام:
1 ـ بعد أن أعلن الرئيس أحمد حسن البكر قرار تأميم النفط العراقي في 1 حزيران 1972 اجتمع احمد العزاوي مساء ذلك اليوم مع رفاقه وأعلمهم بوجوب تأييد القرار.. لأنه مطلب وطني من مطالب الشعب العراقي.. وتم إعلامه أن الرئيس حافظ أسد يطلبه على عجل.. وطبيعة التوبيخ معلومة.. انه اتخذ قرارا منفردا قبل الحزب والدولة السورية.. ثم اتخذت السلطة السورية قرارا بتأميم أنابيب النفط المارة بالأراضي السورية.
2ـ بعد اشتعال الحرب الأهلية في لبنان سنة 1975 وقف النظام السوري إلى جانب الميليشيات الانفصالية المشبوهة التي كان يرأسها الشيخ بيير الجميل وكميل شمعون وغيرهما وأرسل حافظ أسد قواته إلى لبنان لضرب الفصائل الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية وأطرافها ياسر عرفات وكمال جنبلاط وغيرهما.. وهنا وقع احمد أبو الجبن بالخطأ القاتل إذ اتخذ موقف الرفض من دخول القوات السورية إلى لبنان (التي سميت بعد ذلك وبموافقة الجامعة العربية بـ قوات الردع العربية) وبعد نزول موقفه إلى تنظيمات الحزب السري الذي يقوده في العراق وبعض الرفاق في التنظيم بسورية.. جرت محاولة الاغتيال الأولى والثانية. فهل نقول أن النظام السوري يقتل القتيل ويسير بجنازته!؟

ثانيا: النظام العراقي
منذ انقلاب 23 شباط 1966 وحصول الانشقاق في الحزب وحتى انقلاب حافظ أسد في 16 تشرين 1970 وما تلاه.. بقيت العلاقة بين التنظيم القومي الذي كان أمينه العام ميشيل عفلق وبين قيادة 23 شباط وابرز وجوهها الدكتور نور الدين الأتاسي واللواء صلاح جديد وقيادة حافظ أسد.. بقيت العلاقة من سيئ إلى أسوأ.. وبرزت المصطلحات الشكلية التي لا تشير إلى الحقائق ومنها اليمين واليسار.. والردات والتصحيح.. في نفس الوقت بعد قيام 17 ـ 30 تموز 1968 في العراق لم يحصل تقارب حقيقي بين البلدين إلا في فترة (الميثاق اليتيم) سنة 1978 وتم قبره في تموز 1979. أعود إلى موضوع أبو الجبن إذ تم اعتقاله بعد 30 تموز 1968 بتهمة عمله مع (المنشقين) جماعة سورية.. وفي سنة 1969 جمع الرئيس البكر بعض من كان في المعتقل ومنهم احمد العزاوي وبعد اللقاء أطلق سراحهم.. وفي سنة 1970 توجه أبو الجبن إلى سورية وأقام هناك. مستمرا بعمله مسؤولا عن تنظيمات المكتب العسكري. وفي سنة 1970 أصبح عضوا في القيادة القطرية ضمن التنظيم السري. وفي سنة 1971 أصبح عضوا في القيادة القومية. أقف هنا عند مفردة اتهام النظام السوري للنظام العراقي بمقتل العزاوي فأقول: النظام العراقي هو من أطلق سراح أبو الجبن ويعرفه شخصيا الرئيس البكر ونائبه وناظم كزار فلماذا لم يقم بتصفيته عندما كان في العراق. وصلتني هذا اليوم رسالة من الأستاذ الدكتور ضرغام عبد الله الدباغ تتعلق بالموضوع الذي نشرته حول قضية اغتيال السياسي العراقي احمد العزاوي أبو الجبن في دمشق سنة ١٩٧٦.. أدناه نص الرسالة:
(خواطر متأخرة: الحقيقة بالتفصيل
جرت في الأيام الأخيرة (نهاية كانون الثاني ومطلع شباط) مداخلات وخواطر على صفحة الصديق العزيز محمد جميل، وكنت سأتجاهلها لولا طلب أحد الرفاق الأعزاء (الرفيق خضير المرشدي) ثم الصديق والأخ محمد جميل، وبالرغم من أن معظم هذه الخاطرة بخطوطها العريضة قد وردت في مذاكرات المنشورة عن دار ضفاف، ومتوفرة في المكتبات العراقية، إلا أن الاستزادة  تبدو مهمة، وإن كنت لا أحبذ نشر أخبار وتفصيلات طابعها حزبي وتنظيمي، فهي ملك الحزب، ولكن جانباً يوضح الرؤية ويزيل الالتباس أيضاً مهم، لم يبق من العمر الكثير، وقد سلخنا في النضال 60 عاماً بأيدي وقلب نظيف. إليك خضير المرشدي، والصديق محمد جميل هذه الخاطرة / الشهادة تنشر على الملأ مع التحيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخي العزيز الأستاذ محمد جميل المحترم
برلين في 2 / شباط / 2018
تحية وتقدير لك ولكل مجهود يهدف للحقيقة. أكتب لك لأني متيقن من سلامة موقفك، لأني أعرفك منذ أن كنت طفلاً تقريباً، وكنت تحمل الرسائل الحزبية وتذهب بصحبة المرحومة والدتكم إلى السجون والمنظمات الحزبية كمراسل حزبي وأنت في تلك السن المبكرة جداً.. دور لا ينسى.. أنا معك مقتنع أن الكثير من الأحداث يجب أن يطلع عليها الناس إذا كنا نريد قيادة الجماهير والشعب، نعم هذا ضروري، وبهدف أن نستعيد ثقة الجماهير، لا بد أن نكشف لهم ما جرى في صفحات مهمة، من تاريخ العراق والأمة. فما حدث لم تكن أحداثا عابرة، ولم تكن قضايا عائلية نخجل من ذكرها، ولكن بـإنصاف وصدق واحترام لمن مات على الدرب من أجل الوطن والحزب. ولذلك تحديداً كتبت كتابين نشر كلاهما ويوزعان الآن في بغداد، الأول بعنوان «قمر أبو غريب كان حزيناً«، وهو يدور عن تجربتي السياسية والإنسانية والثقافية لفترة سجن بلغت 16 عاماً بعد تخفيضي من الإعدام. والكتاب الثاني يدور عن تجربتي الحزبية بعنوان «لا بد لنا من فجر«. ربما سيعتقد بعض الناس أني أريد من ذلك الشهرة، وربما الكسب المادي، والحقيقة أني لا أريد لا هذا ولا ذاك، فمن ناحية الشهرة أنا لا أبحث عنها ولم أبحث عنها يوماً، فأنا لي الآن 42 كتاباً منشوراً منها 14 كتاباً مترجماً عن اللغة الألمانية و28 كتاباً من تأليفي، وهناك تحت الطبع، 16 كتاباً، منها 11 كتاباً تحت الطبع، و5 كتب من تأليفي. الآن أصبح واضحاً جداً أني لا أبحث عن شهرة. وأما الكسب المادي فأقول أني لم أطلب ولم يعط لي فلس واحد عن المذكرات أو المقابلات التلفازية. وكنت قد امتنعت سنوات طويلة عن المقابلات التلفازية حول ذكرياتي، لأني كنت أشك بنوايا من يطلب المقابلات، حتى تعرفت على الدكتور حميد عبد الله عن طريق صديق رائع موثوق معد ومقدم برنامج شهادات، والذي وجدت فيه الموضوعي والمنصف وغير المتحامل، فقبلت إجراء المقابلات معه، خدمة للناس والحقيقة.
لماذا فكرت أن أكتب المذكرات.. بل وأن أنشرها..؟
ليس قصدي أن أدافع عن جهة أو فرد، كما ليس بنيتي أن أهاجم وأن أدين جهة أو فرد، غرضي هو أكبر من ذلك، ويتلخص باحترام التجربة الألم ومن قدم حياته في جبهات القتال، والنضال، وعلى المشانق، واغتيالاً، والمحنة وفي الصدق وعدم المبالغة وإلا فسوف يضيع كل شيء، وتصبح التجارب الكبيرة كبورصة مزايدة وميدان للمهاترات والشتائم. وبتقديري، أن لا أحد يستطيع أن يغير الحقائق المجردة، أن إلواء عنق الحقيقة يفسد الهدف، ويلحق الأضرار. بديهياً جرى صراع سياسي كبير، وكان هناك ضحايا، أبرياء، وكان هناك غير ذلك أيضاً، أن في ذكر الحقيقة الكاملة الصافية بلا رتوش فائدة للجميع وقبل كل شيء للوطن. كنت في غابة التعب والإرهاق يوم خرجت أجر قدمي جراً، وقد اجتاحتني نوبة ربو.! وبكل ما بقيت لدي من قوى، قذفت بنفسي مرتمياً على الأرض غير بعيد عن بوابة سجن أبو غريب، وتناهى إلى سمعي، الكثير من التعليقات من حولي، فدهشت.. للمبالغات، ترى ماذا سيقول الناس بعد 50 سنة من الآن؟ امرأة تقول لأخرى.. «عيني يكولون أكو مساجين صار لهم 30 سنة! ومسجون يسأل هل البكر بعده رئيس للجمهورية؟ وآخر يدعي أنه لم يشاهد الشمس منذ 25 سنة.. وآخر يقول أنه كان في سرداب لعشرين سنة..! فسألتني امرأة مسنة: عيني أنت من المساجين؟  فأجبتها بدون تفكير بالنفي. فإن هذا السؤال سيعقبه مئة سؤال آخر.
- في مكتب الأمم المتحدة في أنقرة. عندما راجعت مكتب الأمم المتحدة (يرأسه موظف بدرجة سفير) وعندما قدمت أوراقا للاستعلامات، بعد دقائق (ربما عشر أو خمس عشرة دقيقة) جاء موظف يبدو أنه بدرجة رفيعة من حيث تعامل الموظفين معه باحترام، عرفت بعد قليل أنه مدير مكتب الأمم المتحدة في أنقرة/ العاصمة التركية. قال لي مدير المكتب «وأخيراً التقينا الدكتور الدباغ...» فدهشت، واستطرد الرجل «أتعرف كم شخص جاء مكتبنا هنا مع أننا في أنقرة لا نتلقى الكثير من طلبات لجوء العراقيين، تلقينا حتى الآن 52 ألف طلب للجوء، منهم الآلاف من قال أنه يعرفك ويذكر اسمك، وبعضهم أظهر لنا صورة فوتوغرافية معك في سجن أبو غريب». وكنت خلال وجودي في السجن أتلقى طلبات كثيرة بالتصور معي، وكثيراً ما كانوا من المواجهين. ومن سفير الأمم المتحدة سمعت عن أعداد فلكية للسجناء، وخرافات عن الموتى تحت سياط التعذيب، وعن.. وعن.. معلومات بعيدة جداً عن الواقع.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com