ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر هل كان قاسم وعبد السلام عارف ينظران إلى السلطة السياسية كما لو كانت مُلكاً شخصياً؟

عدد المشاهدات   915
تاريخ النشر       09/07/2018 10:41 PM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 

 

لم تحدث تفجرات مجتمعية رداً على هذه النزعات المتعصبة على نحوٍ رئيس لأنَّ المظهر العام للحكومة كان محدداً بسياساتها القومية، ولاسيما مبادراتها تجاه عبد الناصر وجمهوريته العربية المتحدة. وفي تصريحاته العامة وخطاباته التلفازية المتكررة، كان عارف يعطي بإصرار صورة عن رؤية شاملة لجميع الأطياف، مستعدة دوماً لضم جميع العراقيين من ذوي النيات الحسنة الذين، شأنهم شأن رئيسهم، كانوا طبيعياً مؤمنين متحمسين بالقومية العربية. ويُستثنى من هذا الموقف العام الشعوبيون، وهم عشاق إيران، ويُستثنى أيضاً الكرد بالتأكيد.
ولم يُستثنَ الكرد من عدائية عارف الواضحة. فثمة وزير في الوزارة الأولى التي جرى تشكيلها عقب إنقلاب عام 1958، يروي إن عارف كان قد صرح في إجتماعٍ للمتآمرين العسكريين قبل إنقلاب عام 1958 أنه فضلاً عن التعامل مع الشيعة والمسيحيين، فثمة هدف للثورة يكمن في "تحجيم الكرد ومشكلاتهم". وأكثر من اسلافه، كان عارف غير مكترث بالخصوصية القومية الكردية. ولذا، كانت الحساسيات الكردية آخر شيء يتبادر إلى ذهنه حين قام بالتوقيع على إتفاقية تُلزم العراق بالعمل مع مصر لتحقيق "وحدة الأمة العربية.... تنبع من وحدة اللغة والتاريخ، ووحدة النضال والمصير العربيين". ولذلك، فبالنسبة لعارف، فأن الوجود الكردي كان يمثل إزعاجاً صارخاً؛ وهو عقبة كان بإمكان البلد ان يدبر أمره تدبيراً حسناً من دونها، ولكنه لم يتمكن من ذلك في واقع الأمر. ونتيجة لذلك، لم تنحرف حكومة بغداد كثيراً عن الجهود السابقة التي أُطلقت فيها الوعود لاسترضاء المطالب القومية الكردية ولكن من دون أن تعمل على تنفيذ هذا الوعود. وبينما كان عبد الرحمن عارف أقل تعصباً من أخيه، فقد واصل على الرغم من ذلك إنتهاج تراث الحكومات العراقية المتعاقبة في إهمال المطالب والمخاوف الكردية. ففي رسالة موجهة من البارزاني إلى عبد الرحمن عارف، في كانون الثاني عام 1967، أُذيعت من محطة إذاعية سرية، أورد الزعيم الكردي ما لا يقل عن إثني عشر وعداً حكومياً مهماً تتعلق بالتطورات المؤسساتية والثقافية الكردية التي لم تجرِ حتى محاولة للشروع بها، ناهيك عن تنفيذها. ومع إنتهاء عهد الاخوين عارف في تموز عام 1968، فأن الاستقطاب العرقي بين العرب والكرد إنعكس في مأزق الجيش في شمال البلاد، حيث إستحوذ الكرد على السيطرة على القرى والريف في حين كانت المدن والطرق الرئيسة تخضعان لسيطرة واهنة من وحدات الجيش الهزيلة الاعداد لخوض حرب في تضاريس جبلية.
 
الخاتمــــة
هل كان العهد الجمهوري ببساطة إمتداداً لسلطوية العراق الملكي، ولاسيما السنوات الاربع الأخيرة التي سبقت الانقلاب العسكري في عام 1958؟ لقد دحض التحليل السابق للعقد (1958-1968) دحضاً واضحاً أية مزاعم وهمية كهذه. وكما رأينا، فخلال السنوات السيئة لسلطوية نوري السعيد، كان يجري التعبير عن المعارضة، والاستهجان للنظام السياسي، حتى في البرلمانات الأكثر "مطواعية" للأعوام 1954-1958، وكان ثمة تعددية كافية بين النخبة الحاكمة بحيث لم يكن بمقدور أي شخص، حتى نوري السعيد، إتخاذ سياسات من دون القيام في الأقل بجهد للحصول على مشورة، مع توقع بروز بعض النقد، بل حتى التقريع. وبصرف النظر عن الأشهر القلائل للحكم البعثي الذي إتسم بالفوضى (المقصود به الحكم البعثي القصير الأمد الذي إمتد من شباط 1963 إلى تشرين الثاني من العام نفسه ـ المترجم) فقد بلور العهد الجمهوري نظاماً يعتمد على مركزة السلطة وشخصنتها مضى أبعد بكثير من الممارسات السياسية الملكية. وفي ظل الجمهورية، أمست السياسة رهينة لإرادة وأهواء القادة المتواجدين في قمة هرم سلطوي على نحوٍ صارم. ولكونهم "ماهرين في إدارة أنظمة الرعاية والارغام"، فأن زعماء على شاكلة قاسم وعبد السلام عارف، المتشربين بثقافة عسكرية، اللذين كانا نابذين للأفكار والممارسات الديمقراطية، كانا ينظران إلى السلطة السياسية كما لو كانت مُلكاً شخصياً.وكانت الشعبوية سمة المرحلة. فقد كان يُنظر إلى المؤسسات السياسية، مثل الاحزاب السياسية والبرلمانات، على أنها عائق بوجه العلاقة المباشرة بين الزعيم والشعب، والأسوأ، فأن هذه المؤسسات تتنافس مع الزعيم على ولاء الجماهير ومحبتهم. والأمر سيان أكان الأمر مع قاسم أو عارف الأول، فقد تمثل المغزى في غرس أهمية مكانة الرئيس في وعي الشعب. وستكون الحصيلة أما نفي دور المؤسسات الوسيطة أو في أحسن الاحوال إظهار التسامح حيال تنظيم سياسي مفرد يتمثل دوره في حشد الدعم للزعيم. وفضلاً عن ذلك سيكتمل الأمر بالخنق الطبيعي والمحتوم للاعلام، الذي يخضع خضوعاً صارماً لسيطرة وزارة الارشاد، المعنية "بتوجيه" الرأي السياسي طبقاً لرؤية الزعيم الثورية ورأيه السديد.وكذلك فأن رياح التغيير السياسي في الشرق الأوسط إجمالاً لم تعمل على إنقاذ الديمقراطية؛ فالعقيدة القومية العربية، التي تكتسح المنطقة بقيادة زعيمها الكارزمي جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية العربية المتحدة، كانت في أحسن الأحوال غير مكترثة بالمبادىء والمؤسسات الديمقراطية، وفي أسوأ الاحوال معادية لها. وعلى العموم أنتجت القومية تأثيرات تنطوي على ضغائن في العراق؛ فقد تنامى العنف تنامياً كبيراً بين الفصائل العراقية المتنافسة، حيث يناصر بعضها هويات قومية عربية، وتناصر فصائل أُخرى هوية ذات صبغة محلية (أي تقتصر على العراق ـ المترجم). إن هذا الانقسام الفكري المتنامي، الأكثر وضوحاً في عهد قاسم أوجد ثقافة عنف، وتصفية لاعداد كبيرة، وفتك بالخصوم، وإرسال دبابات يقعقع صوتها في شوارع المدن. وقد أضحى كل ذلك منغرزاً في توقعات الشعب باحتمالية الاستيقاظ ذات صباح وسماع البيان رقم واحد الذين يُعلن عن خبر إنقلاب عسكري آخر موفق أو فاشل.وليس الأمر ان ثقافة العنف كانت غائبة في الفترة الملكية، بيد أنها لم تكن منتشرة؛ فقد كان هناك ما يكفي من الكياسة في التعامل  مع الشأن العام فضلاً عما يكفي من التوسع في السلطة التي حجمت من وتيرة التفجرات العنيفة ومداها وقوتها. إن سماتٍ كهذه ستتراجع من حيث القيمة والأهمية خلال العهد الجمهوري، جراء مركزة السلطة، ونبذ إقامة مؤسسات تمثيلية. وفي بيئة كهذه، سيكون ثمة إغراء كبير يتمثل بعدم الافادة من المؤسسات القمعية للدولة وحسب، بل الافادة أيضاً من الغرائز البشرية العدوانية ـ وهي أرضية صالحة للانقلاب العسكري الذي حدث في عام 1968، والذي فتح الباب للعهد الأكثر عنفاً في تاريخ العراق الحديث.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com