ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر كيف كانت حالة البكر حينما ظهر في التلفاز ليُعلن استقالته؟

عدد المشاهدات   1606
تاريخ النشر       12/07/2018 07:26 AM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


 
تمثلَ الاهتمام الأول لصدام في ترويض الجيش. وأعقب ذلك تبني سياسة ثنائية المقصد، فقد سعى صدام إلى ضمان تمتع الضباط بمستوى مادي جيد؛ فقد تقرر زيادة رواتب جميع المستويات في القوات المسلحة، وكان الضباط يتلقون معاملة تفضيلية على نحوٍ دائم، على شاكلة منحهم أولوية في مسائل الإسكان وشراء السيارات. وخلال الحرب العراقية - الإيرانية، كان المراسلون الغربيون مندهشين دوماً من المساكن المخصصة للضباط في جبهات القتال، المزودة تزويداً سخياً بالأسرة، وأجهزة التلفاز والفيديو، والسجاد، وخطوط هاتف مباشرة إلى المدن العراقية . وكان المقصود من منح إغراءات كهذه جعل رفاهية الضباط معتمدة على سخاء صدام. وإلى جانب السخاء، كان صدام ضارياً بحملته لضمان إذعان المؤسسة الدفاعية للمدنيين في القيادة السياسية. وفي احد تصريحاته المبكرة، أعلن" ان القيادة الثورية المثالية ينبغي ان تضطلع اضطلاعا فاعلاً بتوجيه جميع عمليات التخطيط والتنفيذ. وينبغي عدم السماح بنمو اي مركز سلطة منافس آخر. وينبغي ان تكون ثمة قيادة واحدة تجمع وتوجه المؤسسات الحكومية، بما فيها القوات المسلحة".وبعد أن استخدم صدام الجيش للوثوب إلى السلطة، لم يكن يريد أن يصبح ضحية للمناورة نفسها. وقال في أحدى المقابلات " باستعمال وسائل حزبية، ما من فرصة أمام أي شخص يختلف معنا في ركوب دبابتين والإطاحة بالحكومة". وسيتصرف طبقاً لذلك ومن دون إظهار أيه رحمة.
 فبحلول عام 1971، كان قد أطاح بمنافسيه الرئيسين، الفريقين حردان التكريتي وصالح مهدي عماش من السلطة، فضلاً عن مناصريهما في القوات المسلحة. وكانت أجهزة المخابرات، التي تخضع لسيطرة حصرية تماماً من لدن صدام حسين، قد تغلغلت بصفوف الجيش. وبدمج عضوية القيادة القطرية للحزب بمجلس قيادة الثورة، فان المؤسسة الثانية ( أي مجلس قيادة الثورة ـ المترجم)، وهي أعلى هيأة صانعة للقرار في البلاد، باتت خاضعة لهيمنة المدنيين الآن.
ولم يُستثنَ المدنيون من حملات التصفية. فمع توالي اكتشاف المؤامرات بعضها حقيقي، وبعضها مُختلق، كان السجن والإعدامات نصيب المدنيين فضلاً عن ضباط الجيش. وفي العقد الأول للنظام الجديد، كان صدام، وهو من الناحية القانونية يحتل الموقع الثاني في الحزب والبنى الحكومية، يعزز في حقيقة الأمر سلطته، حيث قام بتطهير الحزب، والمؤسسات الإدارية والأمنية على نحوٍ ممنهج من المنافسين وأنصارهم. وبحلول النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، كان صدام في مأمن من ان القادة المدنيين الذين يحظون بشعبية ونفوذ ضمن قواعد الحزب قد أُطيح بهم. وكان الجيش قد تعرض لعملية ترويض، ولا سيما وان وزير الدفاع هو عدنان خير الله، إبن خاله ورفيق طفولته ولذا، فبينما من الصحيح القول ان صداماً لم يرتقِ إلى قمة الصرح السياسي، بعد تنحي البكر، إلا في تموز 1979، فأنه من الناحية الفعلية كان يتمتع بالسلطة العليا قبل سنوات من ذلك.ولم يكن الأمر يبدو كما لو انه غائب عن المشهد؛ فالسواد الأعظم من السياسات المنطوية على بذور التطور في المستقبل المتخذة خلال الأعوام 1968ـ 1978 حملت جميعها بصمة صدام. فصدام هو الذي أدار المفاوضات الشاقة مع الكرد التي أسفرت عن التوصل إلى اتفاقية عام 1970 المرحب بها كثيراً التي منحت مقداراً كبيراً من الحكم الذاتي الإداري والثقافي للكرد. وحين انهارت الاتفاقية وأعقب ذلك حرباً مع الكرد، تسببت في تقويض الموارد والقوة العراقيتين؛ فان صدام هو الذي وقع معاهدة عام 1975 مع إيران التي أنهت فعلياً التمرد الكردي. ومرة أُخرى، فأن صدام هو الذي خطط، ونفذ، وأشرف شخصياً على تأميم شركة نفط العراق في عام 1972.وعلى نحوٍ مماثل، فأن صدام هو الذي وضع أساساً لمعاهدة الصداقة والتعاون العراقية ـ السوفيتية، عقب زيارتين حظيتا برعاية كبيرة للاتحاد السوفيتي. وان صدام هو الذي تفاوض في 1975ـ 1976 مع الفرنسيين لشراء مفاعل نووي للأبحاث.وكان صعود صدام إلى سدة الرئاسة في تموز 1979 في واقع الأمر بمثابة التأسيس والشرعية (لعله إستعمال غير مناسب للمصطلح في سياق الوضع في عراق صدام) لهيمنته الراسخة أصلاً على البنية الحكومية وعملية صناعة القرار. وقال ذات مرة إنه كان يفكر في بادئ الأمر بالتخلي عن السلطة بعد سنوات قلائل بيد أن العلاقة بينه وبين الشعب في سبعينيات القرن العشرين كانت قد تطورت بوضوح إلى حد أنه شعر " ان تخليه عن مسؤولياته سيكون مساوياً لتخليه عن الشعب والحزب وتسديد طعنة لهما في الظهر". وان تولي صدام للرئاسة، على حد افتراض أحدهم، أزال أية خشية قد يضمرها شعبه من تخليه عنهم. غير انه في نظرة عامة لهذا النوع من الحكم الذي سيفرضه عليهم، فأن التحول سيكون مصحوباً بالعنف القسري، حين حدد بضربة واحدة قاتله اتجاه حكمه، حيث لم يكن أحد يتجرأ على تحديه، بل حتى التشكيك بسلطته المطلقة. وقد بدأت المسرحية المخضبة بالدم تتكشف للعيان على نحوٍ لا يبعث على ضررٍ كبيرٍ في السادس عشر من تموز عام 1979، حين ظهر الرئيس البكر في التلفاز، بادياً عليه الإرهاق والتوعك الصحي، ليُعلن استقالته، وليعهد بإدارة الدولة إلى صدام حسين، وسواء استقال البكر طواعية أو أن نائبه أرغمه على ذلك فلا بُدَّ ان يبقى الأمر موضوعاً للحدس التاريخي. وعلى أية حال، فثمة سياسة مهمة للغاية كان البكر قد شرع بها، التي لا بُدَّ أنها اصابت صدام بالأرق، فالعراق ومنافسته سوريا البعثية كانا قد قررا قبل عامٍ واحد تسوية خلافاتهما والعمل من اجل الوحدة. وكان تاريخ تنفيذ هذا القرار الكبير يقترب بسرعة، وفي حالة تنفيذه، فسينبغي على صدام الاستمرار بموقعه "نائباً للرئيس"، لكن هذه المرة نائباً للرئيس السوري، حافظ الأسد، الأكبر سناً والأكثر خبرة، حيث لا يستطيع صدام مضاهاة مكانته في العالم العربي. وليس من قبيل الصدف أنه بعد أسبوعٍ واحدٍ من تقاعد البكر،" سيكتشف "الرئيس الجديد مؤامرة ضده ضالعا بها السوريون، وبذا اعطاه هذا الأمر الذريعة لأنهاء مشروع الوحدة قبل تحققه المخيف. وكان البكر، الذي يبدو أنه كان متوقعاً لخطوة صدام هذه، قد ناشد الاسد قبل استقالته بضرورة الإسراع بمشروع الوحدة، حيث حذر من وجود تيار سياسي في القيادة العراقية" تواق لقتل الوحدة في مهدها".وفي حقيقية الامر، فقد اعطت المؤامرة " المكتشفة" صدام ليس فرصة تحييد خطر الأسد وحسب، بل" قتل عصفورين بحجر واحد"، فهو سيقضي ايضاً على المنافسين المحتملين المتبقين في مستهل حكمه المطلق والسلطوي.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com