ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر في انتخابات 2005 كان ثمة حماس كبير بين الشعب لممارسة حقوقهم التي أنكرتها السلطات عليهم لنصف قرن

عدد المشاهدات   523
تاريخ النشر       08/08/2018 08:16 AM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


 
هل يُمكن القول بأن الخطأ الرئيس تمثل في الاقحام المتهور للديمقراطية؟ هل كان العراق يحوز على الشروط الاقتصادية الاساسية الواجب توافرها للقيام بتحولٍ ناجع نحو مؤسسات ديمقراطية وطنية فاعلة؟ في عملٍ ينطوي على سمة مستقبلية جرى نشره قبل قرنٍ واحد، يقول سيمور مارتن ليبست انه كلما تعالت مستويات التصنيع، والتمدن، والثروة، والتعليم، التي تترافق مع تطور طبقة وسطى نشيطة، تعالت فرص حصول تحول ناجع نحو الديمقراطية. وبينما تعرض رأي ليبست إلى تحدي الآخرين وتحويراتهم، فأنه ما انفك يُقدم سبلاً قاهرة للتحليل في حالة العراق.ان تطور العراق المتشظي، كدولة ومجتمع، ولا سيما بعد زوال النظام الملكي، الذي أعقبته الوحشية الخانقة لعهد صدام، قد أوقف فعلياً، أو في الأقل أعاقت، تطور الشروط التي وضعها ليبست. فقد مضى التصنيع بوتيرة بطيئة للغاية، ولا سيما في الحقل البتروكيمياوي، وسيتعرض إلى التدمير جراء حروب صدام على إيران والكويت. وقد توسع التمدن والتعليم على امتداد تطور الدولة. ومع ذلك، فأن التمدن  إجمالاً كان يعني ببساطة نمو مدن الأكواخ التي يقطنها الأميون، والمحرمون إقتصادياً وإجتماعياً التي لم تختلف ثقافتهم عن نظائرهم في الريف. وكان التوسع في التعليم أحد الانجازات الأكثر تأثيراً للأنظمة المتعاقبة التي حكمت العراق، إلا  أنه أيضاً سيعاني من حروب صدام ونظام العقوبات.وثمة طبقة وسطى استمرت في اكتساب القوة لتصل إلى ذروة الرخاء المادي في سبعينيات القرن العشرين. غير انه مع أندلاع الحرب العراقية الإيرانية، التي اعقبتها حرب الخليج الأولى ومن ثم العقوبات التي شلّت الحياة في البلاد والتي فرضتها الأمم المتحدة، أضمحلت الطبقة الوسطى اضمحلالاً فعلياً في وقت الغزو الذي تعرض له العراق في عام 2003. وعلى أية حال، فأن معظم الطبقة الوسطى في العراق كانت معتمدة اعتماداً مباشراً على الدولة، من خلال التوظيف في البيروقراطية المتوسعة على نحوٍ رئيس، وفي الصناعات المملوكة للدولة، وفي المؤسسات العسكرية والأمنية، وخلال السنوات الخمس والثلاثين من حكم البعث، في مكاتب الحزب السياسية، والاجتماعية، والأمنية التي لا حصر لها. وفضلاً عن ذلك، وبفضل ثروة البلاد النفطية الهائلة، فأن العوائد الحكومية كانت تتأتى على نحوٍ رئيس من مبيعات النفط وليس من الضرائب، الأمر الذي أضاف المزيد إلى رغبة الطبقة الوسطى بالانقياد إلى الدولة. وكل هذا يكاد لا يُضيف شيئاً إلى فكرة وجود طبقة وسطى مستقلة، ومنظمة، ومكتفية ذاتياً تُعد في سياق النظرية الديمقراطية بمثابة الأساس للحياة المدنية الديمقراطية. وتُعد الثقافة السياسية الشرط الضروري الآخر الذي يؤثر في الانتقال الناجع نحو الديمقراطية. ويُشير المفهوم إلى تجربة الشعب الوطنية التاريخية ومنظومة معتقداته، والطريقة التي تؤثر فيها هذه الاعتبارات في السلوك السياسي. ويتمثل السؤال المطروح بشأن العراق في ما لو كان البلد يحوز على ثقافة سياسية تساعد في إحداث نمو الديمقراطية . وفي حقيقة الأمر، لا توجد إجابة جاهزة ودقيقة لهذا السؤال. ففي بادىء الامر، كان المحللون يُجمعون تقريباً على الاستنتاج بأن التغييرات المفضية إلى الديمقراطية التي ينبغي غرسها في النسيج السياسي والنفسي للمجتمع العراقي كانت جد ضعيفة بحيث لا تسوغ حتى المحاولة. وكانت ثقافة البلاد السياسية هي المذنبة، فضلاً عن الافتقار إلى تراث ديمقراطي وغياب التجربة الديمقراطية السابقة. وفي واقع الأمر، فحتى مع تحدث المسؤولون في الادارة على نحوٍ متحمس عن تصدير الديمقراطية إلى العراق ومنه إلى الشرق الأوسط، فأن التحليلات الحكومية كانت أقل تفاؤلاً بكثير. غير أنه ثمة وجهة نظر موازية ايضاً أكّدت على العديد من الأمثلة والفترات التي شهدت ممارسات ديمقراطية في تاريخ الدولة العراقية، ولا سيما خلال العهد الملكي. ومن المهم هنا ملاحظة أن الذاكرة التاريخية ليست تتابعية ولا تراكمية. وعلى سبيل المثال فعند التعامل مع "الحدود" في التاريخ الأمريكي، فثمة روايات  خاصة جرى التأكيد عليها تأكيداً فاعلاً كانت منسية آنذاك وأُعيد إكتشافها لاحقاً. وفي عالم السياسة، فأن الذاكرة التأريخية غالباً ما تكون موضوعاً لإعادة التأويل من أولئك الباحثين عن "ماضٍ قابل للتوظيف" لشرعنة السياسة العامة. ولذا فبينما كان معظم تاريخ العراق سلطوياً بلا ريب، كانت ثمة أشعاعات للأمل الديمقراطي بأن أولئك المسؤولين عن المشروع العراقي الجديد بأمكانهم مواصلة جهدهم لإقامة بُنى ديمقراطية. وقد انعكس هذا التعقيد في رد فعل المواطنين العراقيين خلال الممارستين الانتخابيتين اللتين جريتا في عام 2005. فمن ناحية، كان ثمة حماس كبير بين الشعب لممارسة حقوقهم التي أنكرتها السلطات عليهم لنصف قرن، وقد تدفقوا إلى حجيرات التصويت وسط عنف منتشر، وبمجرد وجودهم داخل الحجيرات، إرتدوا إلى ولاءات عرقية وطائفية بدائية، تستخدم الديمقراطية على نحوٍ ظاهر بوصفها واحدة من مجموعة من السبل (ليست جميعها سلبية) ببساطة لدعم قضية مجموعتهم الخاصة، على أمل إعطائها (أي إعطاء مجموعتهم العرقية و الطائفية ـ المترجم)، سيادة على بقية المجموعات. وكان ما حدث عبارة عن إستنتاج معقد وغير محدد نوعاً ما، وطبقاً له فقد أحدث وجود المؤسسات الديمقراطية وطريقة عملها الأمل بارساء دعائم حياة ديمقراطية، غير ان المصالح والاعتبارات التحزبية الضيقة التي تخللت أعمال هذه المؤسسات لم تولد سوى الذعر.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com