ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق السياسي المعاصر عاش العراق بعد احداث عام 1991 تحت سلطة مركزية مفترسة انتهجت وحشية لا توصف

عدد المشاهدات   761
تاريخ النشر       09/08/2018 07:10 AM


الدكتور عديد دويشا        
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


 
أيُّ نوع من الفيدرالية؟
يُجادل ( بفتح الدال ـ المترجم) بأن المؤسساتية الزاحفة للتضامنات العرقية والطائفية، والعداءات ستُفضي على الأرجح إلى إحتمالٍ من احتمالين غير مستساغين: التفكك السياسي من طرف، أو نوع ما من الحكم السلطوي من طرف آخر. ومع ذلك فثمة حجة معاكسة تقول أيضاً أن المصلحة المتأصلة لكل طائفة بتحديد سلطة الطوائف الأُخرى بإمكانها ان توفر الكوابح والتوازنات السياسية التي ستُفضي إلى تدعيم الديمقراطية على حساب الهويات الفرعية الصارمة. ومنذُ مستهل الجهد لبناء عراق ديمقراطي، كان ايضاً ثمة إجماع شامل بأن تحويل تنوع العراق المجتمعي من قوة تنطوي على تشوش وإضطراب  إلى عامل للتغيير الايجابي ستتحقق على أفضل وجه عبر بنية سياسية فيدرالية. وتُعد الفيدرالية أمراً مثالياً للمجتمعات المتشظية لأنها تتجاوز الانقسامات والصراعات، وتقلل التفاوتات بين المجموعات، وتمنح جميع الاطراف حصة في النظام. غير ان السؤال هو: أيُّ نوع من الفيدرالية؟ ويجادل (بفتح الدال ـ المترجم) بأن ثمة نظام فيدرالي لا مركزي على أساس الاقليم، وليس العرق أو الطائفة، حيث تكون الحكومات المحلية مسؤولة عن جميع المواطنين في مناطقها، وليس عن أقرانهم في العرق أو الطائفة وحسب، سيكون خير بديل لتعزيز الديمقراطية في العراق. وتمثلت النصيحة في الحفاظ على بنية العراق الادارية التي كانت قائمة في ظل صدام، حيث كان البلد منقسماً إلى ثماني عشرة وحدة إدارية، ولكن باعطاء هذه الوحدات سلطات اكبر حيال المركز. وسيخدم الحفاظ على هذه الحدود بين المحافظات مصالح طوائف العراق المختلفة، في حين يتجنب التركيز المغالى فيه على المخاوف العرقية والطائفية المحرضة على الصراع. وسيزيد إجراء كهذا ايضاً من التنافس السياسي السليم على الموارد بين الوحدات المختلفة ـ حتى بين اولئك القاطنين ضمن مناطق عرقية وطائفية معينة.وفي سنوات قلائل من الفترة التي أعقبت عام 2003، بات جلياً أنه لربما كان هذا التشكيل هو الأكثر ملاءمة لتطور عراق مستقر وديمقراطي، فقد كان له في واقع الأمر فرصة ضئيلة كي يوضع موضع التنفيذ بسبب واقع تجارب البلاد التاريخية وظروفها الاجتماعية والاقتصادية. وفي ما يتعلق بالتطور السياسي، يمتاز تاريخ الدولة العراقية بالحكم المركزي القوي، حيث ترتبط الوحدات المختلفة ارتباطاً صميماً ببغداد. وطوال وجود الدولة، كان المركز هو الذي يحوز على السلطة ويُسيطر على الموارد، ولم تؤدِ الحكومات المحلية دوراً كبيراً يتجاوز تسهيل نطاق السلطة المركزية. وقد تركت هيمنة الحكومة المركزية لأكثر من ثمانين عاماً بصمتها على نفسية الشعب، الأمر الذي جعل تنازل السلطة المركزية عن صلاحياتها للسلطات المحلية يبدو أمراً غير وثيق الصلة بالواقع، بل حتى ينطوي على خداع.ولو قيض لتجربة تاريخية واحدة ان تكسر قالب مركزية السلطة، لكانت على الارجح الفترة التي اعقبت عام 1991 لسلطة مركزية مفترسة تخلت عن كل مظهر للعلمانية وللنظام المجتمعي الذي يتعامل مع الناس وفقاً لقدراتهم، وليس وفقاً لاعتبارات أُخرى، وانتهجت بدلاً من ذلك، وحشية لا توصف، واعتداءات عرقية وطائفية صارخة بحق الكرد والشيعة. وفي ظرفٍ كهذا، لم يكن مفاجئاً أن الصيغة الفيدرالية الوحيدة التي وافق عليها المكونان الشيعي والكردي اللذان تعرضا لمعاناة طويلة ستكون تلكم الصيغة التي تبنت الحدود العرقية والطائفية. ولذا فأن الصفة الاقليمية تأرجحت بين البنيتين السياسيتين اللتين فهمهما الناس، من خلال تجارب الماضي، وكانوا راغبين بقبولهما: نظام مركزي من ناحية أو تنازل السلطة المركزية عن صلاحياتها للسلطات المحلية وفقاً لاعتبارات عرقية وطائفية من ناحية أُخرى.وأعقب ذلك سلسلة من الحرب بين مناصري هذين الانموذجين الفكريين والسياسيين. فقد تمسك جميع السُنّة وبعض الشيعة بفكرة عراق مركزي وموحد، في حين أيّد الكرد وشيعة آخرون إقامة دولة فيدرالية، بل حتى كونفدرالية، على أساس عرقي وطائفي. وعلى نحوٍ مثير، فأن السُنّة، الأكثر حماساً للحفاظ على وحدة العراق، يبدو أنهم وافقوا مرغمين على فكرة إقامة إقليم كردستان، المكون من ثلاث محافظات كردية أربيل، والسليمانية، ودهوك. غير ان السُنّة كانوا متحسسين لقيام الشيعة بإجراء مماثل (أي إقامة إقليم شيعي في الجنوب ـ المترجم). وستُفضي ظروف ملتهبة كهذه إلى سقوط العراق في نهاية الأمر بدوامة العنف، وتمثلت أكثر درجات هذه الدوامة رعباً في التطهير العرقي المنطوي على تصميم الذي أوجد مع كل يومٍ يمر انفصالاً بات يمثل أمراً واقعاً للطوائف الرئيسة الثلاث. وقد جرى توظيف موارد كبيرة لثني العراقيين عن تفكيك أوصال بلدهم. ومع ذلك، فإن التشظيات الواسعة التي أحدثت الدمار الوطني الظاهر لن تُعالج (بفتح اللام ـ المترجم) بسهولة . هل بمقدور العراق ان ينجو من هذه القوى المؤثرة النابذة عن المركز؟ ينبغي القول ان المسافة المادية والنفسية المتزايدة بين طوائف العراق المختلفة جعلت من الصعوبة بمكان تخيل مستقبل العراق بوصفه كياناً سياسياً موحداً بحق. وحتى وجود فيدرالية يكفلها الدستور، تستند نفسها إلى الانقسامات العرقية والطائفية، قد عمقت أعمال العنف تعميقاً مقصوداً ومرعباً، لن تعمل سوى على تعزيز انعدام الثقة المجتمعي والميل صوب التركيز الحصري على مصالح المجموعات العرقية والطائفية، بدلاً من التخفيف من وطأتها. وباعتراف الجميع فمن غير الممكن بالضرورة إعادة هذه العملية إلى ما كان عليه الأمر في السابق. وقد رفعت التحسينات الملموسة في الوضع الأمني في عام 2008 من الأمل بأن صيغة ما من المصالحة الوطنية قد تعقب ذلك وتتمخض عن تسوية سلمية. ومع ذلك، سيبقى الأمر غير المؤكد سواء سيكون مستقبل العراق مشابهاً للكيان السياسي والجغرافي الموحد الذي قام البريطانيون بتجميع أوصاله في عام 1921 والذي بقي مصاناً نوعاً ما في ظل الحكام الملكيين والجمهوريين المختلفين حتى  عام 2003.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com