ثقافة

 

للكاتب أحمد جنديل.. اعترافات امرأة تبيع جسدها في وكر الثعابين

عدد المشاهدات   411
تاريخ النشر       09/08/2018 07:40 AM


علي حسن الفواز

قد يَبدو الواقع أكثر شراسة من الخيال، وأكثر إيهاما بغرائبية أحداثه وصراعاته، وبكل ما ينطوي عليه من فنطازيا سياسية أو اجتماعية، أو حتى من سرديات لها قابلية التفجّر والإثارة والمفارقة. رواية الكاتب أحمد الجنديل “إمبراطورية الثعابين” تضعنا أمام لعبة هذا الواقع من خلال تمظهرات شخصياته المضطربة، والمشوهة، والتي تمثّل صورة أكثر رعبا وشراسة لصعود الهامش الوجودي والطفيلي، إذ تتفكك شفرات الحُجب، وتتكشف عن سردنةِ خرابها النفسي والاجتماعي والجنسي، والتي تجد في أحداث التغيير العاصف والحادث في العراق عام 2003 مجالها للتحوّل، والصعود، والتضخّم إلى حدّ البشاعة، وكأن ما أراده الروائي هو التعبير عن تمثيلات ذلك الواقع المتشظي، وتفسّخ بنياته الحاكمة، عبر تفسخ تلك الشخصيات، وعبر ما توحي به أقنعتها الغائرة في لعبة السلطة وفي عالم المال والجنس.
أقنعة وأسماء
رواية “إمبراطورية الثعابين”، الصادرة عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق، ليست كتابة سيرية بالمعنى الأتوبيوغرافي، برغم ما تستهلّ به الساردة حديثها في تساؤلها الخطابي، وفي ما تبتغيه ضمن سياق تدوين اعترافاتها، بقدر ما أنها رواية تصطنع لها مخيالا سرديا يقوم على تقانة الاعتراف، والتي توخّى من خلالها الروائي مقاربة التمثيل السيميائي والرمزي للواقع العراقي، ولفضح يومياته واغتراب شخصياته الوجودي والأخلاقي. الشخصية المحورية/ الساردة تكشف عن محنتها الشخصية، عبر تضخيم خطيئة الجسد، والتي تكشف من خلالها خطيئة الجسد السياسي العراقي في مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي، حيث انهيار المركز القديم، وصعود قوى الهامش الاجتماعي والطبقي والأخلاقي، وحيث تعرية شخصياتها عبر تقانة القناع السردي، وعبر فضح تعالقها الإيهامي بالأيروس والمال والسلطة، وهي ثلاثية تأطيرية لذلك الواقع المُتشظي، وللإبانة عن سردياته عن طريق حبك ما تعترف به الساردة من حكايات ويوميات، ومن سرديات صغرى، أو ضدية، حيث تجد في الاعتراف السردي نوعا من التطهير والخلاص والتعويض من سطوة السرديات الكبرى، تلك التي تجد تمثيلها في تلك الثلاثية المهيمنة والطاردة، تقول الساردة “بدأ هاجس الاعتراف يأخذني إلى ما يريد وأنا لا أملك من عدة المقاومة غير الاستسلام له.. لماذا لا أقرّ أمام الجميع بأن رغبتي وراء الاعتراف كانت السبب في كل ذلك؟ وهي رغبة ماجنة نمت وترعرعت بداخلي عند دخولي إلى عالم المجون”. قد تكون هذه الرواية جريئة في خطابها الاعترافي، وفي فضح “جوانيات” العالم السياسي، لكنها أكثر جرأة في اختيار شخصياتها البطلة بدلالة اسمها، وبأقنعتها المتعددة، فمثلا اسم ساجدة خليبص شرهان يوحي بدلالة طبقية واجتماعية، لكنّ أقنعتها هي الفاعلة والحاضرة والمتعالية -فيفيان، عطارد، همسات وغيرها- والتي تتجوهر حول هويتها كـ”بغيّ” لها وظيفة الأفعى، وهي تتغلغل في “إمبراطورية” المال والسياسة، تقول “ماذا يقول زبائني الذين اعتادوا على إراقة رجولتهم على جسدي بأن اسمي الحقيقي ليس رولا ولا فيفان ولا همسات أو سوزان أو غيرها من الأسماء المستعارة التي كانت تخرج من شفاه ملتوية خدرها السكر وأطاح بها الشبق الذي كان يهيمن على أحاسيسهم”. عالم البغاء الجسدي يقابله عالم البغاء السياسي وبغاء البزنس، كوحدات توصيفية لعلامات سردية، سعى الروائي إلى تأطيرها، وإلى وضعها داخل تبئير داخلي، اعتمد فيه الروائي على وعي واعتراف إحدى شخصيات الرواية، حيث مقاربة عالم ساجدة وسير الأحداث وتناميها، وبما يجعل هذه الشخصية وكأنها الناظم الذي تتبأر عنده تلك الأحداث، وما يتبدّى عبرها من الصراعات والخسارات، وحتى التحولات التي تمسّ حياتها السرية من “طالبة إلى بغي، إلى سيدة أعمال، إلى قوّادة”، مثلما تمسّ الواقع في ما بعد الاحتلال، وتمسّ الشخصيات -أكرم، طارق، سليم، غالب- وأقنعتها -الدكتور طارق الآغا، الدكتور راشد الأزعر، الدكتور سميع السامون-، وعبر لغةٍ توصيفية ساخرة، وكاشفة عن ضآلتهم وخواء أرواحهم وأذواقهم كما ورد في الرواية على لسان البطلة “كان الدكتور سميع السامون يجلس جنبي وقد حشر جسده ببذلة ذات لون أحمر قان وقميص أصفر وربطة عنق حمراء مخططة باللون الأسود”.

سرديات عارية
اختيار الروائي لتقانة الاعتراف النسوي في هذه الرواية له دلالته الصادمة، وله مجاله الثيمي في التعبير عن طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية في المدينة، وفي علاقة الشخصية الساردة والثانوية بهذه المدينة، فبقدر ما سعت إليه الرواية من خرقٍ لمألوفية السرد الاعترافي، فإنها في المقابل حافظت على تمثيلها الواقعي، وعلى محدودية حركة شخصياتها، بما أعطى هيمنة واضحة للموضوع/ الثيمة على حساب تقصّي البناء النفسي للشخصيات ذاتها، وهو ما أضعف الجانب التجريبي الذي بات عنوانا واضحا لأغلب الكتابات الروائية الجديدة. كما أنّ الرواية لم تتحدث عن استلاب المرأة، ولا عن أيّ خصوصية للفكرة الأنثوية، وحتى الموتيفات البورنوغرافية فيها لم تكن سوى تتمة للطبيعة الوظيفية التي اندفعت إليها ساجدة وصديقتها جنان في استعراض مفاتنها، وفي إثارة الهوس الغرائزي للرجال الذين وضعوا الجسد وإشباعه مقابلا إيهاميا لرغائب السلطة والمال والمتع السرية والمُقنّعة. إنّ تقمّص الروائي لقناع الساردة يكشف أيضا عن الطابع الذكوري للسلطة، ولرثاثة هذه الذكورة في التعبير عن سرديات التحوّل الاجتماعي، فضلا عن اختياره لتقانة القناع في التعاطي مع المكان السردي، فمثلا “مؤسسة الزعفران الخيرية” هي قناع لـ”وكر الثعابين” الذين يدسّون من خلالها سمومهم وأوهامهم، و”فندق برج الحرير” هو عالم سري لممارسة الرذيلة والعهر، ولتمثيل شفرة السردية العارية التي تعيش أوهامها تلك الشخصيات، وعبر تغويل سلطة المال والجنس، أو عبر صراعاتهم الشخصية والقاتلة، حتى تبدو وكأن التعالق ما بين الوهم والسلطة، أو بين السلطة والجسد، هي الرهانات التي حاول الروائي أنْ يؤسس من خلالها رؤيته في نقد الاحتلال والسلطة والنفاق الاجتماعي والسياسي والثقافي، وفي ما يصنعه الخراب من خطاب للعفونة والخراب والضياع.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com