ملفات وقضايا

 

الموقف الأميركي من الأحزاب القومية في العراق 1963-1969 ما موقف إدارة جونسون حيال العراق عقب إنقلاب فاشل قــاده رئيــس الــوزراء المعيــن حديثاً عارف عبدالرزاق؟

عدد المشاهدات   190
تاريخ النشر       08/09/2018 02:31 AM


د. بريان روبرت جبسون          ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


فِي مطلع آب، استدعى مسؤولون عراقيون القائم بالأعمال الأمريكي في بغداد، جي ويسلي أدمز، إلى وزارة الخارجية للاستفسار "بعبارات شديدة اللهجة" عن حث أمريكا لإيران لإيقاف تسليح الكرد. وفي تقريره إلى واشنطن، أشار أدمز إلى ان "العراق يمتلك الآن معلومات دقيقة عن طبيعة ومدى المساعدة الإيرانية للكرد"، الأمر الذي وضع الولايات المتحدة الأمريكية بوضع صعب للغاية لأنَّ "الطلب العراقي بدعم الجهود الرامية إلى إيقاف تدفق الاسلحة من إيران إلى الكرد العراقيين المنشقين لم يكن بالمستطاع رفضه منطقياً". وبسبب ذلك، فقد طلب تعليمات من وزارة الخارجية الأمريكية تتعلق بكيفية التعامل مع الأمر. ورداً على ذلك، نصحت الوزارة بإبلاغ الحكومة الإيرانية بطلب العراق والاعراب عن "القلق الأمريكي من الضغوط التي يمارسها العراق الناجمة عن المساعدة الإيرانية للكرد". وحين علمت إيران بالموضوع في الثالث عشر من آب، بدا وزير الخارجية الإيراني عباس ارام "منزعجاً من ان الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبحت طرفاً في الأمر" وأصر على ان "إيران لم تكن تساعد الكرد" وجادل بدلاً من ذلك بأن العراق "كان ينتهج سياسة مدروسة ترمي إلى إزعاج إيران". وكان إنكار ارام يتناقض، قطعاً، تناقضاً مباشراً مع ما كان الشاه قد أخبر روسك به قبل أشهر قلائل في إجتماع (السنتو)، ناهيك عن وجود أدلة كثيرة توحي بالعكس. وعلى الرغم من ذلك، فحقيقة إن الولايات المتحدة الأمريكية أثارت هذه المسألة مع الحكومة الإيرانية تُظهر إن إدارة جونسون تشاطر العراق في قلقه من المشكلة الكردية وتدخل حلفائها فيها.
ولم يتعزز الموقف الودي لإدارة جونسون حيال العراق سوى في آب عقب حدوث إنقلاب فاشل قاده رئيس الوزراء المعين حديثاً عارف عبد الرزاق، الأمر الذي أفضى إلى تعيين عبدالرحمن البزاز، وهو محامٍ غربي التوجه واكاديمي ليست له صلات بأي حزب سياسي أو بالجيش. وعلى نحوٍ ذي مغزى، كان البزاز أول مدني يقود العراق منذ ثورة عام 1958. وقد أعطى الانقلاب الفاشل عارفاً سبباً أيضاً للتخاصم مع العناصر الناصرية في العراق وتأكيد حكمه الشخصي، وهو أمر كان يتوق إليه منذ إستيلائه على السلطة في عام 1963.
 وضع تجدد الحرب الكردية الولايات المتحدة الأمريكية بموقف صعب. وبينما كانت إدارة جونسون تبحث عن الحفاظ على علاقات ودية مع العراق، كانت حليفة أمريكا، إيران ، قد صعّدت من وتيرة دعمها للكرد. ولذا لم يكن بمقدورهم (أي بمقدور الأمريكيين – المترجم) منطقياً رفض مطالب العراق بحث إيران على إيقاف دعمها للكرد. غير أنه مع الدعم الذي يقدمه الآن حليف لأمريكا للكرد ضد العراق، فأن الحرب الكردية كانت قد تحولت بوضوح من كونها صراع في الحرب الباردة إلى صراع إقليمي.
( 4 )
نظرت إدارة جونسون إلى قدوم قيادة مدنية للسلطة في العراق بوصفها تطوراً إيجابياً، ولاسيما بما أنهم كانوا يضغطون من أجل تحجيم نفوذ الجيش في السياسة العراقية. ولسوء الحظ، تواصل التدخل الإيراني في الحرب الكردية، الأمر الذي أثر تأثيراً كبيراً في العلاقات الأمريكية – العراقية. وعلى أية حال، ثمة حدثان غير متوقعين سيغيران من طبيعة المسألة الكردية: الوفاة غير المتوقعة لرئيس العراق عبد السلام عارف في نيسان من عام 1966 والهزيمة التي حلت بالجيش العراقي على يد قوات البارزاني في معركة جبل حمرين في آيار من عام 1966. وفي أعقاب ذلك، سعت حكومة البارزاني إلى التوصل إلى سلام مع الكرد وتهيئة السبيل لاجراء تحسن دراماتيكي في العلاقات الأمريكية- العراقية.
كانت إدارة جونسون مسرورة بتعيين البزاز وعودة العراق إلى الحكم المدني. وفي حقيقة الأمر، حين وصل البزاز إلى نيويورك لحضور إجتماع الجمعية العامة في تشرين الأول من عام 1965 لم يحظ بترحيب وزير الخارجية روسك وحسب، بل حظي بترحيب نائب الرئيس هيربرت هيمفري. وخلال كلا هذين اللقاءين، حظيت المسألة الكردية باهتمام كبير، وكذا الدعم الإيراني للبارزاني . وقد أخبر البزاز روسك بأنه يريد من الإيرانيين ان يفهموا بأنهم "يخلقون مستقبلاً ينطوي على مشكلات لأنفسهم حين يستمرون بإعطاء مساعدة سرية للمتمردين الكرد العراقيين". وعندها كرر مطالب سابقة للعراق بحث الولايات المتحدة الأمريكية للشاه بأن يدرس " عدم صواب سياسته"، أكّد رئيس الوزراء أنه لم يطلب من الولايات المتحدة الأمريكية التدخل في الشؤون الداخلية لإيران ، بل تقديم النصح فقط... بأن الشاه ينبغي ان لا يستخدم الاسلحة المعطاة له من الولايات المتحدة الأمريكية لتهريبها إلى كردستان العراق.استشهد البزاز بالعلاقة الأمريكية مع إيران حيال السنتو "بوصفها تعطي العراقيين حقاً مشروعاً لابداء طلب كهذا". وقد أوضح هذا اللقاء جملة من الأشياء. فأولاً، أظهر ان البزاز كان يعطي لحل المسألة الكردية أهمية كبيرة. وثانياً، كان من الأهمية بمكان ان هذا اللقاء هو الأعلى من حيث المستوى بين مسؤولين أمريكيين وعراقيين منذ ثورة عام 1958 ويبين إهتمام إدارة جونسون بتحسين العلاقات مع العراق. في أواخر تشرين الأول، أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد تحليلاً مفصلاً للمصالح والبواعث المتنافسة لأطراف مختلفة في الحرب الكردية. وثمة ملحق وارد في التحليل حلل أهداف السياسة الأمريكية والسوفيتية والبريطانية والإيرانية فيما يتعلق بالكرد. فالأهداف الأمريكية تسعى إلى الحيلولة دون تنامي النفوذ السوفيتي على الكرد أو السماح لهم بتوظيفه لإيقاع الاضطراب بالشرق الأوسط؛ ولتفادي إقامة حكم ذاتي أو إستقلال ناجز للكرد؛ ولإبقاء الكرد يعيشون بسلام ضمن العراق وان يشاركوا مشاركة كاملة في الحياة الوطنية؛ ولتجنب إثارة المشكلة الكردية في تركيا وإيران؛ وأخيراً، الحيلولة دون إلحاق المشكلة الكردية لتأثير سلبي بالمصالح الأمريكية في العراق. وطبقاً لهذه الأهداف ، تبلور لدى السفارة الاعتقاد بأن "موقف الولايات المتحدة الأمريكية الحالي هو الأنسب- من حيث إن المشكلة تُعد شأناً عراقياً داخلياً ولذا فمن الأفضل التوصل إلى حل سلمي تفاوضي" وتسعى الأهداف السوفيتية إلى كسب النفوذ والتأثير على الكرد من خلال منح دعم تنقصه المساعدة المادية الكافية، وفي نهاية الأمر تطوير نفوذ قوي في كردستان المستقلة التي ستتحقق جراء جهود أهلها؛ وتوظيف كردستان المستقلة لتعزيز الأهداف السوفيتية في تركيا وإيران والخليج؛ وتفادي إستعداء العرب وإثارة كراهيتهم. وقد حدد الملحق الأهداف البريطانية في العراق بكونها تهدف إلى الحيلولة دون قيام وحدة عراقية- مصرية؛ وإبقاء العراق منقسماً وضعيفاً داخلياً؛ وحماية مصالحهم في الخليج من النفوذ العراقي؛ والحفاظ على تدفق النفط من المنطقة. وعلى نحوٍ مماثل، أرادت إيران منع الكرد من إثارة مشكلات مع أقليتها الكردية؛ ومساعدة البارزاني في إحداث تغيير في الحكم في العراق يكون أكثر ملاءمة للمصالح الإيرانية؛ وإبقاء العراق ضعيفاً ومنقسماً ومنفصلاً عن مصر؛ وتعزيز المصالح الإيرانية في الخليج؛ والتأكيد على إقامة صلات عرقية وثقافية بين الكرد والفرس بغية الابقاء على إمكانية ضم الإيرانيين لكردستان العراق. وعلى الرغم من ان الملحق لم يتطرق إلى المصالح والأهداف الإسرائيلية، فأن هذه المصالح والأهداف قد جرت تغطيتها تغطية تفصيلية في أعلاه.
وفي تناقض صارخ يلفت الانتباه مع الحرب الكردية في عام 1963، فبحلول عام 1965 لم تختلف السياسة الأمريكية حيال المشكلة الكردية عن سياسة الاتحاد السوفيتي حيالها، على الرغم من منع الكرد من تحقيق هدفهم الطويل الأمد بإقامة كردستان المستقلة. وكما يورد التقرير (بينما) كانت المواقف الأمريكية والسوفيتية و(المصرية) تؤيد التوصل إلى تسوية تفاوضية سلمية سطحياً، فأن لهذه المواقف دوافعاً مختلفة ولاسيما في الحالتين الأمريكية والسوفيتية، اللتين تستندان إلى فرضيات مختلفة تتعلق بالنتائج المحتملة. غير ان الاختلاف في المواقف بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها كان جلياً للغاية. ينطلق الإيرانيون وربما البريطانيون – من دوافع مختلفة تُفضل إستمرار الصراع لما له من تأثير مدمر على العراق. ويُعد التدخل الإيراني تهديداً لوضع الولايات المتحدة الأمريكية في العراق. ولكن، ولسوء الحظ، فأن هذه الدولة لا ترغب على الأرجح في ان تراعي المصالح الأمريكية بهذا الخصوص.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com