شخصيات

 

عنبرة سلام الخالدي رائدة النهضة النسائية ومترجمة "الأوديسة" و"الإلياذة"

عدد المشاهدات   505
تاريخ النشر       08/09/2018 02:37 AM


  عنبرَة سلام الخالدي هي واحدة من المناضلات الوطنيات اللواتي كن يعرفن جيداً أن عليهن مقاومة الغبن الواقع على أمتهن بالعمل الاجتماعي، كما بالفكر والمقالة والترجمة والخطابات التحررية، حتى يوم كانت النساء محجوبات في بيوتهن.
مولدها في بيروت عام 1897 لأب متنور، منفتح، له مقامه ووجاهته وحبه للعلم هو سليم علي سلام الذي كان رئيساً لبلدية بيروت، كما رئيساً لجمعية المقاصد، وأم متعلمة من عائلة معروفة بمعرفتها الدينية هي كلثوم البربير، جعل عنبرة تجمع بين التعليم التقليدي، والمعرفة الغربية الحديثة، في وقت كانت البنات فيه أميات يمنع عليهن الخروج من المنزل. عرفت الحجاب صغيرة كما بنات جيلها، وحفظت القرآن طفلة، لكن هذا لم يمنعها وبمساعدة من والدها أن تخطو صوب ما لم يكتب إلا لندرة من بنات جيلها، وعرفت كيف تستفيد من الفرصة. هي أخت أحد ألمع رؤساء وزراء لبنان صائب سلام وأكبر منه سناً، نشأت بين ثمانية صبيان وأختين، وتعلمت في مدرسة مار يوسف، وتتلمذت في مدرسة المقاصد على يد الرائدة جوليا طعمة دمشقية، التي كان لها أكبر الأثر فيها.
 تروي عنبرة في أماكن متفرقة، وفي كتابها الجميل الذي قدّم له كمال الصليبي"جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين" مقاطع من هذا العمر الذي لا يشبه غيره. ويقول الصليبي في مقدمة الكتاب: "إن تاريخَ بيروت في العصر الحديث لن يكتب دون الرجوع إِلى مذكّرات السّت عنبرة، ولن يكتب تاريخُ النهضة النسائية في العالم العربي الحديث دون الاعتمادِ على هذه المذكّرات بالذات".
في سنة 1925 وأسوة بإخوتها وبصحبة والدها ذهبت إلى إنجلترا، وتعلمت معهم لسنتين على يد أساتذة خصوصيين أصول اللغة الإنجليزية. عن هذه المرحلة، تتحدث كيف أنها غبطت الإنجليزيات لتحررهن، وتساءلت لماذا يفرض عليها ما يعفى منه غيرها. وتقول في أكثر من مكان بأنها كانت تسأل والدها إن كانت تستطيع أن تخلع الحجاب لتلقي خطبها فيقول لها لك ما تريدين، لكنها كانت أحياناً تحتفظ بحجابها لإدراكها أنها في بيئة محافظة وعليها أن تراعي الظروف التي حولها وأن لا تحرج والدها.كتبت أملي نصر الله في مؤلفها "نساء رائدات: من الشرق" أنه "في سنة 1927. نزعت عنبرة سلام عن وجهها النقاب عند البدء بمحاضرة في (نادي الأحد) في الجامعة الأميركية في بيروت حول زيارتها لإنجلترا، وكانت بعنوان (شرقية في إنجلترا). وكانت أول مسلمة في بلاد الشام تنزع النقاب في مكان عام، الأمر الذي سبب موجة غضب عارمة في الشارع البيروتي المحافظ". لكن الحقيقة أن عنبرة كانت قد تخلت عن النقاب والحجاب معاً في إنجلترا، ولبست القبعة أسوة بالفتيات هناك، وكانت تلتقي الرجال الذين يأتون منزلها. لكن هذه الحادثة بالذات في الجامعة الأميركية أحدثت صدمة في بيروت.
وتروي عنبرة أن القيامة قامت يومها، واتهمت بأنها آتية لتزرع الفساد، وتارة أخرى يجدون لها أسباباً تخفيفية بأنها تفعل ذلك بحثاً عن عريس. ووزعت المناشير ضدها، وتم الاعتداء على نساء لم يلتزمن بالنقاب كما يتوجب. وبقيت عنبرة في البيت درءا لإهانات قد تتعرض لها، لكنها في هذا الوقت كانت تلتقي بالأدباء أمثال أمين الريحاني وخليل رامز سركيس، وكل من يرتاد منزلها من كبار ذاك الزمان. وبترتيب من أستاذتها جوليا طعمة دمشقية تعرفت عنبرة على مدير (الكلية العربية) في القدس، الفلسطيني أحمد سامح الخالدي، كان ذلك عام 1929 حيث ستنتقل للعيش معه هناك حتى نكبة عام 1948 حيث تركا القدس وعادا مع أولادهما إلى لبنان، لتبقى غصة في حلق الزوج الذي لم يحتمل أن يترك كل إنجازاته التعليمية خلفه وما بناه في وطنه ويسلم الروح فجأة عام 1951. وكتبت عنبرة صفحات مضيئة عن تاريخ فلسطين في تلك المرحلة، حيث تقول بأن الاهتمام بالتعليم كان يفوق عند الأمهات ما كانت قد رأته في لبنان، وأن الوعي السياسي بين الفلسطينيين كان أكبر مما يظنه البعض، لكن الاحتلال الإنجليزي لم يكن يسمح للفلسطيني بحمل عصا، وقمعهم كان هائلاً، فيما كان يتم تسليح اليهود بشكل منتظم وكبير.
عشرون سنة قضتها عنبرة في فلسطين كانت ثمرتها كبيرة. هناك ترجمت (الإلياذة) لهوميروس بعد أن اعتبرت أن ترجمة البستاني لها شعراً ونقلها إلى العربية على هذا النحو، لم يجعلها متاحة للقراء ولا في متناولهم، فوضعتها بالعربية نثراً نقلاً عن الإنجليزية، وكتب لها المقدمة طه حسين يومها. وعنبرة مفتونة بالأساطير منذ صغرها، لذا أكملت المهمة وترجمت أيضا (الأوديسة) وأتبعتها بترجمة (الإنيادة). وإذا كان الكتابان الأولان قد ترجما وطبعا في فلسطين فإن الثالث حملته معها إلى لبنان وأكملته بعد النكبة وصدر في بيروت. وبقيت عنبرة شعلة فيها من الثورة الهادئة، وحب التغيير، وبث العلم في من حولها الكثير، حتى وفاتها في بيروت عام 1986.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com