ذاكرة عراقية

 

الفـخ الرئـاسـي للرفاق حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979

عدد المشاهدات   280
تاريخ النشر       08/09/2018 02:41 AM



تاليف / شامل عبد القادر


- كتاب في حلقات -


يَذكر إبراهيم الزبيدي عن بدايات انتماء صدام للبعث: (صدام لم يكن في وارد التفكير بالانتماء إلى الحزب (حزب البعث) قبل 1959. فقد كان لغاية 1958 يضيق بنا، نبيل نجم وعدنان خير الله ونزار الناصري وأنا، حين نتحدث عن الحزب والسياسة وهمومها. وأستطيع أيضا أن أحدد بدقة تاريخ دخوله إليه في أوائل عام 1959، وهو ابن الثالثة والعشرين، نصيرا متدربا. ثم كُلف، حتى قبل أن يصل إلى درجة نصير، بأن يشارك في أخطر عملية مصيرية يقدم عليها الحزب، وهي محاولة اغتيال الحاكم الأوحد عبد الكريم قاسم. وعملية خطيرة من هذا النوع تفترض السرية الكاملة، وأن يكون القائمون بها على درجة عالية جدا من الثقة بالحزب، ومن ثقة الحزب بهم كذلك. وفجأة وجد (النصير المتدرب) صدام التكريتي نفسه بين أعضاء أعلى قيادةٍ حزبية. يجالسهم، يأكل معهم، يقتسم معهم شقة صغيرة، فيسمعهم ويراهم ويتأملهم عن قرب، وقد تحلل الواحد منهم من قناع القيادة وتبسط وتصرف بتلقائية، فظهرت عيوبه الإنسانية، خصوصا حين يكون يافعا لم يتجاوز العشرينات إلا بقليل. في تلك الأيام القليلة، وفي الأيام التي تلت فشل خطة الاغتيال والهرب إلى سورية والإقامة فيها في شقق حزبية مع القياديين أنفسهم الذين عاش معهم أيام التحضير للعملية، ومع قياديين آخرين هربوا خوفا من العقاب، كان طبيعيا أن يتعرف على خلافات وصراعات هؤلاء. هنا أدرك صدام هشاشة أغلب أولئك القادة وانحراف أخلاق بعضهم وجبن البعض الآخر منهم. لكنه أدرك أهمية هذه الرفقة، باعتبارها الفرصة الذهبية الوحيدة التي تنعش احساسه بقيمته وأهميته وبخطأ خاله خير الله طلفاح الذي اعتبره فاشلا لا يصلح لشيء أكثر من الخدمة في منزل الخال، ورعاية النساء في غيابه. لقد حسبها صدام بوضوح: ماذا لو تمكن حزب البعث من أن يقتنص السلطة في العراق؟ إنه بكل تأكيد سيحصل على مركز مرموق في الدولة. وما ضاعف في خياله الأمل أن أعضاء القيادة الذين أصبحوا رفاقه وأصحابه، سيحكمون العراق ذات يوم، الأمر الذي يضمن له مقعدا في الحكومة، وهو أقصى ما يحلم به، بعد أن ترك دراسته ويئس من الحصول على الوظيفة بالطرق الاعتيادية المألوفة. وفي عام 1963 تمكن أعضاء القيادة القطرية الجديدة من اقتناص السلطة. وكان المؤتمر القطري الذي تمخضت عنه هذه القيادة قد أدان محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم في أغسطس (آب) 1960، واعتبرها خرقا لعقيدة الحزب. فلم يجد صدام، العائد من القاهرة في مارس (آذار) 1963، التعويض الذي كان يحلم به من الرفاق الذين يعتبرهم أدنى منه شجاعة، وأقل أحقية في تبوؤ المراكز المهمة في الحزب والسلطة. فقد أهملوه ورفيقه أحمد طه العزوز، إذ تم تعيينهما عضوين في المكتب الفلاحي التابع للحزب، في شقة صغيرة ضيقة في مبنى بسيط مقابل مبنى الإذاعة. وهي وظيفة تافهة وهامشية إلى أقصى حد. وكان صدام يشكو من ذلك ويعلن عداءه للقيادة الجديدة ونقمته عليها.
بسرعة وسهولة أدرك صدام أن أعضاء القيادة الذين اقترب منهم وعرفهم عن كثب، ليسوا أعضاءَ قيادة مثلما كان يظن، بل إنهم في الأغلب مجموعة من الفاشلين في الدراسة، أو المطرودين من المدارس لأسباب مختلفة. وفي ضوء هذا الاكتشاف وجد أن عليه أن ينغمس في هذه الأجواء إلى هامة رأسه. حتى أن جميع المذكرات والكتب والرسائل المنشورة تؤكد أنه كان موجودا وفاعلا في جميع الصراعات، العلنية والمخفية، الشفاهية واليدوية، الصغيرة والكبيرة، على حد سواء، إلى أن انهار الحزب تماما. والمضحك أنه كان مشاركاً في مؤسسات الحرس القومي ولجان تحقيقاته الشهيرة. إلا أنه كان، على الجانب الآخر، يمد جسورا مع خصومه، وفي مقدمتهم ابن عمه أحمد حسن البكر وكتلته من العسكريين التكارتة أمثال رشيد مصلح وطاهر يحيى وحردان التكريتي وحماد شهاب وذياب العلكاوي وغيرهم من الذين أسقطوا الحزب وسلموه لعبد السلام عارف، في ما أطلق عليه البعثيون اسم «ردة تشرين» عام 1963. ويقال إن صدام سافر إلى دمشق لإقناع ميشيل عفلق بحل قيادة فرع بغداد من جماعة الحرس القومي، فلم يتفق عفلق معه في الرأي فقط، بل عينه سكرتيرا ثم أمينا لقيادة قطرية مؤقتة في فبراير (شباط) 1964. وخلال المؤتمر السادس للحزب وقف صدام بقوة ضد علي صالح السعدي والى جانب ميشيل عفلق، الذي أوصى في عام 1964 ـ وربما لهذا السبب ـ بترقيته إلى الدور الأعلى في الحزب. (19) هذا معناه أن عفلق كان في حاجة إلى أي مساند لزعامته. وقد رأى أن الساحة خلت إلى حد كبير من المريدين والأتباع، فرأى في الشيخلي وصدام عكازتيه المناسبتين، مؤقتا على الأقل، في مواجهة المتمردين عليه وعلى مكانته التاريخية. وكالعادة، أخذ كل فريق يغلف نفسه بالشعارات والأفكار والألوان، ليبرر انشقاقه وليقنع نفسه قبل غيره بأنه الأحق في البقاء. فجماعة الحرس القومي، (بقايا أعوان علي صالح السعدي) أسست ما أسمته بالقيادة القطرية لحزب البعث اليساري. في حين أن الفريق المقابل، وهو جناح عفلق (المؤقت) ظهر إلى الوجود بعد تسلل عبد الكريم الشيخلي من سورية إلى العراق في أوائل مايو (ايار) 1964، حاملا معه تفويضا من القيادة القومية (عفلق).
وبناء على اتصالاته تم تشكيل القيادة القطرية من: عبد الكريم الشيخلي ـ أمين سر (قتله صدام فيما بعد) صدام التكريتي حسن العامري (سممه صدام فيما بعد) محمد صبري الحديثي (أعدمه صدام فيما بعد بتهمة التآمر) صفاء الفلكي (هارب حاليا يقيم في هولندا) ثم انيطت بصدام مسؤولية المكتب العسكري المركزي ومكتب بغداد العسكري وجهاز حنين وجهاز الضباط الاحتياط.

يتحدى زعيمه علناً
كانت تلك الفترة من أكثر الفترات التي كنا نلتقي فيها. كان ينتظرني في مكتب الجمعيات الفلاحية إلى أن أنتهي من عملي في الإذاعة ثم نلتقي. فنبقى في الشقة ذاتها ونطلب غداءنا أو عشاءنا أو نذهب إلى أي مكان آخر. كنت أستطيع أن أتدبر له إذنا بدخول الإذاعة لزيارتي وانتظاري إلى ان أنتهي من العمل، لكنه كان يتفادى ذلك، خصوصا أن علي صالح السعدي (أمين سر الحزب ونائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام) كان يتردد أحيانا على الإذاعة، وصدام لا يريد أن يلتقي به. وقد حضرت ذات مرة لقاء ساخنا بينهما بالصدفة. ففي حفل كان مقاما في قاعة الخلد ببغداد برعاية السعدي، كنت المذيع المكلف بنقل فقراته إذاعيا وتلفزيونيا وعريفه أيضا. وبعد أن قدمت مطربا، توقعت أن لا ينتهي قبل ساعة على أقل تقدير، أردت أن أستريح وأن أتمشى قليلا في حدائق القاعة. فوجئت بصدام وأحمد طه العزوز يقفان على جانب سلم مدخل القاعة، يتسكعان ويتفرجان على الداخلين والخارجين. وقفت أسلم عليهما وأتبادل معهما الحديث، فإذا بعلي صالح السعدي يخرج من القاعة في تلك اللحظة مغادرا قبل انتهاء الحفل الذي يرعاه. وحين شاهدنا استدار واقترب منا مؤنبا ومعنفا ومتهما إيانا بقلة الأدب والتحرش بالنساء. أما أنا فقد اعتذرت منه، وهممت بالعودة الى داخل القاعة. أما صدام فقد تصدى بهدوء بالغ لأمين عام حزبه علي السعدي وفاجأه متحديا: إذا لم تخرس وتنقلع من هنا فسوف أهينك على مرأىً من حراسك وبقية الناس. صمت علي بضع ثوان أظنه حسبها مع نفسه ففضل تلافي الفضيحة، ثم استدار وغادر المكان دون كلام. بعدها عاتبت صدام لأنه أشركني في موقف التحدي والمشاكسة وعرضني للفصل من وظيفتي. فرد علي ساخرا مني ومن القادة (الجبناء) الذين أخشى أذاهم. وكان لا يتوقف عن السخرية من علي السعدي ومن أعضاء آخرين في القيادة وينعتهم بالجبن والنفاق. لذلك كان طبيعيا ومنطقيا أن ينخرط صدام، وعلى الفور، في أي عمل ينال من تلك القيادة. وقد شارك بفاعلية وحماس في الانقلاب الذي ما زال البعثيون يعتبرونه عملا خيانيا ويطلقون عليه اسم (ردة تشرين)، الذي قام به عبد السلام عارف والعسكريون البعثيون طاهر يحيى ورشيد مصلح واحمد حسن البكر وحردان التكريتي ضد قيادة الحزب والحرس القومي)!
ويقول الزبيدي: (بلغ الصراع درجة عالية من التوتر، وبدأت عناصر حزبية وعسكرية تتسلل ليلا إلى القصر الجمهوري للاجتماع بالبكر وعارف وطاهر يحيى وتنقل لهم ما كان يدور في الاجتماعات والمؤتمرات الحزبية وما تطالب به قواعد الحزب وقياداته الدنيا. وكان في رأس هؤلاء المخبرين صدام حسين التكريتي وطه العزوز وطارق عزيز وحسن الحاج ودّاي العطية وآخرون. في يوم 15 اكتوبر (تشرين الأول) عام 1963 تم اعتقال أعضاء المكتب الفلاحي وصدام أحدهم ـ كما أسلفت ـ باعتبارهم أعداء الحرس القومي. وبعد ثلاثة أيام، عينه حردان التكريتي مشرفا سياسيا على الإذاعة، كما عين ابن خاله عدنان خير الله طلفاح آمراً لقوة حماية الإذاعة.
وبعد أن سيطرت قوات الانقلابيين على دار الإذاعة بدأ صدام التكريتي وطارق عزيز يوجهان البرامج ويذيعان النداءات باسم القيادة القومية مطالبين البعثيين بالكف عن المقاومة، والتعاون مع الحكم الجديد. كان يزورني هو وعدنان خيرالله في غرفة المذيعين يوميا ويقضيان معنا ساعات تعرفا خلالها على بعض المذيعين وعلى أسلوب عملهم. وكان صدام يتطوع فيطلب الطعام للموجودين من مطعم قريب من الإذاعة. إلا أنه لم يمكث طويلا في الإذاعة. فجأة غاب هو وانقطع عدنان عن الزيارة اليومية للمذيعين. علمنا بعد ذلك بأن عبد السلام عارف قد انقلب على حردان وأحمد حسن البكر وطردهما من السلطة، الأمر الذي لم يترك لصدام خياراً سوى الهرب والاختفاء. أما عدنان فقد نقل إلى موقع آخر) !!
ان سيرة صدام حسين في الحكم ونهايته تلك النهاية المخزية معتقلا من القوات الامريكية من دون ان يقاتل الغزاة ولا ان يتصدى للذين اقتحموا عليه الحفرة لا مثيل لها بين الزعماء العرب أو زعماء العالم سواء من ناحية المصير!
ان نقدا كبيرا وشديدا وجه لصدام على تراخيه في مواجهة القوات الغازية وأكدوا في تصريحات بمناسبة مرور أربع سنوات عند جامع ام الطبول وتركه الدبابات الغازية تدخل بغداد دون ان يقاومها او في الاقل يقتل شهيدا وهو يدمر دبابة واحدة لكنه فضل مع رجال حمايته الهروب والتنكر والتنقل من مخبأ الى اخر!
اشار اغلب الخبراء العالميين أن شخصية صدام الاستبدادية كانت الذريعة الرئيسية لاحتلال العراق وانها دفعت باتجاه معاكس حيث تكونت جبال هائلة بمرور السنوات من الكراهية والقرف والضجر من حكمه شخصيا ومن سلوك عدي وافراد حمايته وابناء عشيرته!
ووصف الدكتور وحيد عبدالمجيد نائب مدير مركز الدراسات السياسية بالأهرام صدام حسين بأنه حالة خاصة جداً، وربما لا تكون قابلة للتكرار فهو شخصية «بلطجي» انتقل من البلطجة الشخصية في شوارع بغداد إلى البلطلجة السياسية، ثم إلى إخضاع دولة بأكملها لسياسة البلطجة. وأشار عبدالمجيد إلى أن أول عمل قام به صدام في حزب البعث كان القيام بدور «البودي جارد» لبعض قادة الحزب لحمايتهم. وقال إن صدام عندما انتقل في حزب البعث من دور «البودي جارد» إلى دور السياسي، ظلت عقليته كما هي، حتى عند توليه الرئاسة، حيث أطاح بالرئيس السابق أحمد حسن البكر الذي فتح له الطريق وعينه نائبا له، كما أنه كان يتصرف حتى آخر لحظة من حياته بذهنية البلطجي. وذكر عبدالمجيد أنه عندما تولى الرئاسة قتل نحو مائة "تصحيح: اعدم 33 قائدا حزبيا وسجن 22 اخرين مات قسم منهم نتيجة التعذيب في السجن/ المؤلف" من كبار قادة الدولة، في مذبحة تشبه مذبحة القلعة التي نفذها محمد علي باشا، حيث عقد لهم اجتماعا ووجه لهم اتهامات بالخيانة أثناء هذا الاجتماع وقام بتنفيذ الحكم في الجلسة نفسها.
وقال الدكتور رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات السياسية إن صدام حسين ليس له مثيل في العالم العربي سواء من ناحية شخصيته الاستبدادية أو تاريخه وصعوده السياسي ثم طريقة موته. وأضاف أن الحكم على صدام ينقسم إلى جزءين الأول: فترة حكمه للعراق حيث كان استبداديا ومغامراً فأورد الشعب العراقي مورد التهلكة ومنها حربه مع إيران التي كانت بلا مبرر وتهجيره لـ٤ ملايين عراقي خارج بلادهم وقتله للمعارضين السياسيين لحكمه. وأشار إلى أن الجزء الثاني من حياة صدام، يبدأ بعد وقوعه في الأسر ومحاكمة الاحتلال له، حيث تحول صدام إلى بطل شعبي في نظر كثير من العرب ورأى البعض أن وقوعه في الأسر يمحو ما حدث منه قبل ذلك، من استبداد برغم أن الاستبداد هو نتيجة طبيعية للاستبداد وبالتالي لا يوجد مثيل لصدام.
أما هاني رسلان الخبير الاستراتيجي بالأهرام فقال إن شخصية صدام حسين شخصية متفردة سواء من ناحية قدراته الزعامية أو السياسية فهو جزء من النسيج العراقي من ناحية قوة العزم وصلابة الإرادة. وأشار إلى أن هذا لا ينفي أن صدام ارتكب أخطاء كارثية في التقدير السياسي وبشكل خاص في غزوه للكويت حيث إن صدام تلبسته شخصية أحد الزعماء العراقيين التاريخيين القدامى هو «نبوخذ نصر» ويبدو أن هذا الإحساس الذي تملكه كان أحد الدوافع غير الظاهرة لخطئه الكارثي.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com