ثقافة

 

نازك الملائكة.. الصوت الشعري الأعمق في العصر الحديث

عدد المشاهدات   96
تاريخ النشر       11/09/2018 11:39 PM


شكيب كاظم

مثلتِ الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة ظاهرة نوعية شاخصة في الشعرية العراقية الحديثة، من خلال ابتكارها للون جديد في الكتابة الشعرية، إذ رأى الكثير من الشعراء في الوزن قيدا يحد من حرية الشاعر وإمكاناته، فضلا على قيد القافية الواحدة، لذا لجأ العديد منهم على طرح هذا التقييد، مجترحين لونا جديدا في الكتابة الشعرية. تتيح للشاعر حرية أوسع في الانتقال بين البحور، وفي تنويع القافية، وإذا كانت نازك في قصيدتها الأولى التي اسمتها «الكوليرا» تعرف أنها تجترح جديدا، وتقدم ابتكارا في الشعر، وقد نظمتها بتأريخ 27/10/1947 ونشرتها في ديوانها الثاني الموسوم بـ»شظايا ورماد» واصفة فيها مشاعرها إزاء نكبة مصر بتفشي مرض الهيضة ـ الكوليرا وقد حاولت ـ كما تقول ـ في كتابها النقدي «قضايا الشعر المعاصر» الصادر عام 1962 إنها حاولت في قصيدتها «الكولــــيرا» التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر، وقد ساقتــــني ضرورة التعبير إلى اكتشاف الشعر، هذا التبشـــير الذي ستتراجع عنه نازك بعد نحو عشرين سنة، في مقـــــدمة ديـــوانها «شجرة القمر» الصادر عام 1968 وإذ أحدثت هذه القصيدة دويا هائلا فقــــد عز على بدر شاكر السياب أن لا يكون السباق إلى اجتراح هذا اللون الجديد، وقد كتب قصيدته «هل كان حبا؟» نشــرها في ديوانه الثاني «أزهار ذابلة»، ومن الملاحظ أن كليهما نشرا ديوانيهما الأولين على نمط الشعر العمودي العربي، إذ كان ديوان نازك «عاشقة الليل» 1947 وكذلك السياب في ديوانه «أساطير» لكنهما غايراه في الديوان الثاني ليضمناه أولى قصائدهما على اللون الجديد.

النشأة
لقد نشأت نازك في أسرة تحب الأدب والعلم، فأبوها صادق الملائكة كان محبا للأدب والثقافة، ومدرسا للغة العربية وقد وضع بين يديها أمهات الكتب التراثية. فنهلت منها حتى أنها اكملت قراءة كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ في ثمانية أيام، كما قرأت «شذور الذهب في النحو» و»خزانة الأدب» للبغدادي، و»شرح الجرجاوي على ألفية ابن مالك»، فضلا على شروح ابن قطة العدوي. كما قرأت للمحدثين: الألوسي وزكي مبارك وخاصة مقالاته التي جمعها في كتاب «جناية أحمد امين على الأدب العربي» وكتب طه حسين وديوان «الملاح التائه» للشاعر المصري علي محمود طه/فضلا على شعراء العراق، كل هذا الخزين المعرفي، إضافة إلى موهبة الشعر، كل هذا جعلها تجلب انتباه زميلاتها من الطالبات في المدرسة، حتى أطلق عليها لقب الشاعرة مع أنها تنأى بنفسها عن هذا الوصف. لما جبلت عليه من خجل وحب للعزلة والتأمل. وفدت نازك على الدنيا يوم 23 أغسطس/آب 1923، والتي شاء جدها ان يطلق عليها اسم (نازك) تيمنا بالثائرة السورية ضد الاحتلال الفرنسي (نازك العابد). وإذ أكملت نازك دراستها الثانوية كانت من الطالبات الدرعميات، والمقصود بالدرعميات طلبة دار المعلمين العالية. فتخرجت فيها عام 1944 بدرجة امتياز، وهي المرة الأولى التي تمنحها الدار، ثم ما لبثت أن حصلت على منحة دراسية لدراسة الأدب المقارن في جامعة وسكونسن الأمريكية. وإذ تنهي دراستها تعود إلى العراق لتعين مدرسة في كلية التربية عام 1957، ومن ثم اقترنت بعبد الهادي محبوبة وكان لهما فضل تأسيس جامعة البصرة خلال عام 1964 ـ 1965.

المرأة والثقافة
وتظل المرأة امرأة مع أن هذه الامرأة نازك الشاعرة الباحثة الأكاديمية، تظل امرأة تكره أن يسرق الأوراق والحبر منها زوجها، فها هي تعاتبه في قصيدتها «مشغول في آذار» ينام الورد أو يصحو/ ويبسم في المدى ليل ند أو ينتشي صبح/ سواء ذاك أو هذا. حبيبي. أنت مشغول/ سدى مني أوتار تصلي أو تراتيل/ على مكتبك البارد تنكب بلا أحلام/ وتسرق روحك الأرقام (…) سواء أنت مشغول/ بأوراقك والحب على المكتب مقتول/ ألا فلتسقط الأوراق والأقلام.

الإنتاج والقيمة
كانت نازك مقلة في نتاجها الإبداعي والنقدي، قياسا بعمرها الكتابي الذي زاد على نصف قرن ــ منذ بداية الأربعينيات ــ وكذلك عمرها الحياتي 23/8/1923 ــ 20/6/ 2007، ولكن هذا القلة كانت عالية القيمة المعرفية والفنية، ما أكسبها شهرة مدوية وسيتحول هذا الدوي إلى خلود يبقيها في أذهان الدارسين والباحثين والقراء، فقد قدمت دواوين قليلة هي، «عاشقة الليل» 1947، «شظايا ورماد» 1949، «قرارة الموجة» 1957، «شجرة القمر» 1968، «مأساة الحياة وأغنية الإنسان» 1970 ـ وهي مطولة شعرية كانت متأثرة في نسج وشيها بالشعراء الإنكليز وفلسفة شوبنهاور التشاؤمية التي صبها في كتابه المدوي «سقوط الغرب» ـ «يغير ألوانه البحر» 1977، و»للصلاة والشعر» 1997، فضلا على مجموعة قصصية واحدة نشرتها في القاهرة عام 1977 عنوانها «الشمس التي وراء القمة» ويظل كتابها «قضايا الشعر المعاصر» 1962 علامة شاخصة في الجهد البحثي والتنظيري لنازك أردفته بعد ثلاثين سنة بكتابها النقدي التنظيري الموسوم بـ «سايكولوجية الشعر ومقالات أخرى» الذي صدر عن دار الشؤون العامة في بغداد عام 1993، كذلك كتابها النقدي الذي درست فيه الشاعر المصري علي محمود طه واسمته «الصومعة والشرفة الحمراء» صدر عام 1965 في القاهرة، والذي يمثل سلسلة المحاضرات التي ألقتها على طلبة معهد الدراسات العالي في القاهرة. وما زالت في الذاكرة الندوة الاحتفائية التي أقامتها دار الشؤون الثقافية العامة عام 1994. لدراسة شعرها ومنجزها المعرفي، فضلا على كتاب احتفائي أصدرته عنها جامعة الكويت عرفانا بفضلها في التدريس في أروقتها.

الرحيل
غادرت نازك العراق بعد أحداث عام 1991 إلى القاهرة مع زوجها الباحث عبد الهادي محبوبة، وابنهما الوحيد الطبيب (البراق) لتحيا هواجس كابوسية أضنت الروح والجسد زادتها وطأة وقسوة رحيل الزوج، حتى صعدت روحها يوم الاربعاء 20/6/2007 ودفنت في مقابر 6 اكتوبر في ضواحي القاهرة وعدد المشيعين لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وهكذا يمضي الإبداع غريبا متوحدا متغربا ومغتربا.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com