ملفات وقضايا

 

الموقف الأميركي من الأحزاب القومية في العراق 1963-1969 ما سبب رفض مجلس الامن القومي فكرة دعوة عبدالرحمن عارف لزيارة أميركا؟

عدد المشاهدات   209
تاريخ النشر       12/09/2018 08:58 PM


د. بريان روبرت جبسون          ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 

 

أكّد والت روستاو، مستشار جونسون للأمن القومي، إن هذا المقترح، على الرغم من كونه "غير معتاد نوعاً ما"، يبرر إجراء "دراسة جادة". وبالاستناد إلى الحجة التي قدمها روسك، عمد روستاو إلى تذكير الرئيس جونسون ان أهداف السياسة الأمريكية حيال الشرق الأوسط تتمثل في "تشجيع الحكومات على شاكلة حكومة عارف ان تواصل سيرها قدما في طريقها الخاص- وان لا تنخرط أكثر في الحركات القومية العربية الراديكالية التي تسبب (لها) و(لإسرائيل) الكثير من المشكلات". وقال ان مجلس الأمن القومي كان قد تدارس دعوة عارف إلى واشنطن في زيارة رسمية، لكن المجلس رفض الفكرة بسبب قبضته الواهنة على السلطة. وعلى الرغم من ذلك، فحقيقة ان عارفاً كان يُرسل وفداً يوحي بأنه كان "يمد يده للصداقة" ويرغب "بتعزيز علاقته" مع جونسون، وهو الأمر "المشجع على نحوٍ غير متوقع" وقد إتفق البيت الأبيض مع هذا الرأي وقام جونسون بلقاء الجنرالات الخمسة والسفير العراقي لدى واشنطن، ناصر الحاني، في الخامس والعشرين من كانون الثاني، حيث قدم هدية ورسالة شخصية من عارف تنقل "رغبته ببناء علاقة أوثق بين الحكومتين".ويتضح من هذه السلسلة من تبادل المبادرات بين البلدين أنه للفترة ما بين منتصف 1966 وحزيران 1967 أسست إدارة جونسون علاقة ودية مع عارف، الذي كانت الإدارة الأمريكية تنظر إليه بوصفه معادياً للشيوعية، وبوصفه وطنياً عراقياً، وواحداً من قوى الاعتدال القليلة في بلده. ولسوء الحظ، كان عارف ضعيفاً سياسياً وكان يدين بالعرفان على نحوٍ متزايد للميول الأكثر تشدداً للعناصر المتنفذة في الجيش العراقي. وكان هذا الأمر جلياً في إزاحته للبزاز عن رئاسة الوزراء في عام 1966. غير ان ضعف عارف كان واضحاً أيضاً في رد فعله على إندلاع الحرب بين إسرائيل والدول العربية المحيطة بها مصر وسوريا والاردن في حزيران من عام 1967.
حين إندلعت حرب الأيام الستة في الخامس من حزيران، لم تكن الحكومة العراقية قادرة على مساعدة الدول العربية المحيطة بإسرائيل لثلاثة أسباب. يتمثل السبب الأول في الهزيمة السريعة التي أنزلتها إسرائيل بدول المحيطة بها - حيث كانت الفرقة العراقية المدرعة الثالثة ترابط هناك- الأمر الذي كان يعني إن الحرب كانت قد إنتهت فعلياً في وقت لم يتمكن فيه العراق من تحشيد قواته. وثانياً، كانت معنويات الجيش العراقي متدنية أصلاً عقب هزيمتهم في معركة حمرين في ايار من عام 1966. وأخيراً، كانت الحكومة العراقية حذرة من نقل قواتها من كردستان.
وكان الانتصار الإسرائيلي السريع، وتدني معنويات الجيش العراقي، والتهديد الكردي تعني ان مشاركة العراق في حرب الأيام الستة كانت متواضعة، واقتصرت في الغالب على العمليات الجوية.
على أية حال، كان رد الفعل العراقي على الدعم الأمريكي لإسرائيل أكثر حدة بكثير؛ ففي السابع من حزيران، أبلغ وزير الخارجية العراقي السفارة الأمريكية بأن العراق قطع علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية "لمساعدتها الجوية المزعومة فضلاً عن تقديمها لمساعدات أخرى لإسرائيل". وقد أعطى العراق للقائم بالاعمال الأمريكي اينوج دانكان المسؤول عن إدارة السفارة أثناء فترة الاجازة التي كان السفير يتمتع بها في ذلك الوقت، وكادر السفارة "فترة معقولة" تمتد لخمسة أيام لأنهاء شؤونهم، وجمع متعلقاتهم، ومغادرة البلاد إلى إيران على ما يُفترض. وثمة إجراءات أُخرى إتخذها العراق بوصفها جزءاً من قراره بقطع العلاقات تضمنت تعليق الشحنات النفطية، ورفض الطلب الأمريكي بالحصول على رخصة بالرحلات الجوية، ومقاطعة البضائع الأمريكية. وقبل مغادرته بغداد في العاشر من حزيران، تمكن دانكان من إرسال برقية إلى واشنطن تورد ان المعتدلين، الذين كانوا في بادئ الأمر "في مركز السلطة" قد همشت دورهم العناصر الراديكالية، الأمر الذي أرغم الحكومة على تقديم تنازلات "للمتطرفين باسم الوحدة الوطنية، على شاكلة إطلاق سراح متآمرين سيي السمعة"، بما فيهم عارف عبد الرزاق. وبينما إختطف الراديكاليون نظام عارف المعتدل، فما من شك إن حرب إسرائيل الاستباقية قد دمرت العلاقة الأمريكية- العراقية الناشئة.
عقب قطع العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، إتفقت أمريكا والعراق على إقامة "شعبتين لرعاية المصالح" في عاصمتي كلتا الدولتين، حيث عهدت الولايات المتحدة الأمريكية بإدارة مصالحها إلى بلجيكا وعلى نحوٍ مشابه، أناط العراق بالهند تمثيل مصالحه في واشنطن. وفي بادىء الأمر، أرادت الولايات المتحدة الأمريكية إرسال عدة ضباط إلى بغداد، غير ان العراقيين إعترضوا على العدد حيث فضلوا إرسال ضابط واحد صغير المستوى ومساعد إداري فقط. وكان من الصعوبة بمكان الدفاع عن هذا الاجراء ولذا قررت وزارة الخارجية الأمريكية عدم إرسال ممثل لها بالمرة، وفضلت بدلاً من ذلك العمل مع البلجيكيين الذين آلت إليهم مسؤولية الاشراف على الموظفين المحليين من كادر السفارة الأمريكية. ومنذ تلك الفترة حتى مطلع عام 1972، أصبحت الاتصالات بين المسؤولين الأمريكيين والعراقيين نادرة. ما من ثمة شك أنه في الفترة التي سبقت حرب الأيام الستة كانت العلاقات الأمريكية- العراقية قد شهدت فترة من النمو غير المسبوق.
 وقد أوضحت المبادلات الاعتيادية والودية بين عارف وجونسون واستقبال الجنرالات العراقيين في واشنطن ان كلا الجانبين كانا مهتمين بتحسين العلاقات. غير ان قطع العلاقات في أعقاب الحرب دمر أية فرصة لتحقيق المزيد من التحسن وأضعف النظام العارفي، الذي سينهار قريباً.لما تبقى من فترة رئاسة جونسون، كان يبدو ان إدارته تقفز من أزمة لأخرى، وكلها بما فيها حرب فيتنام- ولاسيما بعد هجوم تيت في كانون الثاني من عام 1968- تتطلب ان يوليها إهتماماً متساوياً. وفي نهاية المطاف سيُفضي ذلك إلى إصدار جونسون لقراره بعدم السعي لترشيح نفسه مجدداً. غير أنه في كانون الثاني من عام 1968، تماماً حين كانت إدارته تستكمل إستعراضاً لسياستها في الشرق الأدنى، صعقت الحكومة البريطانية الولايات المتحدة الأمريكية حين أعلنت عن نيتها بسحب قواتها العسكرية من "شرق السويس" بحلول نهاية عام 1971، بما فيها قواتها في الخليج. وبينما كان القرار البريطاني محل نقاش داخلي لسنوات، كانت الحوافز على إنخاذ هذا القرار ناجمة عن الصعوبات المالية عقب إغلاق مصر لقناة السويس بعد حرب الأيام الستة، والانخفاض اللاحق في قيمة الجنيه الاسترليني في شهر تشرين الثاني، والمضاربة بالعملة التي أعقبت ذلك.
وكما لاحظ ديفيد مككورت، فثمة عامل أخير "فبحلول عام 1968...
 كان من الواضح أنه لم يعد من مصلحة بريطانيا الانفاق على جهد كهذا- مادياً ومالياً- في منطقة لا يتعرض أمنها الحالي فيها للخطر. وإيجازاً، لم تعد بريطانيا تتحمل تكاليف الاشراف على إمبراطوريتها. غير أنه في أعقاب القرار البريطاني، إتخذ الاتحاد السوفيتي سلسلة من الخطوات لتحسين علاقاته مع العراق، وهي خطوات أعقبت فوراً الاطاحة بالنظام العارفي في تموز من عام 1968. وكل هذه الأحداث مجتمعة أوضحت ان إدارة جونسون لم يكن لها فعلياً القدرة على التأثير بسلسلة الأزمات التي عصفت بالمنطقة.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com