ذاكرة عراقية

 

حِكم الزعماء ودرايتهم

عدد المشاهدات   252
تاريخ النشر       12/09/2018 09:13 PM


مثنى محمد سعيد الجبوري

في مُنتصف العشرينات من القرن الماضي اجتاحت العاصمة (بغداد) مظاهرات تسيدها طلبة المدارس الثانوية وتلاحم معهم بقية شرائح المجتمع منددين بزيارة قام بها اللورد (موند) لبغداد والسبب في استنكار المتظاهرين لتلك الزيارة كون المومأ إليه داعية (صهيوني) ومن الداعمين لإقامة (وطن) لهم في فلسطين العربية خلافا لكل الأعراف والقيم التي تحكم أمثال هذه القرارات ولعلها المرة الأولى التي يتخذ فيه مثل هذا القرار الذي يسمح لأقلية للسيطرة على ارض غالبية سكانها من العرب وهذه هي إرادة الدول الكبرى التي تتحكم بالقرار في المجتمعات الدولية ويكون لها الصوت المهيمن على اتخاذ القرار الذي يتلاءم وحساباتها ومصالحها. نعود.. إلى مسار الأحداث، حصلت اصطدامات بين المتظاهرين وقوات الأمن التي وقفت حاجزا دون السماح للمتظاهرين بالتوجه الى المطار المدني (المثنى) لاحقا لتسجيل احتجاجهم على تلك الزيارة ورفضهم لها، وتوخيا من النتائج التي قد يسفر عنها اختراق المتظاهرين لحاجز القوات الأمنية ووصولهم الى المطار، عمدت السلطات الى تغيير مسار سيارة (اللورد) المذكور لتلافي ما قد يحصل من نتائج لو استمر في مسيره عبر الطريق المعتاد لدخول العاصمة عند مغادرة المطار.. كان من نتائج المظاهرات التي انطلقت من المدارس فصل عدد من قادة تلك المظاهرات عن الدراسة لمدة شهر.. استدعى رئيس الوزراء المرحوم الفريق جعفر العسكري الناشطين من الطلبة الذين كان لهم دورهم في قيادة تلك المظاهرات من الذين شملهم الفصل والتي ضمت كلا من (حسين جميل، فائق السامرائي، عبد القادر إسماعيل) وآخرين غيرهم.. بدأ رئيس الوزراء بتقديم النصح للطلبة وحاول إفهامهم ان السياسة ومفاهيمها لها حساباتها وقد تتقاطع أحيانا مع المشاعر التي يحملها المواطن.. كانت اللغة التي يتكلم بها المرحوم العسكري لا تلقى الصدى المطلوب لدى الطلبة وهو أمر طبيعي إذ تصدى المرحوم فائق السامرائي لرئيس الوزراء مقاطعا ومخاطبا له.. (أنتم عملاء الاستعمار.. أنتم أذنابه.. أنتم مطايا للأجنبي.. الخ) كان رئيس الوزراء يصغي الى السامرائي بهدوء وشبح ابتسامة تطفو على وجهه لحين انتهاء المرحوم فائق السامرائي من إطلاق نعوته، وما أن انتهى من ذلك حتى تكلم المرحوم جعفر العسكري معقبا على هجوم السامرائي قائلا: (لكّ فايق شتريد تلغّي.. الغّي.. وكل من يكلك أني أوقفك واجعل منك زعيم براسي لتصدك؟!.) لاحظ عزيزي القارئ مدى الدهاء الذي ظهر عليه المرحوم جعفر العسكري.. لم ينفعل لهجوم السامرائي بل تقبلها برحابة صدر وقدر انها تصدر عن مشاعر صادقة من طالب بعمر أولاده برغم أنها تتقاطع مع توجهات الدولة التي لها حساباتها بهذا المجال.. إنها المواصفات المطلوب توفرها لدى المسؤولين والموازنة المطلوبة بين ما تتطلبه سياسة الدولة ومشاعر الشارع التي تتقاطع أحيانا مع تلك التوجهات.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com