ثقافة

 

وجع الاغتراب الداخلي في «فجر النهايات» للعراقي أوس حسن

عدد المشاهدات   122
تاريخ النشر       12/09/2018 09:24 PM



وجدان عبد العزيز

حملَ ديوان «فجر النهايات» وجعا وفقدانات ورحيلا وغيابات متعددة، إنها رحلة كلمات مضنية، حملت ذاتا محترقة بأتون الحرب، غير أن الشاعر أوس حسن سمّى ديوانه «فجر النهايات»، وهذا دلَّ دلالة واضحة، على إنه يعيش الأمل في انبلاج فجر النهايات والتخلص من الأوجاع المزمنة التي يعانيها، لذا كان مسكونا بـ«هي»، التي مثلت حضورا في كل شاردة وواردة في الديوان، فكان حضور القصيدة، ولا سيما قصيدة النثر، التي أعطت الحرية الكافية للشاعر أن يُعبر عن أفكاره ورؤيته، حيث تكون اللغة في نصوص قصيدة النثر، ذات توهج، أي أنها متحفزة، تحمل قدرا من المراوغة والحركة، ولا تخضع للممكن والمدرك؛ لذا كانت اللغة في هذا الديوان منفتحة على التأويل، تتعدى مدلولها المعجمي إلى فضاءات وعوالم خاصة بها، فـ»اللغة في النص الشعري الحديث حساسية متجاوزة تلعب بالعناصر، وفضاءٌ غريب ينتج بعثا وانبثاقا وإشعاعا وفيضا من أعماق الداخل ومغاراته وتضاريسه، وإيقاظا مفاجئا لمكنونات المفردة وحيواتها الكامنة والثاوية في الاعماق وتحريرها من هيمنة ذاتها» («عضوية الأداة الشعرية» محمد صابر عبيد). وأجد أن الشاعر أوس لم يكتف بقصيدة النثر رهانا على امتلاك حرية التعبير، بل راح يرتكن إلى النص المفتوح في معانيه الثلاثة: الأول يتعلق بجعل النصوص ليس لها نهاية محددة، والثاني عدم الارتكان إلى محددات الشعر أو محددات السرد، أي جعل نصه خارج الأجناسية الأدبية، والثالث يتعلق بانفتاح النص، حيث إن المتلقي يكون منفتحا على آفاق مختلفة من الثقافات، فالنص المفتوح يخرج من ربقة شروط الكتابة، محاولا خلق شبكة من الشيفرات، وبالتالي يقوم المتلقي بمحاولة فكّها، أي أن النص المفتوح ينطلق من أرض الشعر إلى الأجناس الأخرى، فهل نجح الشاعر أوس؟ وأظن أنه حاول الاقتراب من كافة الأجناس الأدبية، وأجزم أيضا أنه وقع في اضطراب الإمساك بعصا الثبات، فهو قلق لهذا السبب، والسبب الآخر ما يحمله من أوجاع الحرب ، لولا أنه مسكون بتلك الحبيبة التي تعتبر دالة من دلالات الحب والحياة وأمل البقاء، وقد نستطيع القول إن الكاتب حين تنفتح عوالمه وهو رهن حالة إبداعية على كافة الفضاءات، ليستقبل ويتفاعل فالناتج نص مفتوح، فالنص المفتوح حوار ينطلق صوب المتلقي .. وفي رؤيته الخاصة يقول: «وما بين الموت والولادة تلوح لك القصيدة من بعيد كطائر ذهبي يبتلع الشمس ويطوي السماء بجناحيه. القصيدة هي الحلم الأزلي والأبدي، الذي سيسطر المعنى العميق والجوهري لكل تفاصيل الحياة وجوهر الأشياء الغامضة. القصيدة هي وجود آخر تتشظى فيه الأزمنة والأمكنة. القصيدة هي تراتيل الحقيقة والجمال)، هذا النص يعكس محاولات الشاعر في تجاوز منطقة الشعر والعبور إلى ضفاف متعددة، كأن تكون أزمنة مختلفة وأمكنة متعددة.. وكما قلت كان مسكونا بالوجع وبـ»هي»، يقول في نصه «سنابل الوجع»:
كنهرٍ يغسل مراياه في هدأة الليل المرصع بالنجوم
عادت وحيدة بلا حب
وظل الشاعر أوس يعصر خمر الكلمات، وهو مسكون بالتي (تحصد سنابل الوجع من أرض الحقيقة)، وقد ورد في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة، وهو أقدم كتاب حول المرأة ما يلي: «المرأة زينة الدنيا وفتنتها، ونضارة الحياة وبهجتها، وانتعاش الرغبة واخضرارها، ولولاها لعمت الرتابة والبلادة، وأمست الحياة جدباء موحشة، هي مبتدى الخلق ورحمه، إذ الخلق هو انفراج المادة، ونكاح الطبيعة، وامتزاج العناصر، وافتضاض الأسرار، وافتراع الأبكار)، لكن الشاعر أوس اعتبر المرأة جزءا من ذاته، أي أنها لوحة أخرى، غير لوحة الأنثى كما هي، لذا يخاطبها قائلا :
(بالامس قالت.. وهي تسكب حليبا من إبريق القمر
والأسطورة تلمع في أحلامها كشهوة الضوءِ في آخر السحر
متى ستأتي؟ متى سيبحر الوعد في عينيك؟
والظاهر أن الوجع والحزن خيط يربط ذات الشاعر بـ(هي) من خلال الكتابة، «وما زالت للبحر رائحة الغمام؟»، فهي (لوحة من غبار الأمس…/ تنتظر الوعد وراية الشمس)، هذا الانتظار له علاقة بفجر النهايات، الذي يرتقبه الشاعر، فكانت نصوصه تحمل عدة معان بلغة متوهجة، خرجت من جلباب قاموسها المتواضع عليه، وانفتحت على فضاءات متعددة، ففي قصيدته «اصوات» كانت تحاصر الشاعر أصوات مختلفة كل صوت له مخرجات ومن بين هذه الأصوات: «صوت للضباب/صوت للغياب/صوت للعتمة/وصوت للنور»، ثم يقول: «في صدري صوت لجميع جراح الأرض/سلالة وجع تبكي قصيدة»، هذه الاختلاجات والانفعالات وحالات الرفض والقبول، التي عاش الشاعر أوس وهجها، دلته على طريق القصيدة، لكن أي قصيدة، قصيدة الفضاء المفتوح، مستوعبا فيها صوت الأزمنة الأخرى، حتى يصل إلى حالة العشق التليد، حينما خاطبها في قصيدة «رؤيا»:
«أنتِ زهرة في بستان حزني وفي غربة ليلٍ يهوى السفر…
 إذن المرأة في رؤية الشاعر ليست عشقا ولا جمالا أنثويا فقط، بل هي قضية حضارة وقضية شعب، وقد تتكامل رؤية الشاعر أوس حسن في نصه الأخير «رسالة أخيرة»، حيث يقول في جزء من النص: «عندما تتصارع حقائق الكون في صمتك الداخلي ولا يشعر بانكسارك إلا الله، عندما تبكي شمس النهار على رحيلك، وهي تذوب خلف التلال مخلفة وراءها ذكرى صمتك الجميل، وعندما ينبت صمتك وردة بيضاء في الأبدية.. سأكتب إليك أيها الغريب.. سأكتب إليك من زمن القبح والرداءة.. سأكتب إليك من عتمة عالمنا الكئيب.. سأكتب إليك أيها المنسي خلف جدران الظلام.. سأكتب إليك فأنت الأسطورة الموعودة بعد حين». فالحصيلة الناتجة من رحلة أوس حسن الشعرية، هي الكتابة البلسم الوحيد لجراحات الذات من ويلات الحروب وما تسببه من أوجاع وأحزان، فالشاعر كتب نصا شعريا، ينفتح أحيانا على آفاق الكتابة الأخرى.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com