ملفات وقضايا

 

العلاقات العراقية ــ الأميركية في عهد عبدالكريم قاسم كيف عرفت وكالة المخابرات المركزية أن عناصر قومية داخل العراق كانت على اتصال بعبد الناصر ؟

عدد المشاهدات   1472
تاريخ النشر       08/10/2018 10:11 PM


د. بريان روبرت جبسون          ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


في الثالث عشر من تشرين الأول، أرسل ممثل وكالة المخابرات المركزية في اللجنة الخاصة بالعراق مذكرة إلى جونز يوجز فيها خطط الطوارئ الخاصة بالوكالة المتعلقة بالعراق. وقد توقعت وكالة المخابرات المركزية حصول سيناريو متعب. وبينما كان قاسم "يطبق إجراء يرمي إلى السيطرة على أنشطة شيوعية"، فأن الاعدامات التي جرت في العشرين من ايلول "تسببت بصدع لا يُمكن إصلاحه بين قاسم والعناصر القومية ضمن البلاد". وكان ثمة "احتمال قوي" بأن النظام سيشرع بحملة ضارية على القوميين، من المحتمل ان تفضي إلى محاولة يائسة أخرى للإطاحة بقاسم، الأمر الذي جعل وكالة المخابرات المركزية تشعر بأنها (أي المحاولة- المترجم) قد تتسبب بدفع قاسم صوب الشيوعيين. وإذا ما حدث ذلك، قد يطلب القوميون مساعدة عبد الناصر. وكانت وكالة المخابرات المركزية تعرف أن عناصر قومية داخل العراق كانت على إتصال بعبد الناصر في هذه الفترة وأنه كان "يدرس دراسة جادة التدخل في ظل ظروف معينة". وفيما يتعلق بخطط الطوارئ، فقد كانت وكالة المخابرات المركزية غامضة: "كان ثمة العديد من الاحتمالات، غير ان معظمها سيتطلب قرارات فورية... (هي) تغييرات وائتلافات إستندت إلى حقيقة مركزية واحدة- الإطاحة بقاسم". وحين إجتمعت اللجنة الخاصة بالعراق في الثاني والعشرين من تشرين الأول، كان ثمة اختلاف مرة أخرى. وباستثناء الإطاحة بقاسم، لاحظت المجموعة وجود ثلاثة سيناريوهات: 1) أصبح قاسم يعتمد على نحوٍ متزايد على دعم الشيوعيين؛ أو 2) التوافق مع القوميين؛ 3) الاستمرار باللجوء إلى التوازن بين القوى المعارضة. وبينما شعرت غالبية المجموعة بأن السيناريو الأخير يُعد الأكثر ترجيحاً، فأن أقلية منها ما انفكت تشعر بأن قاسماً سيتوافق مع الشيوعيين مرة أخرى. وعلى الرغم من ذلك، فعقب محاولة الانقلاب الفاشلة، جرى إعتقال عشرات القوميين مرة أخرى وإحالتهم إلى محكمة المهداوي. وكان هذا الأمر تأكيداً لأسوأ المخاوف التي إنتابت اللجنة الخاصة بالعراق.
كان سحق النظام للقوميين سبباً يدعو إلى القلق في واشنطن، بما أنها لم تترك سوى مجموعتين تحوزان على إمكانية النجاح بإمكانهما دعم النظام أو الإطاحة به: الجيش أو الشيوعيون. وحين خرج قاسم من المستشفى في الثاني من كانون الأول، عقد مؤتمراً صحفياً إمتد لست ساعات حيث قلب فيه الكثير من مواقفه السابقة وبرأ الشيوعيين من مجازر كركوك. وقد حث هذا الأمر وكالة المخابرات المركزية على الدعوة لعقد اجتماع للجنة الخاصة بالعراق لاستعراض الموقف. وحين اجتمعت المجموعة في الرابع من كانون الأول، لم يكن ثمة إجماع واضح حيال الاتجاه الذي سيسلكه العراق، غير ان الجميع إعتقدوا بأن الوضع كان يُنذر بكارثة. وكان خطاب قاسم قد أفضى بجيرنيجان إلى الاستنتاج بأنه إنحاز إلى الشيوعيين في النهاية، الأمر الذي أفضى بممثلي وكالة المخابرات المركزية ولجنة رؤساء الأركان المشتركة إلى الخشية على مهماتهم الخاصة، لئلا "يخسروا" العراق. وكالمعتاد، ثمة مسؤولون في وزارة الخارجية كانوا متشككين، حيث ذكّر ميير الجميع بأن قاسماً "رجل متقلب بإمكانه تغيير موقفه غداً". وقد حفز هذا الخلاف جونز على الطلب من وكالة المخابرات المركزية إعداد تقييم جديد. وحين وزعت وكالة المخابرات المركزية تحليلها في الخامس عشر من كانون الأول، فقد كانت أكثر ميلاً لوجهة نظر ميير. "نعتقد بأن قاسماً سيستمر بمحاولته البقاء في السلطة بالاعتماد على دعم القوات المسلحة في الوقت الذي يناور فيه بين مختلف الفصائل السياسية". ومما له أهميته أنه بينما لم تتمكن وكالة المخابرات المركزية من إهمال التقارب مع القوميين أو الشيوعيين، فقد إعتقدت (أي الوكالة – المترجم) ان دعم الجيش لقاسم هو الذي سيضمن فقط بقاءه في السلطة.
وثبت ان تقييم وكالة المخابرات المركزية كان صائباً؛ فطوال ربيع عام 1960 اتخذ قاسم سلسلة من الاجراءات للحد من النفوذ الشيوعي في العراق، في الوقت الذي أصبح فيه أكثر إعتماداً على دعم الجيش له. وقد بدأ هذا التحول خلال الوقت الذي كان فيه قاسم راقداً في المستشفى حين أدار شؤون البلاد حتى تماثله للشفاء ضابطان معتدلان برتبة فريق، وهما صالح العبدي، الحاكم العسكري العام، ونجيب الربيعي، رئيس مجلس السيادة ورئيس دولة العراق قانونياً. وفي واقع الأمر، لاحظ تحليل لوكالة المخابرات المركزية لاحقاً ان "قاسماً لم يقم بأية خطوة لانزال العقاب بهذين الفريقين أو لاسترجاع المهام التي إنتحالاها لنفسيهما أثناء مكوثه في المستشفى، ويبدو الآن أنه راضٍ عن السماح للجيش بلعب دور مؤثر خلف الستار". وقد أوجد هذا الأمر بالمقابل فترة لا سابق لها من الاستقرار في العراق مما أفضى بمسؤولين أمريكيين إلى الاستنتاج بأن الأزمة العراقية قد وضعت أوزارها في نهاية المطاف.
وفي كانون الثاني من عام 1960، تحرك قاسم في النهاية ضد الشيوعيين حين نفذ تعهده بإجازة الأحزاب السياسية. وحين قدم الحزب الشيوعي العراقي طلباً للحصول على ترخيص رفض قاسم طلبه ووافق بدلاً من ذلك على طلب "حزب شيوعي زائف" لم يكن لديه "تنظيم أو أعضاء" وحين وصل هذا الخبر إلى واشنطن في أواخر آذار، كانت اللجنة الخاصة بالعراق مبتهجة بمضامين هذا الخبر. ومع ذلك، كانت ثمة تطورات إيجابية أيضاً: أعاد الجيش تأكيد نفوذه وكان خاضعاً لسيطرة صارمة؛ وتعرض عدد من الضباط المؤيدين للشيوعيين إلى الفصل؛ وإتخاذ إجراءات لاستعادة الثقة في الاقتصاد؛ وكان العراقيون قد شرعوا بإظهار إهتمام بعقد إتفاقيات ثقافية وتجارية مع أمريكا. وفي الجانب السلبي، استمر دعم قاسم للمهداوي. وقد ساعدت هذه التطورات في تعزيز وجهة نظر وزارة الخارجية القائلة بان "سياسة الصداقة وعدم التدخل والاستعداد لتقديم المساعدة في حالة طلب ذلك بدأت تؤتي أُكلها". وفي الرابع والعشرين من آذار، أبلغ غوردون غراي مجلس الأمن القومي بالاستنتاجات المشجعة التي توصلت إليها اللجنة الخاصة بالعراق. ولتيقنها بأن الأزمة العراقية قد زالت، فقد كانت هذه آخر مرة تنعقد فيها اللجنة الخاصة بالعراق.
وطوال شهر نيسان واصلت الولايات المتحدة الأمريكية تلمس الاشارات المشجعة على تحقيق العراق لاستقرار. وفي السابع من نيسان، أبلغ نائب مدير وكالة المخابرات المركزية تشارلس غابيل مجلس الأمن القومي ان الجيش العراقي كان قد سحق بدعمٍ من قاسم عدداً من الاضرابات التي حرض عليها الشيوعيون. وقد أبلغ مسؤولون عراقيون السفارة الأمريكية باهتمام العراق بعروض شركات غربية تتعلق ببرنامجه للتنمية. وقد أفضت هذه التطورات إلى قيام وكالة المخابرات المركزية بإعادة النظر بتقييم المخابرات القومية الخاصة في آيار للاستنتاج بأنه في الوقت الذي يبدو "ان من غير المحتمل ان يستمر قاسم بالسير على حبل البهلوان لمدة غير محدودة"، فأن "الهدوء على السطح" في العراق "يناقض بعض التنبؤات قصيرة الأمد باندلاع أزمات وشيكة، وهي تنبؤات كانت تحظى بالمقبولية أحياناً" وبالتأكيد فأن تواصل إعتماد قاسم على الجيش كان إشارة مشجعة وبدا أنه "مسؤول مسؤولية رئيسة عن هذا الاستقرار الهش". ولو ساد هذا الوضع، على حد إستنتاج وكالة المخابرات المركزية، فمن غير المرجح ان تحدث أي تطورات مذهلة في العراق في الأشهر الستة القادمة. وقد تمثل عنصر الشك الوحيد في إمكانية إغتيال قاسم . وحين أعادت وكالة المخابرات المركزية تقييم الموقف مرة أخرى في تموز، فقد توصلت إلى الاستنتاجات نفسها. وإيجازاً، فبحلول صيف عام 1960، كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد إستنتجت بأن الأزمة الشيوعية التي عصفت بالعراق عقب الثورة قد إنتهت.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com