ملفات وقضايا

 

العلاقات العراقية ــ الأميركية في عهد عبدالكريم قاسم قبل ثورة تموز 1958 كانت السياسة الأميركية حيال العراق تستند إلى هدفين اثنين هما: تأمين الوصول إلى النفط ورفض التأثير السوفيتي

عدد المشاهدات   1433
تاريخ النشر       09/10/2018 09:20 PM


د. بريان روبرت جبسون          ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


في هذه الفترة، حولت إدارة ايزنهاور اهتمامها صوب الاعداد لنقل السلطة إلى إدارة جديدة يتولى رئاستها جون. اف. كيندي، الذي أنزل الهزيمة في الانتخابات الرئاسية بريتشارد نيكسون في الثامن من تشرين الثاني من عام 1960. وكون الأمر جزءاً من عملية الانتقال، فقد أعدَّ مجلس تنسيق العمليات خططاً للمنطقة وللعراق يتم تقديمها إلى الإدارة الجديدة في منتصف كانون الأول. ومن الناحية الاقليمية، فقد عكست الخطط السياسية التقليدية لإدارة ايزنهاور المتمثلة برفض حدوث تغلغل سوفيتي في المنطقة وضمان تدفق النفط الزهيد السعر. وفيما يتعلق بالعراق، أوصى مجلس تنسيق العمليات بضرورة "إستمرار الجهود الأمريكية بتطوير علاقات راسخة وودية مع الحكومة العراقية" ولاحقاً، وحيث ان العراق قد بدا مستقراً، إعتقد مجلس تنسيق السياسات ان شكوك العراق بالنوايا الأمريكية قد "تتضاءل" وان على الإدارة الجديدة" القيام بكل جهد ممكن لتطوير الصلات، على المستويين الرسمي وغير الرسمي، مع شخصيات النظام وأفراد آخرين يحوزون على أهمية سياسية محتملة". وثالثاً، في حالة طلب العراق التعاون الأمريكي، نصح مجلس تنسيق السياسات بإعطاء "إهتمام فوري وودي" على الرغم من الاعتماد على الوضع السائد. ورابعاً، بما ان إستعادة الثقة العراقية بالولايات المتحدة الأمريكية تُعد أمراً مهماً، فقد أوصى مجلس تنسيق السياسات بضرورة قيام هيأة المعلومات الأمريكية باتصالات شخصية وتطوير لبرامج ثقافية، بما فيها برامج تعليم اللغة والتبادلات الثقافية، "بطريقة متحفظة بعيدة عن إظهار التباهي". وأخيراً، في حالة تغيير بنية السلطة الداخلية على نحوٍ يجلب للسلطة نظاماً مؤيداً للغرب، "ينبغي ان تكون الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة فوراً لدعمه والأفادة من هذه الفرصة لتعزيز موقفها في المنطقة". ومع تبني هذا التوجه الانتقالي في السياسة الأمريكية حيال العراق، كانت إدارة ايزنهاور واثقة من ان الإدارة القادمة ستكون في المسار الصحيح.
الخاتمة
قبل الثورة العراقية (المقصود ثورة الرابع عشر من تموز- المترجم)، كانت السياسة الأمريكية حيال العراق تستند إلى هدفين إثنين، وهما تأمين الوصول إلى النفط ورفض التأثير السوفيتي. وفي حينه، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى القومية العربية بوصفها قوة ايديولوجية بالإمكان، في حالة إخضاعها، توظيفها لدعم هذين الهدفين. وقد أوجد الانقلاب العراقي تحديات متفاقمة للمصالح الأمريكية، الأمر الذي أرغمها على التدخل في لبنان ودعم عملية عسكرية بريطانية مشابهة في الاردن لحماية الحلفاء المتبقين للغرب. ومع ذلك، لم تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في العراق بسبب مخاوفها من ان الاجراء العسكري قد يُشعل حرباً إقليمية ويدفع النظام العراقي صوب الاتحاد السوفيتي. وسرعان ما إعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالنظام الجديد وإنتهجت سياسة الحفاظ على علاقات ودية، وأذعنت لانسحاب العراق من حلف بغداد، وتدارست إمكانية القيام بمبيعات عسكرية محدودة للعراق، وتشجيع العناصر الصديقة داخل البلاد في تشرين الثاني من عام 1958. وطالما ان القوميين كانوا متواجدين في السلطة، فقد تقبلت الولايات المتحدة الأمريكية نظام قاسم.
إن صراع السلطة الذي تجلى في خريف عام 1958، والذي إستقطب قاسماً وحلفاءه الشيوعيين ضد القوميين المتطلعين لعبد الناصر، أثار مخاوف بين مسؤولين أمريكيين من أن السوفيت قد يقفزون فوق درع الاحتواء الأمريكي ليؤسسوا لهم وجوداً آنياً في ثلاث مناطق رئيسة: بلاد الشام، والخليج، والمحيط الهندي. ويتمثل أساس هذه المخاوف في عودة القومي الكردي المثير للمتاعب، الملا مصطفى البارزاني، من المنفى في الاتحاد السوفيتي؛ وإقامة علاقة سوفيتية- عراقية لتوريد الاسلحة؛ وإعتماد قاسم المتزايد على دعم الحزب الشيوعي العراقي في خلافه مع القوميين. وبينما كان العاملان الأوليان من الأسباب التي تدعو إلى القلق، يبدو ان الولايات المتحدة الأمريكية قد ضخمت تقدير علاقة الحزب الشيوعي العراقي بموسكو. ويعود سبب هذا التضخيم إلى ان السوفيت في هذه الفترة من الحرب الباردة كانوا يعملون عملاً فاعلاً من خلال مجموعات شيوعية محلية للمناورة وصياغة الأحداث (وأعني أوربا الشرقية وشرق آسيا) ولم تكن هذه الحالة تنطبق على العراق، حيث بدا ان الحزب الشيوعي العراقي كان متأثراً بموسكو غير أنه لم يكن يخضع لسيطرة موسكو.
لقد أفضت خشية إدارة ايزنهاور من التغلغل السوفيتي في العراق إلى قيامها باشراك عبد الناصر بغية تفادي حصول إنقلاب شيوعي. وكانت الحكومة الأمريكية منقسمة حيال هذه المسألة؛ فقد فضّل ايزنهاور التعاون مع عبد الناصر، في حين نصح فوستر دالاس بانتهاج الحذر لاعتقاده بأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تحوز على دراية كافية في الشؤون العراقية كي تعهد لأجنبي- فما بالك بعبد الناصر- بدعم السياسة الأمريكية.
وثمة مشكلة أخرى تتمثل في ان التصور الأمريكي للوضع في العراق إختلف إختلافاً كبيراً عن تصور حليفيها، بريطانيا وإسرائيل. وبينما قيّمت الولايات المتحدة الأمريكية الأحداث وفقاً لاعتبارات الحرب الباردة، فأن البريطانيين والإسرائيليين ما فتئوا غاضبين من أزمة السويس وأرادوا لجم نفوذ عبد الناصر المتزايد في المنطقة. وحيث ان البريطانيين والإسرائيليين كانوا معارضين لغزل الإدارة الأمريكية مع عبد الناصر، فقد إختارت إدارة ايزنهاور إبعادهم عن المداولات الداخلية. ويناقض هذا الأمر حجة بلاكول بأن لبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية "تصوراً مشتركاً" عن التهديد الشيوعي للعراق خلال هذه الفترة.
بلغت خشية إدارة ايزنهاور من الشيوعية في العراق الذروة في ربيع عام 1959 بعد سحق القوميين في أعقاب إنتفاضة الموصل. وفي هذه المرحلة، كانت إدارة ايزنهاور منقسمة حيال كيفية رد الفعل على الأحداث في العراق. وكما كان الأمر في السابق، أراد ايزنهاور التعاون مع عبد الناصر غير ان الن دالاس كان متشككاً من نجاح هذا الاجراء، وكانت وزارة الخارجية قلقة من ان إجراءات عبد الناصر قد تدفع قاسماً صوب السوفيت على نحو أكبر. وقد أفضت هذه الحيرة بمجلس الأمن القومي إلى تأسيس اللجنة الخاصة بالعراق لتقييم الخيارات الأمريكية والحيلولة دون حدوث إنقلاب شيوعي. غير أنه كان من الواضح ان اللجنة الخاصة بالعراق كانت منقسمة حيال كيفية التعامل مع الوضع في العراق تماماً كانقسام مجلس الأمن القومي حيال الموضوع نفسه، مع تفضيل وزارة الخارجية لإنتهاج نهج حذر، في حين أرادت وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع القيام بإجراء عدائي. وعلى الرغم من ذلك، أعدت اللجنة الخاصة بالعراق مدى واسع من الخيارات، بما فيها، القيام بعمل سري وعسكري، الأمر الذي "أرعب" السفير الأمريكي في العراق، الذي أقنع الإدارة الأمريكية إقناعاً ناجعاً بالضغط على عبد الناصر للقيام بتحوير في حملته الدعائية ضد العراق ليتفادى التركيز على قاسم ويركز على الشيوعيين وللاستمرار في الانخراط بالتخطيط لمواجهة الطوارىء إزاء إمكانية حدوث إنقلاب شيوعي. وفي نهاية المطاف، إنتصر النهج الداعي إلى الحذر وأثبت نجاعته في المدى الطويل، ولاسيما بعد قيام الحزب الشيوعي العراقي بمحاولة إنقلاب وبمجزرة في كركوك في تموز، الأمر الذي أفضى بقاسم إلى التحرك ضد الشيوعيين. ومع كبح التهديد الشيوعي كبحاً واضحاً بحلول عام 1960، شهد العراق فترة من الاستقرار النسبي، أفضت بمسؤولين أمريكيين إلى الاستنتاج بأن الأزمة قد إنتهت.
ويتضح من الأدلة المقدمة هنا إن قرارات الولايات المتحدة الأمريكية وإجراءاتها طوال 1958-1959 كانت مستندة إلى تصورها عن التأثير السوفيتي داخل العراق. وحين بدا ان السوفيت يحوزون على تأثير على نظام قاسم، إتخذت الولايات المتحدة الأمريكية خطوات واضحة للتصدي لهذا التأثير، كما تجلى ذلك باستراتيجية الاحتواء الأمريكية. ويوضح هذا الفصل أنه إبتداءً من أواخر عام 1958 كانت واشنطن تنظر إلى بغداد بوصفها جزءاً من تنافسها مع الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة وكانت عاقدة العزم على إعاقة أي تقدم سوفيتي. وقد أظهر الفصل أيضاً ان بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لا تتشاطران "تصوراً مشتركاً" للتهديد الشيوعي وان المزاعم بتورط الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة الاغتيال التي تعرض لها قاسم ونفذها حزب البعث في تشرين الأول من عام 1959 لا يُمكن إقامة الدليل عليها من الأدلة الرئيسة.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com