ثقافة

 

(أبناء الماء) تجسد صراع البشرية من أجل العيش والسلام

عدد المشاهدات   85
تاريخ النشر       10/10/2018 11:09 PM


نازك ضمرة
مِن منطلق عنونة رواية "أبناء الماء" استثارني الأديب العراقي عواد علي مؤلف هذه الرواية، وأعرف أنه متعدد المواهب، فالعنوان عتبة للنص كما يقولون، فماذا قصد عواد علي حين سمى روايته "أبناء الماء" الصادرة عن دار أزمنة، والتي جاءت في أكثر من مائتي صفحة؟ لماذا تسمية الرواية "أبناء الماء"؟ وهل يتضمن هذا العنوان محتوى التأويلات التي أراد الكاتب التعبير عنها؟ أو أنه بهذا العنوان يلخص ويعصر الحكاية في ذهن القارئ بعد قراءتها؟ وماذا قصد بـ"أبناء الماء"؟ هل قصد أن جميع العراقيين هم أبناء ما بين النهرين دجلة والفرات؟ أو إن تعرض بعضهم او معظمهم عانى التهجير القسري والتعذيب لأنهم مسيحيون يتعمدون بالماء حسب التعاليم الدينية؟ ولكن عقولنا لا تستطيع ان تغفل ما ينشر في الإعلام كل يوم عن غرق العشرات من المهاجرين كل يوم في أعماق البحار، وهم يحاولون النأي عن الظلم والفقر والتعذيب في بلادهم، ويمكن أن نسمي جميع المهجرين قسريا او اضطراريا بأنهم "أبناء الماء"، لأنهم نجوا من محنهم، ونعموا بالحرية والكرامة في أرض الاغتراب بعد عبور البحور والأنهار؟ ولأترك بقية التأويلات للقارئ. أول ما أثارني أثناء قراءة هذه الرواية هي قدرة عواد علي على لملمة الأحداث والتعقيدات التي مرت على شخوص الرواية، والتي تشكل مجموعة من القصص القصيرة، والتي تشبه الخيال، أو قد يكون فيها الكثير من الخيال. والنقطة الأكثر أهمية في هذه الرواية تركيز الكاتب على النزعة الإنسانية، خارجاً من قشور نشأته الأولى في طائفته التي لم أسأله عنها، ولست متأكدا منها، ولم ألتق به لنتحدث عن هذه الرواية، لكنني اعتقدت دائما أن عواد مسلم شيعي في نشأته، لكنّ سمو الفكر وعلو الثقافة وعمقها تجعل من الأديب إنسانا عالمي الفكر والتوجه. وقبل أن أبدأ بعرض ما علق بذهني من ملاحظات بعد القراءة العجلى لهذه الرواية، لا بد أن أشير إلى مقدرة الكاتب الفنية الدرامية والسردية والتجميعية التوفيقة أثناء تناوله تحركات وحيوات نماذج من طوائف وإثنيات عراقية من مندائية وكردية وتركمانية وشيعية وسنة وايزيدية، إذ انتهز كاتب الرواية ظروف الاغتراب والتشرد والهرب من الموت وسيلته لجمع شخوص مختلفة في الدين والتربية والنشأة، ليعبر لنا عن مفاهيمه في الحياة والتعايش، جاعلا الحب يتجاوز الإرهاب الذي عاناه العراق ودول عربية أخرى، ذلك الإرهاب والموت الذي شرّد الكثير من طوائف النسيج العراقي الذي كان منسجما ومتآلفا، مما اضطر الكثيرين للهرب إلى بلاد فيها الحرية والكرامة التي ينشدها كل إنسان. هذه المقدرة والذاكرة الواسعة التي تميز بها الكاتب عواد علي، ضغطت عليّ لأكتب انفعالاتي وتأثري بهذا العمل الأدبي الإنساني العالمي المميَّز، مما جعلني أتمنى أن يترجم هذه العمل الأدبي إلى لغات مختلفة. لكن أرى صعوبة تحويل هذه الرواية إلى فيلم سينمائي، وخاصة في العالم العربي، لكثرة موضوعاتها الحية وصلاحيتها لتتحول لمسلسل درامي طويل لثلاثين حلقة أو قد يمكن تمديده لمائة حلقة، وسيكون أكثر واقعية وشهرة ومتعة ومنفعة للمجتمع العربي ككل، لأن إخراجها في فيلم سينمائي سيكون من الصعب إيجاد ممثلين كفوئين ولتكاليف الانتقالات إلى أماكن مختلفة من العالم بظروفها ومواقعها ولغاتها وترابطات العائلات المرافقة، ثم إن عامل التمويل مهم ويكون في العادة عائقا أكبر يواجه منتج الفيلم. ثم يأتي كاتب السيناريو الذي قد يجد صعوبة قصوى في تجسيد فكر الكاتب الأصيل بدقة بسبب تعقيدات الحياة والأماكن والظروف المتغيرة بقسوة أو بحميمية، في أجواء من الخوف والقلق والموت والتهجير والتفجيرات والحب والرضا والانسجام والتنافر، كل تلك العناصر كانت هي ما قامت عليه هذه الرواية. فهي تشبه إعجازا توفيقيا، فتلك الشخوص مختلفة المشارب والمآكل والمذاهب والأصول، جعل المؤلف يتخذ الاغتراب والهجرة القسرية مجالا  للتقارب بينهم حتى وإن اختلفت معتقداتهم، فالحب هو نفسه دين متفق عليه، وينسجم مع أي دين، وبحر الحب يحمل أي مركب لأي صنف أو جنس أو دين مهما اختلفت النشأة والثقافة والتراث، فالحب والضحك هما لغة البشرية التي تجعل من الأماكن جنات مناسبة لكي نحياها، ولنعمر الوجود بالبشر والإنتاج والشجر. رواية "أبناء الماء" تجسد صراع البشرية من أجل العيش والسلام، فهي حكاية كل مكان على هذه الأرض، ومثل هذه العذابات والقلق والهجرة والتهجير حصلت وما زالت تحصل في كل مكان على الأرض التي نعرفها ونعيش عليها، فالهجرات والتهجير مثل هبوب الهواء غير المرغوب فيه، والذي لا نراه في الأجواء، تارة شمالا وأخرى جنوبا، وتارة شرقا وثانية في الغرب، مرة ريح مزلزلة، وأخرى ناعمة أو هي عاصفة أو نسيم يحمل الخير والأمل، ويحفز على المحبة والسلام والأمن، فتعقيدات الحياة التي عاشتها الشخوص في هذه الرواية ترمز لحياة الإنسان وكفاحه وصبره وتحركاته على مدى الزمان واتساعات الأماكن، فهي رواية كل شعب حتى لو بدا أن ذلك الشعب آمنا راسخا مستقراً، لكن مطالب الحياة في كل مكان هي نشاط وقلق وسعي للسلام والحب والجمال والاستقرار، والتهجير والحروب والدمار هي التهديد الذي يفسد حياة الإنسان ويضطره للهجرة القسرية من أرضه ووطنه ومن الأماكن التي ولد بها وتربى عليها، فالتهجير يحصل عادة بالإكراه أو بالخوف من الموت والتعذيب، علنا أو خفية، وخلق ظروفا صعبة على البشر يضطرهم للهجرة والنجاة من الموت. فالرواية نداء إنساني أدبي ناعم يدعو كل ضمير حي كي يقف مع الحق والعدل والسلام والتآلف بين البشر، في كل مكان على وجه هذه الأرض. وعليّ أن أشير بأن هذه الرواية كأنها مصفوفة هندسية تتطلب استخدام معادلات وترتيبات متوازنة مترابطة صحيحة لتبقى متماسكة متوازنة التقدم للوصول إلى حل أمثل أو للوضع الطبيعي، لكنها تحتوي على مجموعة مواقف متناقضة حينا، ومتوافقة أحيانا أخرى او مترابطة لتتفاعل مع ذكاء القارئ أو لتختبره أو تحيره أو تحفزه للبحث عن حلول لشخوصها الواقعين تحت ضغوط مفروضة عليهم، ودون إرادتهم، وحسب المعطيات والافتراضات والرغبات وما ينقص النفس البشرية الآمنة أو ما يلزمها.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com