ملفات وقضايا

 

صراع الهويات في العراق العراق كان دولة قوية خلال العقد الأخير في ظل النظام الملكي

عدد المشاهدات   533
تاريخ النشر       02/11/2018 10:10 PM


 أماتزيا بارا  -  أكيم رود    
تحرير :رونين زيدل / ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 


يسعَى هذا الكتاب إلى استكشاف أرضية وسطى بين هذين الاتجاهين. فهو يضع العوامل الخارجية والداخلية جنباً إلى جنب خلال عمليات بناء الأمة وتشكيل الدولة في العراق في القرن العشرين. وبهذه الطريقة، فأنه يدرس الاستمرارية والتغيير الكامنين وراء الأحداث المهمة في تاريخ العراق، ويضع تلك الأحداث في سياق أوسع. وبينما تستكشف بعض الدراسات الاستمرارية التي تربط أحداث مهمة بفترات سابقة، تسلط دراسات أخرى الضوء على جانب من جوانب القطع مع الماضي، ولاسيما خلال فترة البعث. ولن يجرِ تجاهل الموضوعات الحساسة والمثيرة للجدال للغاية عند بعض العراقيين في هذا الكتاب، الذي يتضمن دراسات عن العلاقات الطائفية والعرقية- الطائفية، وإسهام الاحتلالين البريطاني والامريكي بتشكيل الدولة وإعادة تشكيلها، فضلاً عن الآليات الداخلية ضمن الطوائف المتعددة قبل نيسان من عام 2003 وما بعده. ولا يتضمن الاعتراف بوجود تقسيمات ثانوية قوية في العراق نفي وجود هوية وطنية عراقية. وعلى العكس، فإنها تُغني الهوية العراقية وتجعلها أكثر تسامحاً، لأنَّ الاعتراف بالاختلافات الموجودة يفسح المجال لحل التوترات الواضحة. ان التقليل من أهمية الحجج "البنيوية" التي تشير إلى العوامل التي تعيق الاندماج الوطني (لأنّ بعض المؤرخين العراقيين الحريصين على التأكيد على أصالة الهوية الوطنية العراقية يفعلون ذلك)، تأتي أحياناً على حساب تجاهل التطورات الحاسمة. فعلى سبيل المثال، لم يتطرق ثابت عبد الله قط إلى التحول الكبير إلى المذهب الشيعي الذي حصل في العراق على امتداد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي أفضى إلى بلورة أغلبية شيعية حالياً (عبد الله 2003). وقد سبقت الخلافات البنيوية تأسيس الدولة العراقية، ويبدو ان تاريخ البلد يتميز بالتفاعل بين الدولة، والاقتصاد، والبنى المجتمعية على شاكلة الطائفة، والجماعة العرقية، والعشيرة. ويجادل عديد دويشا أنه حين كانت الدولة قوية، فقد ازدهرت الحكومة المركزية والهوية الوطنية، في حين أضحت خطوط الصدع الطائفية أقل وضوحاً (دويشا 2009). ومع ذلك ينبغي على المرء التمييز بين وجود دولة قوية، كما هو حال العراق خلال العقد الأخير في ظل النظام الملكي، وبين وجود دولة شرسة، كما كان الأمر خلال معظم فترة الحكم البعثي (الايوبي 1995). وينبغي عدم تجاهل الهويات الطائفية والعوامل البنيوية الأخرى، ومع ذلك ينبغي عدم النظر إليها على انها غير متغيرة، لأنها تعرضت لإعادة بناء وتعديل كي تلائم ظروفاً متغيرة.
وتعرض كتب قلائل للغاية رؤى شاملة لتاريخ العراق المعاصر من أواخر الفترة العثمانية حتى اليوم. ولهذا السبب، ما فتىء يتعين علينا الاعتماد على الكتابين المنهجيين الممتازين لفيبي مار وتشارلس تريب (مار 2006، وتريب 2007)، اللذين، مع ذلك، لم يتمكنا من تغطية جميع جوانب هذا الموضوع الواسع، لأنَّ الكثير من السمات المهمة بقيت غير معروفة جراء القيود الموضوعة على الوصول إلى مصادر ومواد ارشيفية ذات علاقة مهمة بالموضوع. وينطبق هذا خير انطباق على الفترة البعثية، بيد انه يسري أيضاً على فترات مبكرة. وبوصفهما كتابين منهجيين، فان تفسيراتهما معيارية من حيث الاسلوب نوعاً ما، ولا يسمحان بنقاش عن المدارس الفكرية والنماذج التفسيرية المختلفة التي تتعلق بتاريخ العراق والتطورات الحالية.
ويسعى هذا الكتاب إلى إضافة عدد من الجوانب قيد البحث حتى الآن إلى الإطار البحثي القائم عن العراق، الذي يغطي كامل الفترة الممتدة من عام 1920 إلى ما بعد عام 2003. ويستند هذا الكتاب إلى مؤتمر دولي عقدته جامعة حيفا في آذار من عام 2007. ويرتكز إلى مسائل مهمة للغاية على شاكلة بروز الحس الطائفي وتطور المكونات الأخرى للهوية، بما فيها التناقضات الداخلية ضمن كل جماعة طائفية وعرقية، والمواقف حيال الوجود الأجنبي، ومضامين تلك التطورات على مستقبل البلاد. ويتضمن نقاشاً تقابلياً للاحتلالين البريطاني والامريكي دون ان نتقيد في بحثنا بالسؤال "أين مكمن الخطأ؟" أو الافتراض مسبقاً بان كل شيء كان يسير بالضرورة سيراً خاطئاً. ويناقش الكتاب أيضاً مسائل كثيراً ما جرى تهميشها تتعلق بظهور وافول مجتمع مدني عراقي بعرض دراسات تسلط الضوء على المرأة العراقية، والمثقفين الليبراليين، وأفكار ديمقراطية خلال الحقبة الملكية. ويُعيد الكتاب دراسة العراق منذ تأسيس الدولة- الأمة إلى الوقت الحاضر، وبذا يُقدم إطاراً مفاهيمياً للحاضر العراقي في سياق تاريخي أوسع.
وبينما لم يحل هذا الكتاب إشكالية الانقسامات المفاهيمية والتأويلية الواضحة في مجال الدراسة الاكاديمية حول العراق، فأنه يساهم ببلورة تفهم أكثر تكاملاً وتعدداً في الابعاد للقوى الاساسية في تاريخ العراق بتضمينه لأراء مختلفة حيال جوانب مختلفة، يتولى تقديمها باحثون عراقيون، وامريكيون، واوربيون. وتؤكد الدراسات التي يتضمنها هذا الكتاب تأكيداً متعمداً على وكالة العراقيين، وتناقش في معظمها شؤون داخلية عراقية.
وعلى الأرجح فان العامل الأكثر حسماً الذي يقف في طريق بلورة رؤية موحدة لتاريخ العراق هو الفترة البعثية، وعلى وجه الخصوص، فترة حكم صدام حسين، التي تتردد أصداؤها في سبل ضمنية وصريحة في معظم الدراسات الموجودة في هذا الكتاب. كيف لبلدٍ ذي قدرات هائلة ان ينحدر إلى هاوية رهيبة كهذه؟ وكيف تسنى لديكتاتورية صدام ان تستمر لفترة طويلة؟ ولذا هل بالإمكان التحدث عن إطار استثنائي للعراق بين دول المنطقة؟ وكم كانت التطورات التي شهدها العراق منذ 2003 متجذرة في فترة الحكم الصدامي؟ ولأي حد كان الصراع الطائفي والحكم السلطوي نتيجتين للأنماط البنيوية التي حددت تاريخ العراق على امتداد القرن العشرين؟ لسوء الحظ، فمقارنة بالاهتمام المتزايد للعراق في الفترة الحالية وفي فترة الانتداب، فلم تُكتب عن الفترة البعثية (1968-2003) سوى دراسات قلائل للغاية في السنوات الأخيرة. وبينما لا يرغب محررو هذا الكتاب بالتقليل من أهمية المصاعب المتعلقة بالوصول إلى مصادر ذات علاقة بالموضوع تخص تاريخ العراق البعثي، فأننا مقتنعون ان حيازة فهم أعمق لهذه الفترة بالذات، وقد بقيت الكثير من جوانبها غير معروفة، تعد مهمة للتمكن من فهم الوضع الحالي. وبالنسبة للعراقيين أنفسهم، فان الوصول إلى تفهم لهذه الحقبة المنطوية على الآم كبيرة تعد خطورة ضرورية في طريق تحقيق مصالحة وطنية في المستقبل قد تتجاوز الانبعاث الطائفي الحالي. ولا غرو ان هذه العملية ستستلزم وقتاً وعملاً دؤوباً، ولا يُمكن فرضها من الخارج (مع ان الخارج بإمكانه ان يشجعها). وبوصفنا باحثين، فبإمكاننا بمجرد الأمر استكشاف الدليل التاريخي ودراسته دراسة نقدية، وبذا نهيئ الأرضية لنقاشٍ واعٍ للمسائل المطروحة.  وقد شكّل الاحتلالان البريطاني والامريكي عوامل الانقطاع مع الماضي التي أفضت إلى فكرة البدايات الجديدة، وهي عملية استلزمت، في كلتا الحالتين، إنكاراً لكل شيء كان قبلها. وإذا كان هذا الأمر يعني، في عشرينيات القرن العشرين، شجباً للإرث العثماني وتقليلاً من أهمية تاريخ البلد في ظل الحكم العثماني ، فان الأمر نفسه ينطبق بعد عام 2003 على الفترة البعثية.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com