ملفات وقضايا

 

صراع الهويات في العراق ما الفرق بين فترة الملكية المدعومة من البريطانيين (1921-1958)، في مقابــل خلفيــة الجهـود الأميركيــة بعد 2003 لإعادة بناء العراق؟

عدد المشاهدات   452
تاريخ النشر       04/11/2018 09:01 PM


 أماتزيا بارا  -  أكيم رود    
تحرير :رونين زيدل / ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 


عَلى أية حال، نؤكد انه لا الاحتلال البريطاني ولا الاحتلال الامريكي كانا بدايتين جديدتين بالكامل. ويتمحور تاريخ العراق في القرن العشرين حول منعطفين رئيسين: 1920 و1958. ومع أنهما يشكلان انقطاعات مهمة مع الماضي، فانهما يتضمنان بعض عناصر الاستمرارية. فقد أفضى التاريخ الأول (أي 1920- المترجم) إلى فرض الانتداب البريطاني ومعه تأسيس الدولة، وتحديد الحدود، وإقامة ملكية، ومؤسسات للدولة أدامت الهيمنة السُنّية الموروثة من الفترة العثمانية. وكانت الفترة الثانية (أي عام 1958- المترجم) وقتاً للتغيير السياسي والاجتماعي الحاسم في المجتمع العراقي. وقد أفضت إلى انهيار الملكية، وإعلان جمهورية، وتمكين الطبقات الدنيا في المجتمع، وتولي ضباط القوات المسلحة للحكم. ونتيجة لذلك، فقد انقطعت الأواصر مع السلطة الاستعمارية البريطانية السابقة، وللفترة ما بين عام 1958 وعام 1968، فقد أضحت الدولة أكثر استبداداً ، في حين أنها اضطلعت بجهود كبيرة لتحسين واقع الطبقات الدنيا. وقد وصلت العملية الثانية إلى أوجها خلال رئاسة صدام حسين (1979-2003) . وفي ظل حكمه، وصلت عملية أخرى كانت قد بدأت في عام 1970 إلى ذروتها: فقد جرى إبعاد ضباط عسكريين عن السلطة السياسية وإعادتهم إلى حقلهم المهني، وقد حل محلهم حزبيون مدنيون (بارام 1989). ولربما أسهمت هذه العملية، من بين عوامل أخرى، في لجوء حكومة منتخبة ديمقراطياً، بعد سقوط نظام البعث، إلى إبعاد الضباط العسكريين المحترفين عن السياسة. ويشكل نيسان 2003 الوقفة المهمة الثالثة في تاريخ العراق. وكانت تعني نهاية الهيمنة السُنّية، وبلورة لا مركزية ومن ثم المزيد من إضعاف الدولة المركزية. وتُمثل هذه التطورات انقطاعاً مهماً مع ماضي العراق، ولكن، في الوقت نفسه، ينبغي عدم تجاهل تلك العناصر في جدول الأعمال هذا، على شاكلة بلورة حكم مدني، واتجاه ديمقراطي، ومعارضة للدولة المركزية، كانت قد وجدت في العراق منذ البداية.
وتمثل الاجماع الأهم بين جميع المشاركين في هذا الكتاب في ان تاريخ العراق وحاضره مرتبط بعدد من العوامل، بعضها مفروض من الخارج وبعضها نشأ عن عوامل خاصة وتاريخية متغيرة ضمن المجتمع العراقي. ولا يُمكن فهم هذه العوامل المختلفة وتأثيراتها إلا بالدراسة الدقيقة لتاريخ العراق الحديث، بالتعرف على عوامل الانقطاع، وعدم تجاهل عوامل الاستمرار.
يتناول الجزء الأول من هذا الكتاب مسألة الوطنية العراقية وعلاقتها بالتيارات السياسية المنافسة، وأولها وأهمها القومية الكردية. وفي نقاش شامل يفتتح الكتاب صفحاته ويشرع في التعامل مع العديد من المسائل الموضوعة قيد النقاش، وتنجح فيبي مار في تصوير التقلبات والانسلاخات التي مرت بها الهوية السياسية للشعب العراقي منذ أواخر الحقبة العثمانية وحتى الآن. ويتضمن البحث دراسة لتأثيرات (35) سنة من الحكم البعثي والديكتاتوري على "الهوية العراقوية" ورؤية لتطورات فترة ما بعد صدام. وتجادل مار أنه حتى في البيئة غير المستقرة للعراق حالياً، حيث ما انفكت العداءات القائمة بين الطوائف تلعب دوراً مهماً، ومازالت المصالح المتعارضة تسمم المناخ السياسي، فثمة قوى تعمل على إعادة خلق حس بالوطنية العراقوية الشاملة.
وبينما تحلل مار التبلور التدريجي، وإن كان هشاً، للإطار العراقوي، يعطي شيركو كرمانج إطاراً مفهومياً لتاريخ العراق منذُ تأسيس الدولة، ولاسيما الصدام بين ثلاث قوميات متنافسة: القومية العربية ، والعراقوية، والكردية. ويؤكد ان القوميين الكرد طوال تلك السنوات حافظوا على إقامة حوار مع ممثلي التيارات الأخرى. ويحدد كرمانج الوصول البعثي الأول للسلطة في عام 1963 بوصفه نقطة تحول في عملية تكوين هوية عراقية، أفضى مباشرة إلى قمع عنيف بحق الكرد (والشيعة) في ظل البعث. وقد أفاد من مصادر منشورة حديثاً في اللغة الكردية. وإيجازاً، تصف الدراسة التفاعل بين القوميين الكرد والعرب في العراق من منظور كردي. ويركز مايكل ايبل على التحديات التي تواجهها النخبة السياسية الحاكمة في منطقة كردستان العراق في إقناع شعبها بان الانفصال عن العراق لا يُعد خياراً قابلاً للتطبيق. ويُظهر ايبل كيفية التحدي الذي تتعرض له القيادة التاريخية (الكردية- المترجم) من جيل جديد من الساسة الشباب ممن ينتقدون الحكومة الكردية لانعدام الكفاءة والفساد والمحسوبية، ويطالبون بالمزيد من الديمقراطية والشفافية في إدارة المنطقة الكردية. ويركز الفصل على السياسة الكردية المعاصرة، ويسلط الضوء على جيل جديد من القادة الكرد، ويؤكد على الخلافات بين الجيل الشاب من القادة والحرس القديم.
ويناقش الجزء الثاني جوانب من تاريخ العراق في ظل الحكم الملكي، فتسلط أوريت باشكين الضوء على بعض التقاليد المنسية للفكر والسياسة الديمقراطيتين في العراق، حيث ركزت على نحو رئيس على عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته. وتصف باشكين، على نحو خاص، وتقيّم كتابات المنظر الاجتماعي الديمقراطي عبد الفتاح إبراهيم، الذي لم تحظ مساهماته في النقاشات العامة الخصبة للفترة المذكورة بالاهتمام الاكاديمي الكبير حتى الآن، في داخل العراق وفي الأوساط الاكاديمية الغربية. وتجادل باشكين ان المحاولات الحالية لإعادة بناء العراق بوصفه بلداً ديمقراطياً ينبغي ان تكون مدركة لتقاليد كهذه وحريصة على إحيائها، لئلا تسقط في فخ إعادة بناء العراق على شاكلة النظام السلطوي الذي شرعت القوات الغازية بالاطاحة به في عام 2003.
وعلى نحو يلفت الانتباه، يعيد باحثون دراسة فترة الملكية المدعومة من البريطانيين (1921-1958)، في مقابل خلفية الجهود الامريكية الحالية لإعادة بناء العراق، التي تجاهلت تجاهلاً تاماً المسائل المتعلقة بالإطار الجندري (الجنساني) وباستقراء الوضع الحالي المتعلق بقانون الاحوال الشخصية العراقي في مقابل الخلفية التاريخية لنقاشات مشابهة جرت خلال الفترة الملكية. وتسلط نوغا ايفراتي في البدء الضوء على السياق التاريخي للصراع الحالي. وهي تعمق تفهمنا للمواقع التي شغلها ثلاثة فاعلين أساسيين في النقاشات الجارية اليوم المتعلقة بالمساواة بين الجنسين في العراق: ناشطات نسويات، ورجال دين شيعة، ومسؤولون امريكيون. وتجادل ايفراتي ان السياسات الامريكية الحالية في هذا السياق تعد تذكيراً بالاساليب البريطانية خلال الفترة الملكية: هم يخونون معظم القيّم التي شرعت الولايات المتحدة الامريكية رسمياً بالدفاع عنها حين غزت العراق.
ويركز الجزء الثالث على الفترة البعثية وتأثيرها في التطورات الحالية. وللمزيد من التوسع في مسألة بروز الطائفية في العراق، يدرس الفصل الذي كتبه رونين زيدل- من منظور تاريخي أوسع- إنبثاق قيادة طائفية- سُنّية جديدة على نحوٍ مقصود وصريح متخذة من البرلمان قاعدة لها في فترة عراق ما بعد 2003. ويركز زيدل على تسعينيات القرن العشرين بوصفها فترة تكوين لاتجاهات مختلفة في السياسة السُنّية في العراق بعد عام 2003. ومع ذلك، فانه يؤكد ان السياسة السُنّية لم تصبح متلونة بصبغة واضحة وصريحة إلا بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة الامريكية. ويتتبع زيدل جذور أهم الشخصيات الرئيسة في القيادة السُنّية الحالية، ونشاطاتهم في العقود السابقة. ويستنتج ان الغزو في عام 2003 كان المحرك لعملية تشكيل هوية طائفية سُنّية، تستند إلى قضية مشتركة وشعور بالمظلومية.
وفي دراسته، يتناول جوزيف ساسون جانباً من أهم الجوانب التي ستحدد في ما لو سيكون لعملية إعادة بناء العراق في ظل الوصاية الامريكية حظاً من النجاح في نهاية الأمر، بإيراده لصورة واسعة تشمل جميع القطاعات المهمة في الاقتصاد العراقي خلال عقود الحكم البعثي واستكشاف خيارات تطوره المستقبلي. ويُقدم رؤية متشككة لفرص حصول إنتعاش إقتصادي للعراق، مشيراً إلى الهجرة الدراماتيكية للعقول العراقية، وتآكل الطبقة الوسطى، والفساد المستوطن في جميع مستويات الإدارة الحكومية فضلاً عن التفكك الوشيك للبلاد بوصفها العوامل الأكثر حسماً في هذا السياق.
وإيجازاً، يقدم الكتاب مدى واسعا لدراسات مبحوثة بكل دقة وعناية. ونأمل أنه سيمكن باحثين وطلبة وجمهور عام مهتم من إعادة تقييم وتطوير رؤية أكثر شمولية للقوى التي صاغت تاريخ العراق الحديث وحاضره. وفي تأملنا لمستقبل العراق، ينبغي ان نأخذ في حسباننا هذه القوى فضلاً عن التفاعل بينها.
أماتزيا بارام
أكيم رود
رونين زيدل

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com