ملفات وقضايا

 

صراع الهويات في العراق لماذا أصبحت الدولة العراقية بعد عام 2003 مباشرة بحالة ضعف كبير؟

عدد المشاهدات   469
تاريخ النشر       05/11/2018 09:11 PM


 أماتزيا بارا  -  أكيم رود    
تحرير :رونين زيدل / ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 


الجزء الأول
العراق بين أمة – دولة والانقسامات العرقية – الطائفية:
إعادة تقييم
الفصل الأول
عراق واحد أم عراقات: ما الذي حدث للهوية العراقية؟
بقلم: فيبي مار
منذُ عام 2003، عانى العراق من سلسلة من الهيجانات، بما فيها إحتلال وتمرد وإرهاب وصراع من أسوأ الصراعات الطائفية في تاريخه. وقد تصل التوترات العرقية بين الكرد والعرب أيضاً إلى نقطة اللاعودة، تاركة الدولة العراقية وأي حس بهوية عراقية بحالة ضعف كبير. وبينما من المبكر للغاية تحديد المسار الذي تسير نحوه الهوية العراقية، فقد حان الوقت لإعادة دراسة الماضي. كيف وصل العراق إلى هذه المرحلة؟ وهل كان الحس بالهوية العراقية اسطورة، كما يزعم البعض؟ وهل ان الخلافات العرقية والقبلية والطائفية "البدائية" قد أخفاها التكوين البريطاني لدولة من ثلاث ولايات عثمانية في عام 1920؟ وكم كانت أزمة الهوية الحالية نتاجاً لظروف حديثة العهد، بما فيها نظام صدام القمعي والاحتلال الامريكي الباعث على التمزق؟ وإذا كانت هذه الهويات ليست بدائية، فهل جرى التعامل معها تعاملاً أفضل في الماضي، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف؟ والأمر الأهم للمستقبل، هل تلاشت الدولة العراقية والهوية العراقية؟.
وبينما لا توجد أجوبة واضحة لهذه الاسئلة حتى الآن، فالحاجة تتطلب طرحها وتدارسها . ان كيفية تعاملنا مع العراق في المستقبل ينبغي ان يكون محكوماً بتفهم أفضل للماضي. ويُعد هذا الفصل محاولة  لإعطاء أجوبة، بل لتقديم إطار وبعض السبل الموجهة  لنقاش لما قد نتعلمه من تاريخ العراق حيال المصادر المتعددة لهوية عراقية، والقوى التي صاغتها عبر الزمن.
وتُعد نهاية الامبراطورية العثمانية نقطة بدء جيدة لدراسة المكونات الرئيسة للهوية في المجتمع العراقي التقليدي. وثمة ثلاثة مكونات للهوية تقف بوصفها الأكثر أهمية.
القبيلة وصلة القربى
أولاً تأتي صلات القربى- وهي صلات القبيلة والعشيرة والأسرة الممتدة- التي تختلف في قوتها وأهميتها بين المناطق الريفية والحضرية. وثمة توصيفات وتحليلات متعددة تؤيد صحة ذلك. وكثيراً ما يجري ترتيب مصاهرات بين الأسر الممتدة، حيث تُعطى الاولوية فيها إلى إبن عم الفتاة . وتبقى ملكية الأرض في أيادي الأسرة، وعادةً ما تكون الاعمال التجارية الحضرية ذات ملكية وتنظيم أُسريين. وتوفر الأُسر الممتدة الشبكة الرئيسة للخدمة الاجتماعية، وتتولى تقديم الرعاية والمساعدة المطلوبتين من الولادة إلى سن الشيخوخة. وفي المناطق الريفية، تكون الإدارة في أيادي شيوخ العشائر إلى حدٍ كبير؛ وفي المناطق الحضرية، يتولى الإدارة وجهاء محليون- منحدرون على نحوٍ رئيس من الأُسر التي تحوز على بعض الثراء والتمايز الديني. إن الاعتماد على البنى القرابوية والأواصر الشخصية للثقة التي تولدت جراء وجود ثقافة سياسية سائدة قد تمتاز بكونها "بدائية"، وأعني، ان تنظيم السلطة والعلاقات الاجتماعية إستندت إلى "شبكات الأنصار والتابعين" ولاسيما اولئك المرتبطين بأواصر القربى.إن القبائل والاعتماد على أواصر القرابة التي يؤكدون عليها قد ولّدت أيضاً "قانوناً للشرف" ينطوي على قيم وأفكار إجتماعية يؤمنون بها إيماناً قوياً: بالنسبة لدور المرأة ومكانتها؛ وأفكار العدل والثأر؛ وآليات حل الصراعات فضلاً عن الوساطات، التي باتت أيضاً متغلغلة في الثقافتين الاجتماعية والسياسية. وقد تعاظمت وتضاءلت هذه القيم والممارسات المرتبطة بها بمرور الوقت؛ بالاعتماد على قوة مؤسسات الحكومة المركزية، بيد أنها ما أنفكت متواجدة اليوم، ولاسيما في الريف. وثمة دراسة ممتازة لاماتزيا بارام أظهرت الكيفية التي وظف بها صدام حسين المؤسسات والقيم القبلية فضلاً عن تدعيمه لها. وبقيت القرابة الأساس الجوهري للهوية بالنسبة لمعظم العراقيين اليوم، متغلبة على أشكال أخرى للهوية. وبينما كان ثمة الكثير من العواقب السياسية لهذا الأمر، فثمة جانب واحد يستحق الملاحظة هنا. فالاواصر القرابوية القوية، بدلاً من التأكيد على الفردانية (كما في الغرب)، جعلت من الصعوبة للغاية للعراقيين التوحد على أساس المصالح المشتركة والتغيير السريع للهويات إلى أُطر هوياتية أُخرى. وقد تواجدت أحزاب سياسية، وجمعيات مدنية، ومنظمات (نقابات العمال، وجمعيات مهنية، ومجموعات مصالح)، عملت على أساس المصالح المشتركة، بيد ان تجذرها كان أمراً صعباً.
الطوائف الدينية
تأتي الأواصر التي تجمع طائفة دينية في المرتبة الثانية فيما يتعلق بالهوية. ويُعد إنتماء جميع العراقيين تقريباً- نحو 95%- إلى الإسلام واضحاً وكانت الحكومة العثمانية، نفسها، تستند إلى هذا المبدأ. ولذا، فهناك نظام الملل الجيد التنظيم وبموجبه حصلت طوائف غير مسلمة، ولاسيما المسيحيين واليهود، على حق إدارة شعائرهم الدينية والتعليم وقانون الأحوال الشخصية. وقد اندمجت معظم الطوائف المسيحية واليهودية إندماجاً جيداً في مجتمع عثماني لما بات يُعرف اليوم بالعراق.
وبين أغلبية السكان المسلمين، ثمة سؤال وثيق الصلة بالموضوع يخص قوة الخلافات المتعلقة بالهوية بين السُنّة والشيعة. وعلى الرغم من ندرة الأدلة، إلا أن المؤرخين إعتقدوا لاحقاً بأنها وافرة. وكانت الخلافات بين الطائفتين- وهي خلافات سياسية أكثر منها ايديولوجية- قد تنامت جراء ثلاثة قرون من الحرب المتقطعة (تقريباً من عام 1514 إلى عام 1823)، بين الامبراطورية العثمانية السُنّية وإمبراطوريات فارسية شيعية عدة، على الحدود والسيطرة على السكان والأراضي. وقد إنغرست بذور إنعدام الثقة المتبادل، وذلك بخشية العثمانيين من تحول السكان الشيعة إلى "طابور خامس" وتغييرهم لولائهم، في حين كثيراً ما رفض الشيعة الاعتراف بشرعية الحكومة العثمانية السُنّية، وحاولوا تجنب الالتحاق بالجيش والخدمة الحكومية مفضلين الانصياع لزعامتهم الدينية. وقد تفاقمت الخلافات جراء ظهور "الوهابية" السُنّية والهجمات الوهابية على الأراضي والقبائل العراقية، ولاسيما نهب كربلاء في عام 1802، ومن ثم الهجوم على النجف. وقد عززت هذه الهجمات، وعدم الاستقرار القبلي التي صاحبها، ودخول أفكار سُنّية جديدة وراديكالية إلى المنطقة، الحس الطائفي بدلاً من التخفيف من وطأته.
وفي المحافظات العراقية، هيمن السُنّة على الإدارة والجيش ونظام الرعاية، على الرغم من ان سيطرتهم كثيراً ما كانت عرضة للخطر والوهن في مناطق عدة. وكانت الاوقاف السُنّية جزءاً من النظام السياسي الرسمي وتتولى الدولة تنظيم شؤونها وتقديم الدعم لها. وكان الوجهاء المحليون في معظم المناطق، ولاسيما في المدن الأكبر، بما فيها بغداد والموصل والبصرة وكركوك، من السُنّة. غير ان الشيعة حازوا أيضاً على مؤسسات قوية فضلاً عن تعزيزهم لهوية مضادة. ويصف إسحاق نقاش، وهو مؤرخ بارز لتاريخ الشيعة في هذه الفترة، درجة الاستقلال الشيعي في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، بقيادة زعامتهم الدينية، بأنه (أي الاستقلال- المترجم) يقترب من مكانه دولة ناشئة. وبموجب نظام ديني يُلزم الشيعة بإتباع مرجع ديني معترف به في ممارساتهم الدينية، فقد كانت لهم على العموم زعامة دينية سياسية (المرجعية) أقوى مما لدى السُنّة. وكان للشيعة، في ظل الحوزة، نظام تعليمي مُنظم تنظيماً جيداً له القدرة على إعداد قادة دينيين. وكانت المدينتان اللتان تضمان الأضرحة المقدسة النجف وكربلاء ، الواقعتان على التراب العراقي، تشكلان نقطة بؤرية للزوار ورمزاً للهوية الشيعية. وبينما أصاب الضعف هذه المواقف في بغداد، حيث كان ثمة المزيد من التمازج بين الطائفتين، فقد كانت جياشة في المناطق الريفية، حيث عززتها المناسبات والشعائر الشيعية.
 وكما بدأت المؤسسة السُنّية في ظل العثمانيين بالتحديث في القرن التاسع عشر، وإدخال مؤسسات ذات أُطر أكثر علمانية- ولاسيما المدارس والمحاكم- وتعيين رجال يحوزون على تعليم أكثر حداثة في المناصب في الجيش والجهاز الحكومي، فقد أضاف غياب الوجود الشيعي بينهم، بتصميم من العثمانيين أو باختيار الشيعة أنفسهم، جانباً آخر إلى الحس بالخلاف وبذر مشاعر التمييز بين الشيعة.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com