ملفات وقضايا

 

ومنذ الغزو المغولي كان تاريخ اضطراب وانقطاع علي الوردي: تاريخ سهل نهري دجلة والفرات ومنذ الغزو المغولي كان تاريخ اضطراب وانقطاع

عدد المشاهدات   489
تاريخ النشر       07/11/2018 08:18 AM


 أماتزيا بارا  -  أكيم رود    
تحرير :رونين زيدل / ترجمة: مصطفى نعمان أحمد


الطوائف اللغوية
ثمّة مصدرٌ ثالث للهوية- اللغة والعرقية الثقافية المرتبطة عادةً بها- لم يبدأ النظر إليه بوصفه مصدراً "للهوية الوطنية" بين بعض المثقفين الكرد والعرب إلا في أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأت الأفكار الغربية للقومية بالتغلغل في أوساط الشباب والمجموعات المثقفة الحضرية ممن كانت على اتصال بالأفكار الغربية الحديثة.
وثمة حس بالهوية العربية ألهم مجموعة من الضباط العرب- ولاسيما الضباط العراقيين- في الجيش العثماني حيث شكّلوا حركة سرية مضادة للشبان الترك (العهد)، داعية إلى استعمال اللغة العربية في مؤسسات الحكم في المناطق العربية، وتعيين عرب في المناصب العليا، ومنح الولايات العربية مقداراً أكبر من الحكم الذاتي. وعلى نحوٍ مشابه، كانت الهوية الكردية، مع أنها ضعيفة، تتصاعد في مدياتها. وكانت ثمة إمارات كردية قد بزغت في فترات سابقة، بيد أنها لم تستند إلى قومية كردية بقدر ما استندت إلى مصادر سلطة تقليدية (دينية وقبلية ومناطقية)،  غير أن بعضاً من هذه السلالات الأُسرية أيقظت الحس بهوية كردية. وشأنهم شأن نظرائهم العرب، انضم كرد مثقفون وشباب إلى جمعيات مبهمة الإطار، على شاكلة (الأمل الكردي)، تماماً قبل الحرب العالمية الاولى.
الهويات المناطقية والهويات
المتمركزة حول الدولة
غير ان تلك الهويات لم تكن الهويات السياسية الوحيدة للعراقيين. ماذا عن الهويات الأخرى- تلك المرتبطة بالإطار المحلي، أو الاقليمي، أو بالدولة؟ وثمة هوية أكثر تمنعاً بكثير، الا وهي الهوية المناطقية. ولذا، كانت البصرة قد طورت هوية محلية في الوقت الذي غزت فيه القوات البريطانية الجنوب في (1914-1915). فالمدينة (أي البصرة- المترجم) ومنطقتها الخلفية (أي الواقعة خلف الساحل- المترجم) تواجه الخليج وكان لها شبكات تجارية متعددة مع الموانئ الخليجية العربية، والهند، وإيران. ولعل هذا المزيج من التأثيرات الثقافية والاقتصادية، فضلاً عن وجود زعامة محلية، يُفسر البزوغ في عشرينيات القرن العشرين لحركة كانت تدعوا لحكم ذاتي في الجنوب. وكان لبغداد، أيضاً، بعض المزايا المحلية: كانت متأثرة ثقافياً واقتصادياً على نحوٍ متساوٍ بقربها من الحدود الفارسية وعلاقاتها مع استانبول. وكانت الموصل ومنطقتها الخلفية (الجزيرة)، من ناحية أخرى، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما هو اليوم الجزء الشمالي الشرقي من سوريا عبر العلاقات التجارية والروابط القبلية، وكانت مرتبطة بحلب واستانبول على نحوٍ أوثق من ارتباطها ببغداد. وعلى الرغم من ذلك، فان هذه الهويات المحلية، المستندة إلى الجغرافية والتضاريس الطبيعية، كانت أكثر غموضاً بكثير وأقل تأثراً من الناحية السياسية مما عليه الأمر بالنسبة للهويات القبلية وإلى حد أقل الهويات الطائفية.
ويتمثل الأمر الأكثر تمنعاً في ما لو كان ثمة حس بهوية عراقية يستند إلى الاقليم، على الرغم من حقيقة ان مصطلح "العراق" جغرافياً قد وجد منذُ الفترة القروسطية المبكرة وكان الرحالة ورجال الإدارة يستعملونه على نحوٍ متزايد في القرن التاسع عشر. ومنذُ عام 2003، كان ثمة بعض الجدال بين باحثين ومحللين حول هذا المسألة. ولعلي الوردي، عالم الاجتماع العراقي البارز، رأي مفاده ان تاريخ سهل نهري دجلة والفرات، في الأقل منذُ الغزو المغولي في القرن الثالث عشر، كان تاريخ غزو واضطراب وانقطاع- وهي بيئة لا تتجذر فيها بسهولة هوية متماسكة ، ولاسيما هوية تستند إلى إقليم. وقد وفر الحكم العثماني مقداراً يسيراً من الاستقرار ولكنه كان من الضعف بحيث لم يستطع التأثير أكثر مما أثرت العوامل المرتبطة بالمناطق الحضرية. ومع الانقطاع في القيادة وغزو المجموعات القبلية الذي تواصل حتى القرن العشرين، كان سكان العراق أكثر تأثراً بالقبلية من تأثرهم بجذورهم في الوطن. ويزعم آخرون إن الإدارة العثمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولاسيما في ظل المماليك (1747- 1831) ودعاة الاصلاح في أواخر القرن التاسع عشر، قد وفرت بعض التماسك التنظيمي للأقاليم المتواجدة بين دجلة والفرات، من  المركز في بغداد، ولعل ذلك قد أضفى حساً بالاقليمية العراقية على بعض القاطنين ضمن هذه المنطقة (العربية على نحوٍ رئيس).ومن الصعوبة بمكان البرهنة على هذا الأمر، ولكن بالإمكان القول ان ذلك الارتباط مع – أو الولاء- للدولة القائمة كان موجوداً بيد أنه كان محدوداً. وفي مطلع القرن العشرين، كانت الدولة هي الامبراطورية العثمانية وولاياتها الثلاث في العراق. وعلى الرغم من تعاكس ذلك مع النظرية الإسلامية، فقد وجد منذ فترة طويلة بعض الفصل للمؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة في ظل العثمانيين. وقد تشكّلت مؤسسات الدولة على نحوٍ رئيس من البيروقراطية والجيش وبعض أُطر نظام قضائي. وقد قدمت هذه المؤسسات، على الرغم من قلة كادرها الوظيفي، خدمات- وان كانت هزيلة- على شكل أمن وبنية تحتية (طرق، وبرق، وبعض مشاريع الري)، ونظام قانوني، وبعض فرص التوظيف. وقد اعتمد العثمانيون على الدين (الإسلام السُنّي) لإعطاء هالة من الشرعية. غير أنه من الواضح أيضاً ان هذه المؤسسات لم تتغلغل تغلغلاً عميقاً للغاية في الاقليم أو المجتمع العراقي. وفي نهاية الفترة العثمانية، فان الولاء للدولة أو الارتباط معها تواجد بين بعض من الطبقات الحضرية والمثقفة (اولئك المتدربون للعمل في البيروقراطية والجيش والمؤسسة القانونية) وبين الوجهاء المحليين (مالكو الاراضي والثروة ممن اعتمدوا على الدولة للحصول على الأمن والرعاية). ولمعظم تلك الفترة، كانت هذه شرائح صغيرة وقليلة وسُنّية في معظمها، ومرتبطة بالدولة حيث اعتمدت على نحوٍ أكبر على المحسوبية من اعتمادها على ولاء إيجابي.ماذا عن الشيعة العرب ممن عاشوا في الوسط والجنوب الذين لم يكونوا جزءاً من نظام المحسوبية هذا، بيد أنهم كانوا يحوزون على نظام خاص بهم؟ ثمة دليل يؤكد ذلك، فبينما لم يستشعروا ولاء إيجابياً للدولة العثمانية، فقد تقبلوا ذلك إلى حدٍ كبير، على الرغم من أن عدداً غير محدد تجنبوا التجنيد العسكري، الذي تم العمل به في عام 1858. ومع ذلك، وكما أظهر إسحاق نقاش، فان الهوية الشيعية كانت ممتزجة امتزاجاً قوياً مع – وهي محط تحدٍ من- أواصر قبلية، وكانت هذه الأواصر عربية بشدة. وعلى الرغم من هذه الهويات الثانوية، فقد قدمت الدولة العثمانية، بعد نحو أربعة قرون من الحكم، حساً بالمركزية والهوية للنخب، التي ستصبح مندمجة في الدولة العراقية المنبثقة حديثاً في ظل البريطانيين. وفي واقع الأمر، سيكون الارتباط بالدولة ومؤسساتها الإطار المشترك الذي إعتمد عليه البريطانيون في بناء الدولة الجديدة.
الانتداب والهوية العراقيــة
كانت فترة الانتداب وما أعقبها مباشرةً فترة تكوينية في صياغة هوية عراقية وتحديد الاتجاه السياسي للدولة الجديدة. ولعلها أيضاً فرصة ضائعة لتكوين هوية جديدة ترتكز على أساس متعدد عرقياً وطائفياً. وكانت التوترات والقوى المختلفة الداخلة بصياغة هذه الهوية واضحة منذ البداية. وقد اتخذ كل من القادة البريطانيين والعراقيين ممن بزغوا في هذه الفترة خطوات مهمة عدة في هذه العملية. فأولاً، تولى القادة العراقيون والبريطانيون تعريب الدولة إلى حدٍ كبير، حيث غيّرو لغة الدولة والتعليم من التركية إلى العربية. وبينما يكون الدافع من هذا الاجراء مفهوماً، بما ان زهاء (80%) من العراقيين كانوا يتحدثون العربية، فقد مال (أي الاجراء- المترجم) إلى فتح الباب لهوية عربية أوسع، بدلاً من هوية تركز ببساطة على الدولة الجديدة. وفي حقيقة الأمر، فأن الكثيرين من القادة العراقيين، ولاسيما العرب السُنّة، لم يكونوا مهيئين بعد لقبول الواقع بوجود دولة عراقية ويتوقون ان يكونوا جزءاً من كيان سياسي عربي أوسع. وقد إتهموا اولئك الذين يركزون على العراق وهويته الجمعية بالشعوبية، وفي حالة الشيعة، بالميل نحو بلاد فارس- وكلا هذين الاتهامين ما هما إلا ترديد لخلافات قروسطية. ولذا، فان التوتر بين بلورة دولة عراقية أكثر استقلالية تضم جميع مكونات البلاد وتجعل العراق جزءاً لا يتجزأ من عالم عربي أوسع قد ولِدَ (أي التوتر- المترجم) مع ولادة الدولة نفسها وفرض ملك غير عراقي لكنه عربي. وكان هذا الأمر ينطوي على إشكالية على وجه الخصوص للكرد غير العرب، ممن كان بالإمكان استيعابهم خير استيعاب بهوية عراقية أكثر تحديداً. ويعد دور ساطع الحصري- الشخصية التربوية الرئيسة في العراق للفترة بين 1921 و 1927- في صياغة هذه الهوية، والجدل الذي أحاط به، مؤشراً لكل من هذا الجهد والحساسية التي أحاطت بالمسألة.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com