ملفات وقضايا

 

صراع الهويات في العراق برغم قبول العراق في عصبة الأمم في عام 1932، إلا أن المستشارين البريطانيين بقوا في وزارات عراقية رئيسة

عدد المشاهدات   669
تاريخ النشر       08/11/2018 05:11 AM


 أماتزيا بارا  -  أكيم رود    
تحرير :رونين زيدل / ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

  تشكّلتِ الدولة العراقية الجديدة تدريجياً متخذة من بغداد عاصمة لها، وهي مركز الحكم والسلطة الجديدة، حيث اعتمدت في البدء اعتماداً كلياً على الجيش البريطاني، بيد أنها توسعت تدريجياً في حكمها على امتداد الأقاليم والولايات وعلى مجموعات محلية متصدعة لها رؤى واسعة وفي الغالب متنافسة في ما يخص الهوية. وقد ركز الجيش العراقي الوليد على ان يصبح بؤرة الولاء الوطني. وكما أظهر مؤلفون عدة، فان هذه "الحقائق على الأرض" أوجدت حتماً زخماً ما نحو القبول بدولة عراقية والارتباط معها ودورها بوصفها مانحاً للدعم والخدمات، وهو دور كان قد ساعد تقليدياً في صياغة الولاء والشرعية في ظل العثمانيين، مع ان شرعية الدولة الجديدة كانت محل تحدٍ على نحوٍ دائم.وثانياً، أدخل البريطانيون انموذجاً سياسياً جديداً للحكم- نظام برلماني على النمط الغربي مع ملكية (على غرار ما لديهم)، ومفهوم للانتخابات (غير المباشرة في البدء)، وتأسيس أحزاب سياسية، ونوع من المفاهيم الليبرالية على غرار حكم القانون، وحرية الدين والتعبير، وحماية الأقليات. وحقيقة ان هذه الانظمة كان إداؤها رديئاً لم يكن واضحاً إلا جزئياً. فثمة تأثير بريطاني قوي خلف الستار- غالباً ما مورس عِبرَ الملك والساسة البارزين- حال دون حرية التصرف الحقيقية للعراقيين، كما كان حال محاولات الحكومة لكبح وجهات النظر والاعمال المتطرفة. وعلى الرغم من ذلك، أدخل النظام المجموعات العراقية الاجتماعية والدينية المختلفة في الحكم الجديد وأعطاها بدايات للحصول على حصة في المجتمع. وعلى الرغم من أخطائها، فلما يزيد على (38) سنة من الحكم والتأثير البريطانيين، فقد وصلت هذه المؤسسات إلى أفضل الاداء وكانت متفوقة على العموم على المؤسسات التي أعقبتها. وكان بإمكان نخبة العراق السياسية وضع المزيد من التركيز بمرور الوقت، على هذه المؤسسات الجديدة بغية غرسها في الوعي الشعبي وجعلها جزءاً من هوية العراق الجديدة. غير ان هذا الأمر لم يتحقق- في الأقل على نحوٍ مناسب. ونتيجة لذلك، فان المؤسسات والمثل الليبرالية الأساسية لها لم تقضِ على الجذور العميقة ولم يكن لها الأولوية على الهويات السابقة والأطول عهداً.وثالثاً، طور الحكام الجدد المؤسسات السابقة للدولة- الجيش والبيروقراطية، على الرغم من أنهم أعادوا صياغتها. فمن خلال هذه العملية رسخ الكثيرون من النخبة السُنّية، الذين تلقوا في السابق التدريب على يد العثمانيين، مواقعهم في منظومة الدولة، ولاسيما الجيش، الذين لم يتزحزوا عنه تزحزحاً كلياً حتى عام 2003. غير ان الجيش، بينما خضع لهيمنة هؤلاء العرب السُنّة، لم يكن قط سنياً حصرياً وضم بالتدريج عدداً من الضباط الكرد والشيعة- مع أنهم بقوا يشكلون أقلية صغيرة في ظل الحكم الملكي.ورابعاً، استندت الدولة الجديدة إلى درجة عالية من الفصل بين الدين والسياسة، وشجعت تراثاً قوياً نسبياً للعلمانية التي تواصلت تواصلاً وثيقاً طوال الحقبة الملكية. وقد كبح الحد من تأثير الزعماء الدينيين الشيعة في عشرينيات القرن العشرين الفاعلية الشيعية وشجع التقليد الشيعي الأكثر ميلاً للمسالمة في النجف. وقد تجذرت العلمانية كثيراً بين النخب الحضرية، ولاسيما في الجيش والطبقة المثقفة. وخامساً، كانت الحكومة، بدافع الضرورة، مؤيدة للغرب في سياستها الخارجية، وكانت مرتبطة بسبل عديدة بالبريطانيين، وهو وضع أوجد معارضة متواصلة للرابطة الاستعمارية أبدتها عناصر من السكان ممن فضلوا استقلالاً ناجزاً. وحتى بعد قبول العراق في عصبة الأمم في عام 1932، بقيَ المستشارون البريطانيون في وزارات عراقية رئيسة، وكان للسفير البريطاني الأولوية على سفراء الدول الأخرى.وأخيراً، لعب الاقتصاد أيضاً دوراً في تشكيل الدولة وهويتها. وكان ثمة تطور اقتصادي بسيط في العراق حتى فترة متأخرة- خمسينيات القرن العشرين، حين بدأ إنتاج النفط يوفر بعض الدخل المهم للاقتصاد. غير ان التوزيع السييء لفوائده بدأ يشكل مسألة خلافية. فقد أوجد توزيع الملكيات الزراعية على طبقة الشيوخ ونمو الدخول الحضرية، ولاسيما خلال الحرب العالمية الثانية، تفاوتاً اقتصادياً واجتماعياً، تنامى جراء الثروة النفطية. وكما أظهر بطاطو وآخرون، فأن الطبقة المالكة للأراضي ونخبة حضرية صغيرة، اللتين سيطرتا على كل من الثروة والسلطة، تركت السواد الأعظم من الشعب من دون "حصة في المجتمع" الأمر الذي عزز ارتباطهم بالدولة وحكومتها.وإيجازاً، ما بالإمكان قوله عن مسألة الهوية بوصفها حصيلة لجهد البريطانيين ببناء الدولة والنخبة التي منحوها السلطة؟ لقد بزغت إلى الوجود دولة جديدة وفاعلة وحديثة، على الرغم من ان بعض مؤسساتها، على شاكلة الجيش والبيروقراطية والمحاكم القانونية، كان لها حس بالاستمرارية القوية مع الفترة العثمانية، ولاسيما من خلال النخب التي تولت إدارتها. وبالتدريج، تنامى إرتباط لها، ليس "بالعراق" بقدر ما كان ارتباطاً بأجهزة الدولة الجديدة، ولاسيما من جانب اولئك الحائزين على حصة فيها والمنتفعين من خدماتها. ويشمل هؤلاء: العرب السُنّة العلمانيون، ممن كانوا موظفين في بعض المؤسسات الرئيسة، وبالتدريج، الكرد والعرب الشيعة، الذين تلقوا علومهم في ظل البريطانيين، ممن جرى دمجهم بالدولة القائمة؛ وشيوخ العشائر، ولاسيما في الجنوب الشيعي، ممن أصبحوا مالكي أراضٍ والذين إعتمد عليهم النظام للحصول على الدعم في البرلمان؛ وطبقة تجارية جديدة- شيعية وسُنّية- ممن أفادت من الاستقرار والاقتصاد الكوني الآخذ بالتوسع؛ والطبقة الوسطى الصغيرة لكنها مثقفة وآخذة بالتنامي- حتى حين كانت معارضة للبريطانيين وسياساتهم- ممن كانت تأمل وتتوقع الافادة من السيطرة على الدولة في المستقبل. وكانت هذه المجموعات تتطلع إلى الدولة للحصول على وظائف ومناصب ورعاية ، وباتت قابلة بوجودها حتى من دون ايديولوجية معينة تدعمها. وبات هذا الولاء للدولة الجديدة مرادفاً لهوية "عراقية".غير ان الكثيرين في النخبة الجديدة لم يركزوا تركيزاً كاملاً على العراق، بل ركزوا على هوية عربية وكانوا يهدفون إلى دمج العراق بعالم عربي أوسع. وقد أوجدت الرؤية القومية العربية العلمانية مشكلات في نطاقين: الأول بين الكرد، ممن لا يُمكن تعريفهم على أنهم عرب. وثانياً، أوجدت توتراً ينطوي على حساسية بين الشيعة ذوي التوجه الديني. فقد كرهوا علمانيتها، وخشوا من أنه في دولة عربية اندماجية كبيرة، فان طائفتهم ستصبح غير ذات قيمة من الناحية العددية وبذا تفقد كل فرصها بالتوصل إلى مساواة، ناهيك عن التفوق. غير ان هذين القوتين المتعارضتين بقيتا ضعيفتين وغير منظمتين مقارنة بالقوة المتنامية للدولة والارتباط بها- حتى عام 1958.تُجسد الفترة الأخيرة من عمر النظام الملكي (1946-1958) ذروة الدولة التي أوجدها البريطانيون. وعلى الرغم من أخطائها، فقد كانت واحدة من أفضل الفترات في تاريخ العراق، فيما يتعلق بتمثيل المجموعات العرقية والطائفية في الحكم. وبينما لم يزل عدم التوازن قائماً، كان الوضع وقتذاك يتحسن تحسناً تدريجياً. وما انفك تمثيل الشيعة أقل من نسبتهم السكانية ولكنه كان يرتفع عددياً، وكان الكرد مندمجين اندماجاً جيداً. 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com