ملفات وقضايا

 

صراع الهويات في العراق في فترة الثلاثينيات قام الجيش العراقي بانقلابين!

عدد المشاهدات   526
تاريخ النشر       04/12/2018 10:34 PM


 أماتزيا بارا  -  أكيم رود    
تحرير :رونين زيدل / ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

لقد شهدتْ ثلاثينيات القرن العشرين بروز نخب شبابية متطرفة تبنت صيغة لقومية راديكالية وعروبية ومعادية للاستعمار. وأضحى الجيش منغمساً على نحوٍ متزايد في السياسة وقام بانقلابين عسكريين: الأول في عام 1936، مستمداً إلهامه في الغالب من الأنموذج الكمالي (نسبة إلى مصطفى كمال اتاتورك مؤسس تركيا الحديثة- المترجم)؛ والانقلاب الآخر في عام 1941، بقيادة رشيد عالي الكيلاني. وقد شكّل هذا الانقلاب خطورة كبيرة على البريطانيين، بسبب ميوله المؤيدة لالمانيا، وأفضى إلى إعادة احتلال بريطانيا للعراق وتنصيب حكومة مؤيدة لبريطانيا. وفضلاً عن هذين الانقلابين، فقد مثلت توترات عشائرية وعرقية الوقائع الاجتماعية السياسية للدولة؛ فضلاً عن التمردات الشيعية والكردية، والمجزرة التي تعرضت لها مجموعات من الآشوريين العراقيين على يد الجيش (1933)، وأعمال الشغب  المعادية لليهود التي اندلعت في أعقاب ثورة الكيلاني (1941) كلها أسهمت إسهاماً كبيراً في زيادة أهمية الأصوات ذات الصبغة العسكرية في العراق. وفي السنوات الأخيرة، ثمة اهتمام أكبر بدأ يتركز على الأصوات الديمقراطية وغير الميالة للتسلط في عراق الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين. فأولاً، كانت طبيعة الحقل الفكري العراقي أكثر تعقيداً مما جرى تخيله سابقاً. وفي دراسته المتعمقة، تتبع أريك ديفيدز وفق تسلسل زمني نشاطات المفكرين ممن عززوا رؤية أكثر ديمقراطية للدولة العراقية، مركزاً على وجه الخصوص على أعمال، فضلاً عن نصوص كتبها، ديمقراطيون اجتماعيون عراقيون، وساسة يتمتعون بفكر إصلاحي، وشعراء، وناشطون، وصحفيون، وشيوعيون. وثانياً، حوّل مؤرخون وعلماء سياسة ونقاد أدبيون اهتمامهم إلى دراسة أعمال شعراء وعلماء دين وصحفيين ومؤرخين ممن لم يدرس باحثون في التاريخ العراقي أعمالهم دراسة كافية، على الرغم من كونهم مؤثرين تمام التأثير. وفي السنوات الأخيرة، ثمة دراسات قلائل، ولا سيما الدراسات التي قدمتها نوغا ايفراتي، ركزت على أهمية إنجازات الناشطات، والكُتّاب المناصرين لقضايا المرأة (ذكور وإناث) ، والمنظمات النسوية. ولم يكن عراق الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين دولة ديمقراطية قط بالمعنى الكامل للكلمة على الرغم من المظهر الملكي الدستوري الديمقراطي. ومع ذلك، وعلى الرغم من ممارسة الحكم في ظل سلطات غير ديمقراطية، فقد طالبت أصوات مهمة بالديمقراطية وناقشت معانيها. وخلال عشرينيات القرن العشرين، أجرت الصحافة العراقية الناشئة مناقشات جادة عن أهمية الديمقراطية، ولا سيما بسبب تأثيرات الايديولوجية الولسنية (نسبة إلى الرئيس الامريكي ولسن- المترجم) والخطابات الديمقراطية المتعلقة بتقييد سلطات الحكّام، التي نوقشت في الصحافة العربية في القرن التاسع عشر. وقد رفع تنصيب البريطانيين لفيصل ملكاً وإنشاء مؤسسات الدولة من وتيرة المداولات التي تتعلق بادوار البرلمات، والمحاكم، والحكومة، وولّدت انتقادات لكتّاب وصحفيين وشعراء ممن جادلوا بان التدخل البريطاني منع مؤسسات كهذه من إنجاز واجباتها الديمقراطية. وخلال ثلاثينيات القرن العشرين، تحدت اصوات ديمقراطية على شاكلة مثقفين مصريين مقيمين في العراق، وعلماء دين، وقادة الحزب الشيوعي غير القانوني المؤسس حديثاً، ومفكرين يهود، النشاط القومي المتطرف في النوادي القومية وانتشار الدعاية الالمانية في البلاد. وثمة رابطة ديمقراطية اجتماعية ، تُدعى جماعة الأهالي قدمت أجندة ديمقراطية جديدة. ولم تنتهج الجماعة دوماً المثل الأكثر ديمقراطية في مسرح الأحداث؛ ففي بادئ الأمر تعاونت مع الانقلاب الذي حصل في عام 1936، ودافعت عن إجراءات الجيش في الشأن الآشوري، ودعمت انقلاب عام 1941. وعلى الرغم من ذلك، فمن الحيوي ملاحظة أنها لم تكن سوى مجموعة واحدة من المجموعات السياسية القلائل التي حافظت على وجودها، برغم وجود فترات انقطاع إجبارية، في المجال العام العراقي للفترة من عام 1932 حتى عام 1958. وابتداءً من ثلاثينيات القرن العشرين، نشر أعضاء جماعة الاهالي مقالات وافتتاحيات لا حصر لها تُشيد بفضائل الديمقراطية، ونظموا حملات ونشاطات عامة لجعل المبدأ الديمقراطي في متناول مدارك الجمهور. وقد أكّدوا على أهمية حقوق الإنسان، ومنح الحريات الأساسية، على شاكلة حرية الفكر والرأي والتعبير، والتحسر على غياب نظام انتخابي حر حقاً في العراق. ولذا تُشير نشاطات جميع هذه المجموعات في ثلاثينيات القرن العشرين إلى ان الحركات القومية المتطرفة المناهضة للديمقراطية في العراق قد لاقت مقاومة من معارضة عراقية ناشئة، ومع ذلك مؤثرة، تكونت في معظمها من مفكرين ذوي ميول يسارية وليبرالية.

نص وسياقه..
مقدمة في الاجتماع لعبد الفتاح إبراهيم
لإعطاء مثال عن جدالاتنا حول أهمية الأصوات الديمقراطية في العراق، أرغب الآن بالتحول إلى كتابات منظر عراقي من أكثر المنظرين أصالة، وهو عبدالفتاح إبراهيم، المولود في عام 1906 لأسرة سُنّية، وتلقى تعليمه في بغداد، حيث تخرج من المدرسة الثانوية في عام 1923. وإنضم لاحقاً إلى الجامعة الامريكية في بيروت، وحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ والعلوم السياسية (1924-1927). وقد واصل عبدالفتاح إبراهيم دراساته العليا في جامعة كولومبيا، حيث كان يعمل على إعداد اطروحة باشراف توماس باركر مون (ولم يستكمل إبراهيم هذه الاطروحة قط). ان عمل مون المؤثر عن الاستعمار هو الذي ترك تأثيره في وجهات نظر إبراهيم المتعلقة بالادوار التي لعبتها الرأسمالية الكونية في صياغة سياسة بريطانيا العظمى في الخليج خلال القرن التاسع عشر. وفي العراق، عمل إبراهيم مدرساً وكاتباً وصحفياً. وكان له دور رئيس في تأسيس جماعة الأهالي، حيث ساعد في صياعة بياناتها. وقد تولى إبراهيم تحرير الصحيفة التابعة للجماعة، الأهالي، وكانت له سلطة قيادية في مشروعين مهمين أقامتها الجماعة، نادي بغداد وجمعية مكافحة الأمية، التي كانت تهدف إلى توفير التعليم المجاني وزيادة وتائر معرفة القراءة والكتابة بين صفوف فلاحي البلاد. وكتب إبراهيم أيضاً برنامج الأهالي ذي المضمون الديمقراطي الاجتماعي، ويحمل عنوان "الشعبية". وعلى أية حال، ترك إبراهيم الأهالي بسبب اعتراضاته على دورها في انقلاب عام 1936. وبعد الحرب العالمية الثانية، أسس حزباً سياسياً سعى إلى نشر أفكاره الديمقراطية الاجتماعية، وكان منخرطاً في جمعية أدبية ودار للكتب ضمتا كُتّاباً ومنظرين بارزين. وكان الكتاب الملهم الذي كتبه عبد الفتاح إبراهيم المعنون "مقدمة في الاجتماع" (1939)، جولة فكرية غطت أعمال منظرين وعلماء اجتماع. وتمثلت الاطروحة الرئيسة في كتاب إبراهيم في ان الديمقراطية الاجتماعية تُعد الصيغة الفضلى للتنظيم السياسي في العالم الحديث. وجادل إبراهيم في ان مشاركة الفرد في العملية السياسية، وقدرته أو قدرتها على التأثير في طبيعة المجتمع، هي المؤشرات الأساسية التي تميز انتماء المرء إلى كيان وطني.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com