ذاكرة عراقية

 

ثـورة 14 تمـوز وحركــة 14 رمضـان رؤيـة بعـد (60)عامـاً

عدد المشاهدات   252
تاريخ النشر       05/12/2018 07:41 PM



الحلقة الاولى

زهير عبد الرزاق

1- نجحت ثورة (14 تموز 1958 ) بتغيير النظام السياسي في العراق من ملكي الى جمهوري .ويمكن اعتبار تلك الثورة انقلاباً عسكرياً من حيث التخطيط والتنفيذ , واختلف عن بقية الانقلابات بكونه حسم الموقف ببضع ساعات , وبسط سيطرته على العاصمة ( بغداد ) بدون مقاومة تذكر من قبل القطعات المكلفة بحماية النظام الملكي . فالسمة المميزة للانقلاب هي سرعة تحوله الى ثورة شعبية عارمة ,اذ تفاعلت الجماهير بعفوية مفرطه معه , واعلنت بالفعل والقول التفافها حوله.
2- قاد ثورة (14 تموز 1958 ) رجلان عسكريان هما ( الزعيم عبد الكريم قاسم آمر ل مش19 فق3) و ( العقيد الركن عبد السلام عارف آمر ف3 ل مش 20) . وبعد نجاح الحركة تقاسما المناصب المهمة والحساسة بينهما , فاصبح الاول رئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة ووزير للدفاع , وتسنم الثاني منصب وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء ونائب القائد العام . ولعبا دوراً مؤثراً في تاريخ العراق الحديث وتركا بصمة عميقة في الوجدان العراقي .
3- شُكل مجلس سيادة من عضوين ورئيس ( محاصصة ) يقوم بواجبات رئاسة الجمهورية ( تشريفي وبصلاحيات محدودة وهامشية ) .وكذلك شكل مجلس وزراء تالف من شخصيات مدنية وعسكرية معضمها محسوباً على مكونات جبهة الاتحاد الوطني ( أئتلفت عام 1957 وضمت احزاب وطنية وقومية تقدمية وانفرطت بعد نجاح ثورة تموز ) وبالأضافة الى شخصيات مستقلة . لم يُشكل حينها مجلس لقيادة الثورة ( الذي كان من المفترض ان يضم الهيئة / اللجنة العليا للضباط الاحرار مضاف اليهم بعض الضباط من منفذي الثورة ) لضمان تحقيق القيادة الجماعية في ادارة دفة الحكم .
4- نشب خلاف بين قائدي الثورة بعد ( سبعة أيام ) من نجاحها وأنتهى بأقصاء الرجل الثاني عن السلطة بعد (سبعون يوماً) . وأحيل الى المحكمة العسكرية العيا الخاصة ( محكمة الشعب ) , وحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت ولم ينفذ به الحكم وقتذاك , وأطلق سراحه من السجن بعد مرور ثلاث سنوات تقريباً .
5- هيمن ( الزعيم الركن عبد الكريم قاسم ) على مجلس الوزراء ومسك مقاليد السلطة بين قبضتيه, وبدأ بإصدار القرارات المهمة منفرداً وحتى دون الرجوع الى مجلس الوزراء في اغلب الأحيان .ان سبب تباين وجهات النظر بين العسكريين مرده عدم الانسجام الفكري بينهم , وقد أَجج اللاتجانس  نشوب خلاف أدى الى عدم وضوح الرؤيا لما هو ممكن التحقيق وما هو طموح مستقبلي يقتضي التمهيد له عبر مراحل مدروسة ( خاصة قضية الوحدة الفورية الاندماجية مع الجمهورية العربية المتحدة التي دعى اليها عبد السلام عارف وبقية الضباط القوميين .وبالمقابل الشعار الذي اطلقته قوى اليسار – أتحاد فدرالي وصداقة سوفيتية ) .
6- قدم ستة وزراء محسوبين على القوى القومية والمستقلين استقالتهم من الوزارة بعد مرور ستة اشهر من تشكيلها , وأدت الاستقالة الى اشتداد توتر الوضع الداخلي وحدوث مصادمات بين القوى السياسية المتصارعة في العديد من المدن العراقية وزيادة نسبة الأعتقالات بين صفوفهم . فحصلت قطيعة بين رئيس الوزراء وتلك القوى , مما اضطره الى الاصطفاف مع قوى اخرى مضادة لها . وبالنتيجة ضيع ( الزعيم عبد الكريم ) ميزة التوازن بين القوى السياسية المختلفة , وتخلى عن سياسة مسك العصى من الوسط .
7- أن أبرز افرازات المرحلة الحرجة من عمر (ثورة تموز) هو ما حصل من صراع عنيف بين اهالي مدينة (الموصل) والمواطنين الوافدين اليها من المحافظات الاخرى والمشاركين بتجمع مؤتمر انصار السلام يومي ( 6, 7 اذار 1959) , والتي أفضت الى اعمال عنف اودت بحياة العشرات من كلا الطرفين . وبأثره حدث تمرد / عصيان يوم (8 اذار) من قبل ( ل مش5 فق2 ) آمره العقيد الركن عبد الوهاب الشواف ( وهو من قدماء الضباط الاحرار وذو توجه سياسي وطني يساري ). وقضي على التمرد صباح يوم (9 اذار ) بعد مقتل (الشواف) بضربة جوية على مقره .فعمت فوضى عارمة في مدينة (الموصل) وأستبيحت طيلة ثلاثة ايام , فحصلت خلالها حوادث مأساوية مؤلمة لأغلب مواطنيها في تلك الفترة .
8-  أحيل الضباط المشاركون بحركة التمرد اضافة الى بعض الضباط المشتبه بهم الى ( محكمة الشعب ) , وصدرت قرارات حكم الإعدام رمياً بالرصاص على أغلبهم . ونفذ الأعدام في ميدان رمي ام الطبول ( جامع ام الطبول حالياً ) على وجبات , وكانت آخر وجبة نهاية ( شهر ايلول 1959 ) بضمنهم ( العميد الركن ناظم الطبقجلي ) قائد فق مش2 ومقرها في كركوك ( وهو من الضباط الاحرار) . وكذلك ( العقيد رفعت الحاج سري ) مدير الاستخبارات العسكرية ( وهو من اوائل الضباط الناشطين في حركة  الضباط الاحرار منذ عام 1952 ). وبذلت جهود كبيرة من أطراف داخلية وخارجية من اجل عدم تنفيذ أحكام الأعدام بالضباط الاحرار المساهمين بالتمهيد لثورة ( 14 تموز 1958 ) ولكن بدون فائدة .
9- التهب الوضع الداخلي المتأزم أصلاً ,  وتأججت مشاعر الغضب لدى القوى القومية والاسلامية والمستقلين نتيجة ما حصل آنفاً . ومن مظاهر الاحتقان الاحداث المؤسفة التي حصلت في مدينة ( كركوك ) عند احتفال اهلها بذكرى مرور عام على قيام (ثورة تموز ) وتعرض بعض شخصياتها الى مجزرة وقتل خلالها اكثر من ثلاثين مواطن من طيف واحد , وسحلت جثثهم بالحبال وألقيت على مكبات المزابل .
10- تسارعت الاحداث وأخذت مساراً خطيراً , اذ قررت ( القيادة القطرية – امين سرها فؤاد الركابي) الاقدام على تنفيذ عملية أغتيال ( اللواء الركن عبد الكريم قاسم ) يوم ( 7 ت1 1959 ), انتقاماً منه حيث اعتبر من قبلهم بأنه كان سبب سقوط ضحايا مدينتي ( الموصل وكركوك ) ، وبالإضافة الى اعدام بعض الضباط الاحرار اللذين لم تكن ادانتهم دامغة خلال المحاكمة ( حسب زعمهم ) . فوقع الأختيار على محلة رأس القرية ( عقد النصارى / الراهبات ) في شارع الرشيد المزدحم بالسيارات والمارة لتنفيذ عملية الاغتيال . وعند وصول سيارة رئيس الوزراء نوع ( شيفرولت – ستيشن موديل 1958 ) الى موقع التنفيذ تعرضت الى اطلاق وابل كثيف من الرصاص , وقٌتل على أثرها سائق السيارة وأصيب الضابط المرافق له بعدة اطلاقات أفقدته الوعي . وسقط ( ل. ر عبد الكريم ) أسفل المقعد الخلفي مضرجاً بدمائه, واعتقد المهاجمون بانه قتل فأنسحبوا من مسرح العملية الى الوكر المخصص لهم, وتماثل للشفاء بعد مرور شهرين , وأٌلقى القبض على بعض المخططين والمنفذين وفر الأخرون الى خارج البلد .
11- تفتت (جبهة الاتحاد الوطني) وتناحرت الاحزاب السياسية وتصدعت العلاقات بين اطياف الشعب العراقي . ومارس الحزب المسيطر على الشارع حينذاك الأضطهاد ضد المخالفين لهم بالرأي والموقف طيلة السنتين الاولى من عمر جمهورية تموز, وبواسطة منظمة شبه عسكرية ( المقاومة الشعبية ) ولجان الدفاع عن سلامة الجمهورية المتغلغلة في دوائر الدولة المختلفة, وبالأضافة الى منظمات واجهية اخرى ( فعل الطرف الاخر مثلما فعل الطرف المسيطر حينها واكثر عندما تسلم زمام الامور اذ قمع اصحاب الرأي المخالف له وبدون استثناء كرد فعل عنيف على ما جرى قبلها , وبدون الأخذ بمبدأ التسامح والمصالحة والتعاون لبناء البلد وتطوره , فاستمر حمام الدم ولا زال ).
12- أضرب عمال شركة الدخان العراقية الواقعة في محلة ( العبخانة ) أواخر (عام 1960 ) بسبب تسريح عمال دون سبب موجب, وتحميل الباقون خسارة تقدر بـ ( 25% ) من اجورهم اليومية ,وكان رد فعل الاجهزة الامنية ومنتسبي آمرية الانضباط العسكري عنيفاً , وقتل بعض العمال وأعتقل العديد منهم . وقمعت بشدة المظاهرات المؤيدة للمضربين في شارع الرشيد . واعقبها اعلان سائقو سيارات الأجرة أضرابهم يوم (27 اذار 1961) اثر قرار الحكومة برفع سعر مادة البنزين, واصطدمت الاجهزة الأمنية معهم وقتل ما يقارب عشرة اشخاص, وأكثر من مائة جريح وعشرات المعتقلين من السواقين المضربين والمؤيدين لهم .
13- تفجر القتال شمالي العراق بين قوات الجيش العراقي ومقاتلي الحركة الكردية نهاية ( شهر ايلول 1961) . واستمر نزيف الدم وهدر الاموال وتدمير القرى وتهجير سكانها , فأضطرب الوضع السياسي والاقتصادي, و مارست الأجهزة الأمنية اجراءات قمع , واعتقال مؤيدي حزبي (البارتي والشيوعي) بسب المظاهرات المنظمة التي اندلعت في العاصمة وبعض المحافظات الاخرى , والتي رفعت شعار ( السلم في كردستان والديمقراطية للعراق ). وادت تلك الاحداث بمجملها الى خلق أعداء جدد للنظام اضافة الى اللأعداء التقليدين .
14- وَقعت ( أمارة الكويت ) أتفقاً مع (بريطانيا )لأنها الحماية عليها يوم ( 19 حزيران 1961) . فأعلن ( ل .ر عبد الكريم ) في مؤتمر صحفي يوم (25 حزيران 1961) ان (العراق) يعتبر ( الكويت ) قضاء تابع الى متصرفيه / محافظة (البصرة) . وعلى أثر ذلك التصريح عادت القوات البريطانية الى أمارة (الكويت) لحمايتها حسب اتفاقية الدفاع المشترك. وأعقبها انسحاب (العراق) من عضوية جامعة الدول العربية كرد فعل على اعترافها بدولة (الكويت), مما أدى الى تدهور علاقة العراق عربياً واقليمياً ودولياً . وحصل انقلاب عسكري في سوريا يوم ( 28 ايلول 1961 ) وقرر الأنقلابيون انفصال سوريه عن مصر (سبق وأن أتحد القطرين بداية عام 1958 تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة ). فسارع ( ل. ر عبد الكريم) الى الاعتراف بالحكومة السوريه الجديدة, وسعى الى دعمها ومساندتها مما زاد من عزلة (العراق) عن محيطه العربي .
15- حَصل شجار بين بعض طلبة الثانوية الشرقية في منطقة الكرادة الشرقية نتيجة الأحتقان السياسي الداخلي وتدخلت على اثره مفرزة الانضباط العسكري المرابطة امام باب المدرسة  لحسم الخلاف لصالح طرف معين, مما صعد الموقف وعقده وأعلن طلبه الثانوية الشرقية الاضراب عن مواصلة الدراسة . فاندلع اضراب الطلبة بداية ( شهر ك1 1962) وشمل مدينة بغداد وبعض المحافظات الاخرى بدعوى أنتهاك حرمة المؤسسات التعليمية .
16- يتفقٌ بالرأي اغلب المواطنين العراقيين على أن (الزعيم عبد الكريم قاسم ) رجل يتصف بكونه ( نزيه, عفيف اليد واللسان , شجاع ,تقدمي, مخلص للعراق ), ولديه مشروع وطني عمل على تنفيذه , ألا أن وسائل تحقيقه لأهدافه غير موفقة . وأن تجربة ( الزعيم عبد الكريم ) في الحياة اقتصرت على الشأن العسكري وبجدارة, ولكنه  لا يمتلك الخبرة الكافية لإدارة شؤون البلد بفكر سياسي مؤهل . فوضع نفسه فوق الخلافات العقائدية وحاول أن يٌحرض فئة على اخرى وراهن على استنزاف قوى الاطراف المتضادة . ولم يكن ( الزعيم عبد الكريم ) رجل دولة ناجح ( ينطبق ذلك على كل من جاء بعده وتحمل مسؤولية ادارة البلد ولحد الان ) . وحصلت منجزات كبيرة وعديدة خلال فترة حكمه اسهمت في تحرير البلد وتقدمه . ولكن السياسات الداخلية والخارجية غير المدروسة والمبنية على ردود افعال فردية ومزاجية اتبعها ( الزعيم عبد الكريم ) طيلة فترة حكمه . ومما أدى الى تخلِ قطاع عريض من المواطنين عنه, فمهد وسهل سقوط النظام القائم حينها بسرعة .

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com