ملفات وقضايا

 

صراع الهويات في العراق كانت القومية نتاج التطورات الاجتماعية التي بدأت في مطلع فترة أوروبا الحديثة وتواصلت حتى القرن العشرين

عدد المشاهدات   807
تاريخ النشر       05/12/2018 08:03 PM


 أماتزيا بارا  -  أكيم رود    
تحرير :رونين زيدل / ترجمة: مصطفى نعمان أحمد

 

 

كانَ الكتاب الملهم الذي كتبه عبد الفتاح إبراهيم المعنون "مقدمة في الاجتماع" (1939)، جولة فكرية غطت أعمال منظرين وعلماء اجتماع. وتمثلت الاطروحة الرئيسة في كتاب إبراهيم في ان الديمقراطية الاجتماعية تُعد الصيغة الفضلى للتنظيم السياسي في العالم الحديث. وجادل إبراهيم في ان مشاركة الفرد في العملية السياسية، وقدرته أو قدرتها على التأثير في طبيعة المجتمع، هي المؤشرات الأساسية التي تميز انتماء المرء إلى كيان وطني. وحاول إبراهيم، بطريقة ما، ان يسأل ويُجيب، على سؤال ارنست رينان المهم "ماهي الأمة؟" وقد إدعى ان الأواصر الاجتماعية قد بدأت في مجتمعات بدائية وكانت ترتكز على القبلية. وأمست البنى السياسية أكثر تعقيداً بالانتقال من مرحلة الصيد إلى الرعي، وعلى نحوٍ أعمق، بدخول رأس المال. ولاحظ إبراهيم تطور (المدينة-الدولة) بوصفها وحدة اجتماعية سياسية واجتماعية ثقافية، حيث عمد إلى توثيق تناميها في سومر، وأكد، واليونان القديمة، وكان هذا التطور مرتبطاً ببزوغ أديان معينة، حيث كان لكل (مدينة-دولة) آلهتها الخاصة بها. وقد انبثق التوحيد في الفترة نفسها أيضاً، وبالمقابل بزغت امبراطوريات في الشرق الأوسط دمجت شعوباً وقبائل عدة ارتكزت قوتها على رأس المال والرق. وقد أفضت الطبيعة المتعددة الأعراق لامبراطوريات كهذه والنقد الموجه للرق إلى الايمان برب كلي واحد. وفي عالم القرون الوسطى، حيث بقيت الامبراطوريات المتعددة الاعراق متعايشة، فقد تنامت هذه الايديولوجية وأفضت إلى خلافات بين الشعوب بالاستناد إلى التمايزات الدينية والدوغمائية (العقائدية)، بدلاً من الانتماءات القومية والقبلية. وكان العدو هو المؤمن بعقيدة دينية أخرى، ولذا عُدَّ هذا العدو مُنشقاً عن العقيدة الحقة والكافر.وكانت القومية نتاج التطورات الاجتماعية التي بدأت في مطلع فترة اوربا الحديثة وتواصلت حتى القرن العشرين. ان التغييرات في طبيعة الاقتصاد الكوني- التحول إلى الاسواق الرأسمالية وبزوغ الطبقات الوسطى، واختراع الطباعة، وتطور اللغات القومية وآدابها، والاكتشافات الجغرافية التي أفضت إلى التنافس والاستعمار الاقتصاديين- كانت قد حجمت من سلطات الملوك الاوربيين، ودمرت النظام الاقطاعي، وقلصت من السيطرة البابوية. وكانت القومية فلسفة وصيغة للوعي الاجتماعي قدمت أواصر اجتماعية جديدة بين الأفراد في مجتمع ما. وعلى الرغم من تأثر القومية بالممارسات الثقافية والاجتماعية، فقد حددت الأواصر بين الشعب نفسه الذي صاغ البنى الاجتماعية والسياسية نفسها لكيان سياسي ذي سيادة ضمن حدود معترف بها. وتمثلت أهداف الكيان القومي في ضمان حقوق الأفراد وحرياتهم. وبالنسبة لإبراهيم، فان القومية قد تكون بنّاءة وهدامة. فثمة صيغة هدامة للقومية استندت إلى الاستغلال، وذلك بمنح امتياز لطبقة على طبقة أخرى، أو ببناء قوة للأمة تستند إلى الاستعمار، أو بدعم حاكم طاغية، اما ضمن حدود الأمة- الدولة أو خارجها في الأراضي المستعمرة (بفتح الميم- المترجم). وقد شعر إبراهيم أنه في الوقت الحاضر، يتمثل الخطر الأكبر أمام الديمقراطية في الفاشية، التي مثلت نوعاً جديداً من النظام الذي تتواجد في صميمه قيادة تضع نفسها فوق القانون. وعلى أية حال، تتلخص القومية الايجابية بوجود نظام يستند إلى الديمقراطية، وهي نظام سياسي يسمح لأحزاب سياسية منتخبة بحل الصراعات ضمن الدولة. وقد أكّد إبراهيم ان التعددية كانت أمراً أساسياً للمجتمع عموماً و لأمة- دولة  خصوصاً. وثمة أمة بالمعنى الايجابي كفلت العدل الاجتماعي وحقوق العمل، وتولت حماية الحريات الأساسية على شاكلة حرية الفكر والرأي والتعبير وسمحت بمشاركة الشعب في عملية صناعة القرار. وبوصفه اشتراكياً، فقد اعتقد ان الدولة ينبغي ان تحوز على دور رئيس في الاقتصاد ودعم المشروعات الثقافية، ومع ذلك، فقد أكّد ان هذه الأمور بالامكان تحقيقها من دون منح حريات ديمقراطية كاملة للمواطنين أو تعزيز نظام متعدد الأحزاب. ويفترض إبراهيم ان الأمم الديمقراطية، على الرغم من الاختلافات العرقية واللغوية بينها، نجحت في صياغة وعي مدني جمعي، بما ان مواطنيها قد شعروا بأنهم يحوزون على حصة في حاضر الأمة ومستقبلها. ومن ناحية أخرى، شعر إبراهيم ان الدول السلطوية على شاكلة روسيا القيصرية، أو إمبراطورية النمسا- المجر، أو الامبراطورية العثمانية لم يكن بمقدورها النجاح في خلق وعي مميز بين رعاياها لأنها لم تكن تستند إلى اجماع ومشاركة ديمقراطيين. وشأنها شأن القومية، كانت الديمقراطية ظاهرة حديثة تدين بوجودها للفرنسيين وللثورات الصناعية وللتعليم الجماهيري. وبينما كان الاغريق والرومان والعرب منشغلين بفكرة السياسة، التي تعني إدارة شؤون الدولة، فان العلوم الاجتماعية قدمت تعريفات مختلفة للدولة، عكست التغييرات الحاصلة في العالم الحديث. وقد يسّرت هذه التغييرات ظهور القومية والنظرية الديمقراطية بالمعنى الأوسع لمصطلح النظرية الديمقراطية. وقد ربطت الاتصالات ومعرفة القراءة والكتابة، التي تحققت عبر التعليم الجماهيري، أجزاءاً مختلفة من الأمة وزادت من انخراط الفرد في المجتمع. وعلى أية حال، فان الانظمة الديمقراطية التي أعقبت الثورة الصناعية لم تكن ديمقراطية بالمعنى الكامل، لأنها تشكّلت على أساس الانكار لحقوق العمال وإنتاج رأس المال عبر المشروع الاستعماري. وعلى الرغم من ذلك، كان إبراهيم حذراً حين لاحظ ان الكفاح من أجل نيل الحقوق الذي قامت به منظمات عمالية لم يعرّض للخطر المبدأ القومي، على نحوٍ رئيس لأنَّ معظم النقابات العمالية كانت تكافح، في واقع الأمر، من أجل حيازة أساليب للانتاج تخضع لسيطرة الأمة-الدولة. وأمسى المواطنون مرتبطين ارتباطاً قوياً بأمتهم من خلال مشاركتهم السياسية، ووعيهم الاجتماعي ورغبتهم الطوعية بالانخراط في الأمة- الدولة. وعلى أية حال، عدَّ إبراهيم الإطار القومي واللغة والثقافة بوصفها عوامل أقل أهمية في تكوين الأمة. وكانت الهوية العرقية غير مهمة لأنَّ نوعاً من الاثنيات بإمكانها ان تطور ولاءً للإقليم نفسه، كما كان قد حدث في الولايات المتحدة الامريكية. وكان نقد إبراهيم للقومية العرقية مندمجاً في إطار نقد أكثر عمومية لنظريات التفوق العرقي في المانيا النازية والولايات المتحدة الامريكية (في إشارة إلى نظريات علماء تحسين النسل والمؤمنين بالتفوق العرقي). وخضعت العوامل الثقافية على نحوٍ مشابه للدراسة لأنَّ الثقافات تتغير بمرور الوقت. فعلى سبيل المثال، أظهر إبراهيم أنه على الرغم من أن الالمان يفخرون حالياً بتفوقهم الثقافي والعرقي، فان الرومان قد نظروا إليهم منذُ قرون خلت على أنهم برابرة، بالطريقة نفسها التي ينظر فيها الالمان المعاصرون إلى السود. ولذا ينبغي عزو نوع الثقافات في هذا العالم إلى احتياجات الشعب ووسائل الانتاج في مجتمع معين ، وليس إلى المميزات العرقية والثقافية واللغوية، التي بقيت بطريقة أو بأخرى مرنة أمام التغيير الاجتماعي السياسي وهي تحدد طبيعة الأمة.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com