ذاكرة عراقية

 

ثـورة 14 تمـوز وحركــة 14 رمضـان رؤيـة بعـد (60) عامـاً

عدد المشاهدات   353
تاريخ النشر       08/12/2018 10:17 PM



الحلقة الثانية والاخيرة

زهير عبد الرزاق

17- توصلت ( القيادة القطرية – امين سرها علي صالح السعدي ) ومكتبها العسكري اضافة الى الجناح العسكري للقوى القومية بداية (عام 1962) الى قرار حاسم , بانه لا بد من القيام بعمل عسكري موحد ضد النظام القائم وقتها . فشكلت لجنة مشتركة تضم عشرة ضباط ( يحملون رُتب مقدم و عقيد وبعضهم متقاعد ) , وبعد عدة لقاءات اختلفوا فيما بينهم على بعض التفاصيل التنظيمية, فأنقسموا الى لجنتين تتبنى كل واحدة منها السعي للقيام بانقلاب عسكري . وُعقد اتفاق مبدئي على تأييد ودعم بعضهما للأخر عند نجاحه في مسعاه ( ذلك ما حصل بالفعل ) .
18- تَوخى الأنقلابيون في خطتهم تامين مبدأ ( المباغته ) , فاختاروا اليوم والتوقيت والسلاح المناسب ونجحوا في مفاجئة أجهزة النظام حينها , ونفذوا حركتهم في (الساعة لتاسعة من صباح يوم الجمعة 8 شباط 1963 المصادف يوم14 رمضان 1382هـ ) . ويكون اغلب العسكريين والمدنيين نائمين في بيوتهم وبحالة استرخاء, ومن المستبعد توقع حدوث حركة انقلابية بذلك التوقيت , ( كان عاملاً حاسماً في نجاح الحركة الانقلابية ) .
19- أعتمدت خطة الانقلابين على تعاون الطائرة والدبابة ولجان الانذار الحزبية ( نواة تشكيل الحرس القومي ) في تنفيذ الحركة . أذ نجحت (القيادة القطرية ) بأستثمار جهود التنظيمات الحزبية ( فرع بغداد ) بتشكيل لجان  للتعويض عن نقص عناصر المشاة الضرورية جداً في تنفيذ العملية . وبسطت  سيطرتها على بعض الشوارع الرئيسة والساحات العامة والجسور المهمة بوقت مبكر من (يوم الجمعة 8 شباط) تحت غطاء اداء صلاة الفجر. وبالإضافة الى تامين تنقل ودلاله وتجهيز اسلحة خفيفة للضباط المشاركين بالعملية (لا يتجاوز عددهم عن اربعين ضابط معظمهم من صغار الرتب وبعضهم متقاعد من رتب اعلى ).وتسلل الضباط الى ثكنة كتيبة الدبابات الرابعة (وهي مجهزة بخمسة وثلاثون دبابة تي 54 روسية الصنع ), والواقعة في معسكر ابو غريب وآمرها ( المقدم الركن خالد مكي الهاشمي ). وبذل المشاركون بالحركة جهود مضنية بإكمال نواقص الدبابات الفارغة من الماء والوقود والعتاد, وتنظيف مدافعها ( عيار 100 ملم ) من مادة الشحم .
وحلقت فوق اجواء  المعسكر في ( الساعة التاسعة صباح يوم الجمعة 8 شباط ) طارئتين نوع ( هوكرهنتر بريطانية الصنع ) وطائرة (ميك 17 روسية الصنع ) قادمة من قاعدة الحبانية الجوية , وهي الاشارة المتفق عليها للمباشرة بالتنفيذ ( ساعة الصفر ) .
20- أصدر العميد ( العقيد المتقاعد  احمد حسن البكر) الذي كان مقره في ثكنه ( ك دب4 ) حينذاك اوامره بحركة الدبابات التي أكملت نواقصها ( بعد تزويدها بالعتاد الثقيل والمتوسط من مخازن عتاد ابو غريب ) بأتجاه أهدافها المحددة . وتبليغ المشاركين بكلمة السر والمرور ( رمضان مبارك ) لتجنب اعتراضهم او اصطدامهم مع لجان الانذار ( حرس قومي ). وصل رعيل (ثلاث دبابات ) الى محطة مراسلات ابو غريب اللاسلكية صحبة عضوين من القيادة القطرية وأعضاء من المكتب العسكري . وأذيع البيان الاول من قبل ( حازم جواد نائب امين سر القيادة القطرية ) بعد الساعة التاسعة من صباح نفس اليوم .وانطلقت بقية الدبابات الصالحة للعمل بشكل ارتال منفردة لا تزيد عن (رعيل دبابات) , فسيطرت أحد الأرتال على محطة الاذاعة والتلفزيون في منطقة الصالحية رافقها عناصر قيادية عسكرية. والتي أصبحت فيما بعد مقراً للمجلس الوطني لقيادة الثورة بعد التحاق بقية أعضاء القيادة وبضمنهم ( العميد البكر ) .
ووصل رتل اخر الى معسكر الرشيد حيث يوجد ( ل مش 19 ناقص فوج ) وكتيبتي دبابات سنتورين وقاعدة الرشيد الجوية ( يوجد فيها اكثر من عشر طائرات ميك 19 حديثة روسية الصنع وطياريها من المؤيدين للنظام القائم ). واقترب رعيلي دبابات من موقع وزارة الدفاع ( باب المعظم – الميدان ) من اتجاهين مختلفين . فباشرت الطائرات الثلاث المحلقة فوق اجواء العاصمة بغداد بقصف مدرج مطار الرشيد , ومنع الطائرات الموجودة فيه من التدخل بمعركة  وزارة الدفاع وشيكة الوقوع , وبعدها ركزت قصفها على الاهداف المهمة في ثكنة الدفاع.
21- بات ( ف.ر عبد الكريم قاسم ) ليلة ( 7/8 شباط 1963 ) في الدار المؤجرة بمنطقة العلوية قرب شارع النضال , وبعد الساعة التاسعة من صباح ( يوم 8 شباط ) صحى من نومه على صوت قصف الطائرات لقاعدة الرشيد الجوية , وسمع البيان الاول للانقلاب الذي أذيع من مراسلات أبو غريب . كانت رغبة ( الفريق الركن عبد الكريم قاسم ) التوجه الى معسكر الرشيد ليقود ( ل مش19 وكتيبتي دبابات ) لمقاتلة الانقلابين أينما وجدوا ( وهو قرار صائب جداً ). ولكن مشورة ( العميد الركن طه الشيخ احمد – مدير الخطط والحركات ) المقنعة أغرته بالذهاب الى ثكنة وزارة الدفاع (لكونها محصنة جيداً وتتوفر فيها اسلحة ضد الطائرات والدبابات وفوج مشاة وآمريه الانضباط العسكري ) وبالإضافة الى تسهيلات القيادة والسيطرة .
22- كان الهدف الاساسي للانقلابين هو جعل ( ف.ر عبد الكريم ) يدخل وزارة الدفاع ليسهل تطويقه ويكون سندان لمطارقهم .فدخل ومن معه الى ثكنه بعد ( الساعة العاشرة من صباح يوم 8 شباط ) , وبعد اطلاعه على المعلومات التي توفرت عن الموقف العام , باشر الاتصال بمقر ( ل مش19) الموجود في معسكر الرشيد وأصدر أمره بحركته الى وزارة الدفاع ولكن بدون نتيجة , وبالوقت نفسه تعطلت قاعدة الرشيد الجوية عن العمل بعد قصفها . لقد استبسلت القطعات الموجودة داخل ثكنة الدفاع وقاتلت بكفاءة ومعنويات عالية , واصابة احدى الطائرات القاصفة ودمرت دبابتين ومنعتهما من اختراق السياج الخارجي للثكنة واعطبت اربعة دبابات اخرى وتراجعت الى الوراء .
23- تضاعف القصف الجوي بمرور الوقت بعد تزايد عدد الطائرات المغيرة بسبب سيطرة الانقلابين على قاعدة كركوك الجوية. وتحرك ( ل مش8 الالي ) من معسكر ( الورار – غرب الفرات ) بعد سيطرة الانقلابين عليه, حيث وصل (بغداد) بعد ( الساعة الرابعة من عصر يوم 8 شباط ) , وتوجه فوج نحو وزارة الدفاع وفوجان توجها الى مدينة (الكاظمية) , وقمع الانتفاضة المسلحة التي اندلعت فيها . واستمرت دبابات الانقلابين بالتقاطر الى ثكنة الدفاع من معسكري ( ابوغريب والرشيد ) وأحكمت تطويقها للمنطقة . وبقى الاسد الهصور حبيس عرينه يتشبث لكسر الطوق بلا جدوى , وبذلك حقق الانقلابيون هدفهم بنجاح الكمين الذي خططوا له مسبقاً .
24- ترك ( ف.ر عبد الكريم ) مقره بعد اشتداد القصف الجوي وانتقل الى آمريه الانضباط العسكري حيث مقر العميد عبد الكريم الجدة ( قاتل بشجاعة متناهية حتى خر صريعاً على متراس خندقه والغدارة بين يديه , وقاتل العقيد وصفي طاهر المرافق الاقدم لرئيس الوزراء حتى الرمق الاخير ).و انتقل ( ف.ر عبد الكريم ) الى قاعة الشعب الشتوية ( المجاورة لجامع الازبك ) والمطلة على ساحة باب المعظم من خلال ممر يؤدي اليها . وبقى (ف.ر عبد الكريم ) طيلة ( ليلة 8/9 شباط ) دون مبادرة تذكر ( ان الثقة العالية بالنفس , ووضع الثقة بالأخرين دون تدقيق , والاستهانة بالخطر المحدق تؤدي في النهاية الى التهلكة حتماً ).   
25- اتصل ( ف. ر عبد الكريم ) هاتفياً بقيادة الانقلاب في بناية الاذاعة والتلفزيون وتم الاتفاق على تسليم نفسه ومن معه ( صباح يوم 9 شباط ) بشرط المحافظة على حياتهم وتسفيرهم الى خارج العراق .
ونقل ( ف. ر عبد الكريم ) والموجودين معه ( خمس ضباط ) بواسطة مدرعتين, وعند دخولهم محطة الاذاعة جرى نقاش عشوائي وجدل عقيم مع قادة الانقلاب بعد تخليهم عن الوعد الذي قطعوه , فطلب ( عبد الكريم قاسم ) بمحاكمة قانونية عادلة كما فعل معهم سابقاً . فكانت النتيجة حكم القوي على الضعيف الذي تمخض عن اطلاق رصاصات غادرة ضد أسرى عزل دون رحمة ولا حرمه ( واستمرت السلطة الجديدة على نهجها الدموي طيلة تسعة اشهر مدة حكمهم ).
26- أجرت ( القيادة القطرية ) تقدير موقف حيال ردود افعال ( اللجنة المركزية – سكرتيرها سلام عادل / حسين الرضي ) قبل تنفيذ حركتهم , فتوصلت الى نتيجة اما أنها ستقف على الحياد ( يوم 8 شباط ) , او تنظم مظاهرات سلمية تستنكر وقوع الانقلاب .وتبدأ بعدها التفاهمات والمفاوضات , وقد تنتهي بمطلب محدد المشاركة في ادارة السلطة الجديدة . وبنيت تلك الحسابات على أساس ان العلاقة بين ( ف.ر عبد الكريم ) واللجنة المركزية متدهورة وقتذاك . ولكن قيادة الانقلاب تفاجئت بردود افعال عنيفة ومقاومة مسلحة واصطفاف مع ( ف.ر عبد الكريم ) في خندق واحد , (لقد أضاع عبد الكريم فرصة استثمار تلك القوة الفاعلة والمؤثرة في الشارع للقيام بردة فعل مضادة للحركة الانقلابية) , فكان ذلك احد اسباب سقوط نظامه.
27- تَوهم ( العميد احمد حسن البكر ) الذي ادار العمل العسكري لحركة ( 8 شباط 1963 ) من خلال اللجنة العسكرية الاستشارية ( تضم ضباط حزبين برتب اعلى مضاف اليهم اعضاء المكتب العسكري ) وتحت اشراف وتوجيه القيادة القطرية , وذلك عندما اطلق عبارة ( 14 رمضان عروس الثورات ) , وعلى اساس أن الحركة قد تمت بتعاون التنظيم المدني والعسكري فأبعد عنها صفة الانقلاب . أن ( انقلاب 8 شباط ) كان حركة ثأرية انتقامية مجردة من كل الاهداف السياسية الوطنية والقومية التقدمية ,وكان هدفها الاساسي الاقتصاص من الاخرين على ما جرى خلال الاربع سنوات والنصف فترة حكم ( ف. ر عبد الكريم قاسم).
28- تطلع العراقيون الى ( الزعيم عبد الكريم قاسم ) بأن يلتزم بالوعود التي قطعها على نفسه خلال خطاباته العديدة , وعلى وجه التحديد عدم التجاوز على فترة المرحلة الانتقالية التي حددها بسنتين , وأجراء انتخابات برلمانية يختار فيها الشعب ممثليه , ويستلم السياسيين المؤهلين ادارة دفة الحكم . فيتنحى عن السلطة ويعود الى ممارسة مهنته التي يعشقها , او يتقاعد من الخدمة العسكرية ليشارك بالحياة السياسية ان رغب بذلك , ونجاحه مضمون لتمتعه  بقاعدة شعبية عريضة وقتذاك .
29- رغب العراقيون من ( الزعيم عبد الكريم ) الاقدام على نفس خطوة ( اللواء عبد الرحمن سوار الذهب ) رئيس اركان الجيش السوداني الذي قاد انقلاباً عسكرياً ضد الرئيس السوداني ( الفريق جعفر نميري ) , وبعد مضي (سنة واحدة) سلم الحكم الى السياسيين المخضرمين بموجب الاتفاق معهم , وعاد ( لواء سوار الذهب  ) الى مزاولة مهنته العسكرية , ثم مارس انشطة وفعاليات ثقافية واجتماعية خدم فيها الأخرين . لو أتبع ( ف. ر عبد الكريم ) نفس خطوة رئيس جمهورية تشيلي المنتخب ( سلفادور الليندي ) , والذي حمل السلاح وواجه الانقلاب العسكري الفاشستي بقيادة ( الجنرال بينوشيت ), وسقط مضرجاً بدمائه على ارض باحة القصر الرئاسي , فقدم درساً بليغاً بوجود من يضحي بحياته دفاعاً عن العدالة والشرعية والنظام الديمقراطي . هناك موقف أخر جدير بان يٌحتذى هو ما قام به ( باترس لومومبا ) رئيس وزارء (الكونغو) المنتخب, والذي رفض الانصياع لرغبات الانقلابين المدعومين من دول الاحتكار , فخر صريعاً برصاصهم بكل شجاعة وآباء .
30- تمنى العراقيون من ( ف.ر عبد الكريم ) أن يتجنب الموقف الذي وضع نفسه فيه عند قبوله التسليم للانقلابين , وهو مختبأ في قاعة الشعب دون محاولة القيام بعمل جريء للتملص من الموقف المحرج الذي كان فيه, بالاستفادة من ستر ظلام الليل دون المراهنة على مفاجئات الساعات الاخيرة واحتمالات تبدل الموقف لصالحه , وليس انتظار تصفيته غدراً بمحاكمة هزيلة ومهزلة لم تستغرق اكثر من نصف ساعة من ظهر ( يوم 9 شباط ) , وهو صائم يطلب  جرعة  ماء ليبل ريقه . والادهى والامر من ذلك كله لم يحصل ( نصير الفقراء والكادحين ) , واحد ابطال حرب فلسطين ( 1948 – 1949 ) على رمسٍ يحتضن جسده المطرز برصاص الغدر, وأستقرت جثته في قعر نهر ديالى عند قرية الرستمية .
فضاقت به الارض الرحبة على وسعها ورفرفت روحه وسمت الى بارئها , وهي تشكو ظلم الانسان لأخيه الانسان ( عاش ومات ف.ر عبد الكريم قاسم وهو يرتدي البزة العسكرية الخاكي خالِ الوفاض لا مال ولا بنون ولا قبر يٌزار) . فقد مرت خمسة وخمسون عاماً +على ذكرى رحيله ولا زالت ذكراه عالقة في ذاكرة العراقيين يتذكرون منجزاته الشامخة.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com