ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق المعاصر/ العهد الملكي استفاد بيرسي كوكس من مرض الملك فيصل ليقوم بحظر أنشطة الأحــزاب المتشــددة وغلق الصحف الأكثر تعبيراً عن المعارضة

عدد المشاهدات   462
تاريخ النشر       06/01/2019 08:25 PM


د. فيبي مار
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


مِن المثير بمكان تخمين إمكانية إقامة دولة كردية قابلة للبقاء في 1923. وما من شك أن الولاءات العشائرية كانت أقوى بكثير من القومية الكردية؛ وأن ثمة قلة من المثقفين الأكراد يدعمون الشيخ محمود الذي يفتقر إلى قيادة بعيدة النظر. وزيادة على ذلك، فإن دولة كردية ما كانت لتلقى دعماً من فارس أو تركيا، تلك الدولتان اللتان قمعتا بوحشية الحركات الكردية في أراضيهما في العشرينيات. وصحيح أيضاً أن دعم البريطانيين للشيخ محمود كان أقل بكثير من دعمهم لفيصل، وأن محاولتهم إقامة حكم ذاتي كردي كانت فاترة، ولقيت بالأساس معارضة صناع السياسة في بغداد تلك المعارضة التي جاءت رد فعل للخطر التركي على نحوٍ رئيس. وحين تم إبرام معاهدة لوزان بين تركيا والحلفاء في تموز 1925، التي أنهت الخطر العسكري التركي على الحدود، تلاشى الدافع الرئيس للتجربة. استمرت قضية النفط برغم أن المشكلة الكردية كانت قد حُلّت حلاً مؤقتاً. فالامتياز النفطي والعوائد المالية التي مُنحت للعراق في نهاية الأمر هي من أهم مواريث الانتداب البريطاني، وبرغم الإنكار الرسمي، كان البريطانيون على صواب في تأكدهم من وجود كميات هائلة من النفط في ولاية الموصل، وهذا هو الدافع الرئيس في رغبتهم إلحاق الموصل بالدولة العراقية المنبثقة حديثا. وفي الواقع، فإن شركة النفط التركية التي تسيطر عليها بريطانيا كانت قد حصلت على امتياز للمنطقة من العثمانيين، وهو امتياز انتهى أثره بسقوط الامبراطورية العثمانية. وجرى تعويض فرنسا بمنحها ولاية الموصل (جزء من منطقة النفوذ بموجب اتفاقية سايكس بيكو) مع منحها (25%) من حصة شركة النفط التركية بموجب اتفاقية لونك-بيرينكر، الموقعة في نيسان 1919. بدأت المفاوضات بشأن الحصول على امتياز جديد لشركة النفط التركية من الحكومة العراقية في أواخر 1923، واستمرت خلال مدة أزمة الموصل. وقد ولّدت المفاوضات المطولة والحادة في الغالب مرارة في الجانب العراقي فضلاً عن المرارة التي خلفتها المعاهدة. ومع أن عدداً من المسائل كانت محط اختلاف –حق العراق في تقرير مصير الأراضي التي تقع خارج نطاق الأراضي التي اختارتها الشركة؛ وتحديد مقياس انزلاقي للعوائد المالية يتناسب والإنتاج؛ واعتماد الذهب، بدلاً من الاسترليني، أساساً للعوائد المالية- فإن المسألة الرئيسة تمثلت في طلب العراق الحصول على نسبة (20%) من حق اشتراك في الشركة. وكان هذا البند منصوصاً عليه في الامتياز الأصلي لشركة النفط التركية بالنسبة للأتراك وجرى الاتفاق عليه في سان ريمو بالنسبة للعراقيين. وهذا الحق كان سيعطي العراق صوتاً في إدارة الشركة ونوعاً من السيطرة على مستويات الإنتاج، لكن مفاوضي الشركة رفضوا الأمر، وتوصلوا بدلاً من ذلك إلى تسوية في مسائل أخرى. وثمة شك من أن الخشية من فقدان ولاية الموصل إلى تركيا والحاجة إلى دعم بريطانيا في هذه المسألة لعبا دوراً رئيساً في قرار مجلس الوزراء التوقيع على الامتياز في آذار 1925. ومن خلال إدارتها لمسألة الموصل، فإن شركة نفط العراق، الاسم الجديد للشركة، حصلت بلا شك على شروط أكثر تيسيراً. إن الامتياز الذي تحددت فترته بخمسة وسبعين عاماً أعطى مجالاً للمصالح الأمريكية في الشركة في 1928 وفي النهاية شمل الامتياز كل العراق عدا البصرة، التي مُنحت إلى شركة تابعة، شركة نفط البصرة. ولم يبدأ الاستكشاف والإنتاج إلا في 1927 حيث تأخر القيام بهما حتى تم التوصل إلى تسوية بشأن قضية الموصل. وفي الخامس عشر من تشرين الأول 1927، دخلت أول بئر نفطية تابعة لشركة نفط العراق حيز الإنتاج في بابا كركر شمال كركوك. وقد غمرت أطنان من النفط الريف قبل أن تتم تغطية البئر. وفي 1934 أكملت شركة نفط العراق إقامة خط أنابيب بحجم (12) إنجاً إلى حيفا وطرابلس بسعة نقل أربعة ملايين طن من النفط سنوياً إلى البحر الأبيض المتوسط. وبحلول نهاية العام، كان العراق يصدر مليون طن سنوياً، وبلغت المدفوعات إلى الحكومة مليون ونصف مليون دينار عراقي. ومع ذلك، كان هذا المبلغ متواضعاً، ولم تبدأ عوائد النفط الكبيرة بالتدفق على العراق إلا في الخمسينيات. فخلال فترة الانتداب، افتقر العراق إلى الموارد المالية اللازمة للتطوير. ومع حسم مسألة الامتياز النفطي، تحول البريطانيون والعراقيون إلى قضية الموصل التي حولت إلى عصبة الأمم لإيجاد تسوية، وبين كانون الثاني وآذار 1925، أجرت لجنة دولية تحقيقاً في المنطقة. وقد عارض السكان المؤيدون لتركيا في المنطقة الضم إلى دولة عربية، ولكن في المناطق الكردية الخالصة كان الرأي معادياً لتركيا ومؤيداً لبريطانيا على نحوٍ حاسم، مع أنه لم يكن رأي مؤيد للعرب. وفي آذار 1925، اقتنعت اللجنة أن معظم السكان يفضلون الحكم البريطاني على الحكم التركي، لذا أوصت اللجنة بإلحاق ولاية الموصل بالعراق، والإبقاء على خط بروكسل (حد مؤقت أقامته عصبة الأمم في تشرين الأول 1924) بوصفه خط الحدود. ونصت اللجنة على ضرورة حماية الحقوق الكردية وذلك بوضع الأكراد في مواقع إدارية وتعليمية في إقليمهم، وأن تكون اللغة الكردية اللغة الرسمية في المنطقة.

انبثاق الحركة القومية
لقد أرّخ مطلع العشرينيات، الذي شهد تأسيس الدولة وآلياتها، بدايات معارضة حادة للسيطرة الأجنبية. فقد هيمنت المعارضة القومية على المسرح السياسي حتى ثورة 1958، والصراع الموطد العزم ضد المعاهدة الذي غالباً ما اتسم بالعنف والعصيان، حقق في نهاية الأمر استقلالاً اسمياً في 1932، إلا أن النفوذ الأجنبي والصراع ضده استلزم ثمناً. فصراع المعاهدة صرف انتباه القيادة عن المشكلات الداخلية الملحة وكان عائقاً أمام التعاون مع الغرب الذي لربما كان يصب في مصلحة العراق. وفي أثناء ذلك، امتد المقت للارتباط الأجنبي، في أذهان المعارضة، إلى المؤسسات البرلمانية التي أقامها البريطانيون والمجموعات التي وضعوها في السلطة، الأمر الذي أدى إلى تنحيتهما في 1958. وقد ثقفت حملة المعارضة أيضاً جيلاً جديداً من العراقيين، جرى إعدادهم خلال الانتداب، بروح الكره للنفوذ الأجنبي الذي استمر بعد تحقيق الاستقلال في 1958. وبرغم طبيعتها المتشنجة والعفوية، فبالإمكان تقسيم فترة المعارضة إلى ثلاث موجات متداخلة. تمثلت الموجة الأولى في ثورة 1920 التي نوقشت سابقاً، ومع كونها تمرداً عشائرياً، فقد كانت المواجهة الأولى والمسلحة الوحيدة مع النظام الانتدابي. وعلاوة على تأثيراتها على السياسة البريطانية، كان تأثير الثورة على العراقيين عميقاً، فالإصرار على قمع العشائر بشدة أقنع القيادة الحضرية أن اللجوء إلى الثورة المسلحة يعد أمراً عقيماً مع بقاء القوات البريطانية على التراب العراقي وعدم وجود ما يكافئها من القوة العراقية. لذا تركز اهتمامهم على تطوير جيش نظامي، يحل محل العشائر بوصفه قوة عسكرية يُمكن استخدامها في نهاية الأمر كأداة ضد البريطانيين. أما زعماء العشائر، فقد تضاءل تأثيرهم على الأحداث تضاؤلاً كبيراً بعد 1920، برغم أنه لم ينتهِ بالكامل. صاحبت الموجة الثانية للمعارضة مناقشات المعاهدة في مجلس الوزراء في 1922 والانتخابات اللاحقة للمجلس التأسيسي الذي سيصادق على المعاهدة. تزعم القوميون الحضريون المعارضة وعبروا عن معارضتهم من خلال الأحزاب السياسية والصحافة. اعتمدت الحركة على الشيعة للحصول على المزيد من الدعم. ففي نيسان 1922، دعا الشيخ مهدي الخالصي مجتهد شيعي، إلى مؤتمر حضره (200) وجيه وزعيم عشيرة شيعي في كربلاء لتوحيد المعارضة للمعاهدة في الفرات الأوسط. وفي غضون ذلك، تم إجازة ثلاثة أحزاب سياسية في بغداد. كان الحزب الأول معتدلاً، في حين كان الحزبان الآخران، اللذان تزعمهما شيعة، معارضين للمعاهدة على نحوٍ متشدد. تسبب الهياج ضد المعاهدة باضطراب كان كافياً لإيقاف العملية الانتخابية في حزيران 1922. وسرعان ما بات واضحاً أن فيصل كان يشجع –بل ويوجه- هذه الأنشطة. وقد ولّد هذا الأمر في النهاية صداماً رئيساً بين العرش والمندوب السامي. فلوهلة بدا أن وضع الملك معلق في الميزان، فحين دخل الملك المستشفى لإصابته بالتهاب الزائدة الدودية، استفاد بيرسي كوكس من غيابه ليقوم بحظر أنشطة الأحزاب المتشددة، وغلق الصحف الأكثر تعبيراً عن المعارضة، واعتقال أو نفي معظم زعمائها المعروفين. ومع ذلك فإن هذه الإجراءات أخفقت بقمع المعارضة، وفي حزيران 1923 صدرت مجموعة من الفتاوى الشرعية ضد الانتخابات بناءً على تحريض الزعماء الدينيين الشيعة. وحين قررت الحكومة المدعومة من بريطانيا بعد فترة قصيرة اعتقال المسيئين، غادر عدد من المجتهدين الشيعة إلى فارس احتجاجاً على ذلك، متوقعين أن عملهم هذا سيولد ضغطاً على الوزارة من الشيعة الساخطين إلا أن هذه التوقعات لم تحدث. فحين تم السماح للمجتهدين بالعودة لاحقاً، كانت عودتهم مشروطة بالتخلي رسمياً عن أنشطتهم السياسية.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com