ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق المعاصر/ العهد الملكي الساسة العرب استاؤوا من الأنصار الذين جاء بهم الملك فيصل من سوريا

عدد المشاهدات   381
تاريخ النشر       08/01/2019 05:56 AM


د. فيبي مار
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


إن نظرةً على الأبطال الحقيقيين لهذه الأحداث تكشف أن معظم المعارضة كانت شيعية التوجه والقيادة. ومنذ البدء، اتخذ الزعماء الشيعة موقفاً معادياً لبريطانيا بحدة، ولكن في المراحل المبكرة للمعارضة كان البعض راغباً بالتعاون مع السنة الأكثر اعتدالاً. وحتى في أواخر نيسان 1922، فإن جعفر أبو التمن، رجل أعمال وسياسي بغدادي معروف بآرائه الوطنية الجياشة، كان راغباً بالمشاركة في وزارة. وقد آثر أبو التمن الاستقالة على توقيع المعاهدة، وبعد استقالته، توسعت شقة الخلاف بين المتشددين الشيعة والمعتدلين السنة، الراغبين بالتعاون مع بريطانيا. أصبح الحزبان الشيعيان أكثر إفراطاً في انتقادهما للانتداب، وطالبوا بتعيين رئيس وزراء شيعي. لقد أكدت هذه الأحداث أن معارضة القيادة الشيعية كانت في البدء أقل طائفية من كونها معادية للارتباط الأجنبي، وأن بعض الزعماء الشيعة كانوا راغبين بالاشتراك مع السنة في حكومة قومية خالصة. وحين بات واضحاً أن الحكم الأجنبي يتعذر تغييره، انسحبوا واتخذوا موقفاً صارماً بعدم التعاون. وعلى أية حال، فإن الانقسام الواضح بين الشيعة والحكومة المركزية واستغاثة المجتهدين بقوة أجنبية لم تُزعج البريطانيين فحسب بل أزعجت الملك والساسة العرب السنّة أيضاً. فالشيعة المتشددون، شأنهم شأن الزعماء العشائريين قبلهم، لحقت بهم الخسارة سياسياً في نهاية الأمر وتدريجياً فإن العديد من زعمائهم تحولوا نحو الداخل، رافعين عدم المشاركة في الحكومة إلى مبدأ عقائدي. وإذا كان المتشددون الشيعة قد أخفقوا في المنافسة على النفوذ السياسي، فقد كسبوا المزيد من المصداقية لموقفهم المعادي لبريطانيا بين العامة.  وقد خشي العديد من أن الزعامة الشيعية للحكومة ستفتح الباب للطائفية. وبالنسبة للعديد من السنّة، فإن إقامة دولة علمانية ترتكز على العروبة، حتى لو كانت ضمن سيطرة بريطانية مؤقتة، ستبدو أمراً مفضلاً. ومع ذلك، فإن قمع المتشددين الشيعة ترك قيادة الحركة القومية بأيدي القوميين العرب السنة. ففي 1920، اناط أول مجلس للدولة الإدارة بالسنّة، ولم يعين شيعي بين عشرة متصرفين، و(35) قائممقاماً، و(85) مدير ناحية عدا المدن المقدسة. تزعم القوميون السنّة الموجة الثالثة لمعارضة المعاهدة، التي بدأت في المجلس التأسيسي في 1924 واستمرت حتى نهاية الانتداب. فالمجلس التأسيسي الذي اجتمع في السادس والعشرين من آذار 1924 كان قد دُعي للمصادقة على ثلاث آليات: المعاهدة الأنكلو-عراقية لعام 1922، والدستور، والقانون الانتخابي. فمن بين (100) نائب في بغداد، لم يعارض المعاهدة سوى (15) نائباً؛ وكان غالبية النواب شيوخ عشائر وزعماء أكراد ممن اعتقد البريطانيون أن بالإمكان الاعتماد عليهم للحصول على الدعم. ومع ذلك، لم يمضِ الوقت طويلاً قبل أن تطفو على السطح تيارات مختلفة لمعارضة المعاهدة والاتفاقيات الملحقة بها. تمثلت الأهداف الثلاثة للمعارضة في: إزالة الأعباء المالية عن الدولة الجديدة نتيجة الاتفاقية المالية مع بريطانيا، وتطوير جيش وطني من خلال التجنيد بوصفه وسيلة لغرس الوطنية في الشعب، وإلغاء النظام الثنائي للمسؤولية المجسد في البنود الاستشارية للمعاهدة. لم تكن المعارضة موفقة في إلحاق أي من تحويراتها المقترحة في المعاهدة أو الاتفاقيات، ومع ذلك كان تأثيرها لما يزل كبيراً. كان رئيس الوزراء الشخص الوحيد القادر على جمع نصاب قانوني بلغ (69) نائباً من أصل (100) نائب خلال الموعد النهائي الذي حدده البريطانيون (الواحد والثلاثون نائباً الآخرون لم يحضروا التصويت). وفي التصويت النهائي، فإن (37) نائباً فقط من النواب التسعة والستين صوتوا للمعاهدة، وعارضها (24) نائباً، وامتنع تسعة نواب عن التصويت. حتى أن هذا التصويت تحقق على نحوٍ كبير جراء إنذار نهائي أصدره البريطانيون. وفيما يتعلق بالدستور والقانون الانتخابي، حاولت المعارضة تعزيز مجلس النواب على حساب الوزارة والملك، وتضييق القانون الانتخابي لتقليل التدخل الحكومي في العملية الانتخابية. قدم القوميون أيضاً تعديلاً يُلزم معرفة القراءة والكتابة كشرط أساسي للنواب البرلمانيين، وهو بند حدّ على نحوٍ كبير من التمثيل العشائري في المجلس لصالح الحضريين. وهذا الصراع للسيطرة على البرلمان سيستمر حتى نهاية الحكم الملكي. وبرغم عدائها للتمثيل العشائري في البرلمان، لم تمانع المعارضة في العمل مع الزعماء العشائريين لتحقيق أهدافها السياسية. وعموماً، انضمت المجموعات العشائرية إلى المعارضة لقاء التعويض في مجالين: التأكيد على حقوقهم في الأرض وضمان تسوية الخلافات طبقاً للعرف العشائري المجسد في قانون خاص. وقد نجحوا في كلا المجالين. إن هذه التسويات ساعدت في نهاية الأمر على دعم موقف طبقة مالكي الأراضي المنبثقة حديثاً وصياغة تحالف بين الساسة السنّة وزعماء العشائر الشيعة في الجنوب، هذا التحالف مدعوم بتشريع منح الشيوخ إعفاءات ضريبية.

القوى السياسية الفاعلة في ظل الانتداب
إن الصراع حول المعاهدة لم يكن يمثل سوى بعدٍ واحد من إبعاد الحياة السياسية في الدولة الجديدة. فالقوى السياسية الداخلية سرعان ما اتخذت شكلاً معيناً استمر قائماً حتى ثورة 1958. والحياة السياسية أخذت تدور حول ميزان قوى ثلاثي، تألف أحد جوانبه من الملك، وهو عاهل ليس من أهل البلد اعتمد على البريطانيين في ترسيخ موقعه لكنه تواق لتطوير قاعدة سلطة أكثر ديمومة بين الساسة المحليين. وتألف الجانب الآخر من البريطانيين، الخائفين على الدوام من تكوّن برلمان متمرد والتواقين لرؤية أنصارهم في المواقع المهمة كرئاسة الوزراء ووزارة الداخلية، ولتحقيق هذه الغاية استمروا في التأكيد على وجود تمثيل عشائري كبير في البرلمان. وبين هذين العنصرين كان ثمة مجموعة متغيرة من الساسة العرب السنّة، بعضهم أكثر عداء لبريطانيا من الآخرين، لكنهم جميعاً يرغبون بتولي المراكز المهمة. كان بعضهم شخصيات قوية وبارعة. وفي الواقع، تمثلت إحدى مزايا هذه الفترة في التعددية السياسية وأحياناً التنافس الحاد على السلطة في القمة. والجديد بالنسبة للأحزاب السياسية، أن الساسة شكلوا كتلة برلمانية، ارتكزت على نحوٍ رئيس على العلاقات الشخصية والتحالفات السياسية المتغيرة، ولم يكن سوى للقليل منهم جذوراً في أية دائرة انتخابية خارج قاعات البرلمان، عدا علاقاتهم مع الزعماء العشائريين. إن الإخفاق ببناء مؤسسات سياسية معتمد عليها أو الوصول إلى مجموعات أبعد من حلقاتها الشخصية والأسرية كانت تمثل نقطة ضعف حساسة للحركة القومية. وقد سمح هذا الأمر للبريطانيين والملكية بالمناورة وحال دون حصول أية مجموعة على قوة كافية لدفع البلاد باتجاه معين. وتقريباً ركز الساسة على المعاهدة حصرياً، وفشلوا في تطوير برامج تخص القضايا الاجتماعية، برغم أن المسائل الاقتصادية أصبحت أكثر أهمية في مطلع الثلاثينيات. وبدلاً من ذلك، كانت السياسة تُدار على أسس شخصية. وقد لعبت العلاقات العائلية دوراً كبيراً، إذ ارتبط العديد من الساسة ببعضهم من خلال المعاهدة؛ وحافظت أجيال مختلفة من العائلة الواحدة على عضويتها في الوزارة، وكانت المكانة الاجتماعية والاصل مهمتين أيضاً. فقد انحدرت إحدى مجموعات الساسة العرب السنة من عوائل ثرية وذات مكانة ممن كانت قد لعبت لفترة طويلة دوراً مهماً في المجتمع والسياسة في العراق، وكان للبعض منهم مؤهلات قومية خالصة كونهم أعضاء في الجمعيات السرية لفترة ما قبل الحرب، او كانوا ممثلين للأقاليم العراقية في البرلمان العثماني. وطبيعي كانوا من القلائل ممن حصلوا على تعليم عالٍ في أوربا أو في المؤسسات المدنية العثمانية. وهؤلاء استاؤوا من الأنصار الذين جاء بهم فيصل من سوريا، إلى حدٍ ما لأن هؤلاء الأنصار كانوا من أصل سوري؛ وبعض الشيء بسبب موقعهم الاجتماعي الواطئ.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com