ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق المعاصر/ العهد الملكي كيف أصبح عبد المحسن السعدون الزعيم البارز في العراق؟

عدد المشاهدات   574
تاريخ النشر       08/01/2019 09:19 PM


د. فيبي مار
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


تألفتِ المجموعة المهيمنة الأخرى من ضباط الجيش والبيروقراطيين العثمانيّ التعليم مما كانوا قد استخدموا نظام التعليم المجاني الذي أقامه البريطانيون كطريق للحراك الاجتماعي. انحدر معظمهم من أصول عائلية غير متميزة، وكانوا قد برزوا من خلال مؤهلاتهم. والأهم، أن ارتباطهم بالقضية العربية وبحركة فيصل في سوريا انصبتا في فائدتهم. وعلى أية حال، فإن كلا المجموعتين كانت حضريتين وعلمانيتي التعليم، وكلتاهما نظرتا إلى الطائفية والعشائرية نظرة نفور وشك. سرعان ما أصبح عبد المحسن السعدون، الذي مثّل بوضوح المجموعة الأولى، الزعيم البارز. فآل السعدون، عائلة من الوجهاء تنحدر أصولها من الحجاز، كانت قد هاجرت إلى جنوبي العراق، حيث استقرت في البصرة، والكوت، والمنتفك. وفي الربع الأخير من القرن التاسع عشر استخدموا صكوك الطابو للحصول على السند القانوني لحيازة أراضٍ واسعة في المنتفك، مع أن مزاعمهم كانت محط ارتياب زعماء العشائر. وكان عبد المحسن السعدون قد تلقى تعليمه في مدرسة عثمانية لأولاد زعماء العشائر، وقد خدم بوصفه ضابطاً معاوناً للسلطان قبل ثورة الشبان الأتراك. وكان قد أيد الشبان الأتراك في بادئ الأمر، وكان نائباً عربياً في البرلمان العثماني الذي ضم فيصل. فثراؤه، وخبرته، ومكانته الاجتماعية في العراق أعطت السعدون درجة من الاستقلال لم يمتلكها سوى ساسة قلائل. برز السعدون، الذي تم تعيينه بمواقع وزارية بناءً على توجيه البريطانيين، بوصفه رجلاً قوياً راغباً باتخاذ إجراءات ضد العلماء الشيعة والزعماء العشائريين. فقوته ودعمه للمعاهدة، زيادة على خلفيته النبيلة، أعجبت البريطانيين، الذين حاولوا وضعه في السلطة حينما كانت مسألة المعاهدة جارية. وهذه الميزات نفسها اثارت شك وضغينة فيصل، الذي غالباً ما كان يكيد لتنحيته. وبالمقابل أخذ فيصل يعتمد اعتماداً متزايداً على أنصاره من ضباط الجيش العثماني السابق ممن كانوا قد خدموا معه في سوريا لا سيما نوري السعيد وجعفر العسكري. وهؤلاء الرجال، على النقيض من السعدون، لم يتمتعوا بثراء شخصي أو مكانة أسرية لذا كانوا أكثر اعتماداً على فيصل. والأمر المناسب أنهم كانوا مؤيدين للمعاهدة. ويُعد نوري السعيد مثالاً أنموذجياً لهذه المجموعة. فقد ولد في بغداد 1888 من عائلة متواضعة المستوى في البيروقراطية العثمانية ولاحقاً في كلية الأركان في استانبول. وكان نوري آخر ضابط عراقي يترك الجيش العثماني لينضم إلى الحركة القومية العربية عشية الحرب العالمية الأولى. وكان قد انضم إلى حركة طالب النقيب في البصرة لبعض الوقت. وكان أسير حرب عند البريطانيين في الهند لعامٍ واحد، وبعدئذ انضم إلى الحركة العربية ضد الأتراك. وأصبح واحداً من أوثق مناصري فيصل خلال الثورة العربية، واستمر بتأييده في الأيام الشاقة للمملكة السورية وخلال بعثة فيصل غير الناجحة إلى أوربا. عُين نوري رئيساً لأركان الجيش العراقي الجديد، ولاحقاً وزيراً للدفاع. شكل سلك ضباط الجيش قاعدة دعمه منذ البدء، ومع ذلك كانت لديه علاقات بزعماء العشائر أيضاً. ومع أن مشاعر نوري القومية العربية لم تكن محط شك، فقد كان أيضاً مؤيداً مبكراً للبريطانيين، مع أن هذا الأمر كان أقل صحة في ايامه الأولى مما كان يُعتقد على نطاقٍ واسع. لقد عمل نوري، العصبي المزاج، بإخلاص لتحقيق السياسات التي آمن بها. وكونه رجلاً يتمتع بجاذبية شخصية كبيرة، فقد أثبت نوري أيضاً أنه سياسي ذو إرادة قوية، وشجاعة سياسية، ودهاء كامل في مناورة زملائه السياسيين. ترافق بروز العرب السنّة الحضريين في المجال السياسي مع التطورات في المجال الاقتصادي سعياً لتعزيز موقعهم. فنمو طبقة جديدة من مالكي الأراضي، تعود على نحوٍ كبير إلى اكتساب الأفراد الخواص للحقوق التقادمية التي تتعلق بمساحات كبيرة من الأراضي. أن العديد من هؤلاء المستثمرين كانوا شيوخ عشائر متوطنين تواقين للحصول على سند الملكية القانوني للأراضي التي تقطنها عشائرهم، إلا أن معظمهم كانوا مستثمرين ومضاربين حضريين ممن استدانوا رؤوس أموال وابتاعوا أراضٍ، مستفيدين من الأمن الذي حققه الانتداب. وشهدت العشرينيات أيضاً نمواً كبيراً في الملكية الخاصة لمضخات الري في الأراضي المطلة على الأنهار في العراق. ففي 1921، لم يكن هناك سوى (143) مضخة في البلاد، تروي نحو (75) ميلاً مربعاً (190) كيلو متراً مربعاً من الأراضي الصالحة للزراعة. وبحلول 1929 كان ثمة (2031) مضخة، تروي (2850) ميلاً مربعاً (7380) كيلو متراً مربعا. شجع ساسة المرحلة هذه الاتجاهات من خلال الإهمال الضريبي والفوائد المقدمة لمالكي الأراضي والمضخات. ففي 1926، على سبيل المثال، أقر قانون يُمكِّن المستمرين بإرواء الأراضي بالمضخات من حيازة السند القانوني للأرض. وكان العديد من الساسة مالكي أراضٍ فعلياً؛ وأصبح الآخرون مالكي أراضٍ، لذا حصلوا على السند القانوني بحيازة الأرض من خلال هذا القانون وقوانين أخرى. ومع أن لهذا الإجراء عواقب سلبية، فقد تم في الغالب تناسي أن أحد دوافع تشجيع ملكية الأرض تمثل في استقرار الوضع العشائري في الريف. فكلما أسرع شيوخ العشائر في الحصول على حق مكتسب في الأرض وأرباحها الزراعية، توقف قلقهم حول امتداد السلطة الحكومية إلى أراضيهم. وما ثمة من شك أن سياسة الأراضي الموهوبة والإهمال الضريبي كانت وسيلة رائعة تمكن بواسطتها الساسة الحضريون من إيجاد زمرة من الأنصار. وبحلول 1930، كان يجري فعلياً نمو أوليغاركية جديدة من مالكي الأراضي، والمقاولين الحضريين، والساسة. وفي غضون ذلك، نما الجيش والجهاز الأمني برعاية بريطانية. وقد حُوّلت خطوط المواصلات البريطانية لفترة الحرب إلى الاستخدام التجاري، برغم أن النقص في الموارد المالية طوال العشرينيات والثلاثينيات منع القيام بأي برنامج بناء واسع النطاق. وفي تموز 1927، تخرجت من المدرسة العسكرية الملكية المجموعة الأولى التي تضم سبعة وأربعين طالباً، علاوة على ثلاثة عشر طالباً آخرين أكملوا دراساتهم في انكلترا. وبحلول 1932، نمت الشرطة العراقية لتصبح قوة حسنة التدريب تضم ثمانية آلاف منتسب. وقد انحدر غالبية مجندي الجيش من شيعة الجنوب-أكثر منطقة يرغب القوميون بالتغلغل فيها- واستمر الجيش بؤرةً للأماني القومية. حاول القوميون لعدة مرات تقديم قانون التجنيد، ولكنه (أي القانون) لقي معارضة البريطانيين والعشائر، فتم سحبه. وفي أثناء ذلك، امتد نطاق سيطرة الحكومة المركزية إلى الريف ببطء ولكن بثقة. وكانت الفاعلية المتزايدة لجمع الضرائب، التي أصبحت الآن تشمل المجموعات والأفراد ممن لم يكونوا مشمولين بها سابقاً إلا على نحوٍ هامشي، مؤشراً على هذا الأمر. وبحلول نهاية الانتداب، فإن كل المواطنين فعلياً ومن كل الطبقات كانوا مشمولين بالضرائب، التي شملت ضريبة الدخل، وضرائب عوائد الأرض، وإيجارات الأراضي الميرية (أراضي الدولة)، وضريبة الحيوانات، وضريبة الملكية، وفي النهاية، ضريبة البلدية على الحرفيين والصنّاع. وتسببت محاولات جمع الضرائب من المجموعات الريفية والحضرية بمشكلات، بل حتى حالات تمرد وإضرابات. لقد فُرضت قوانين الضرائب على نحوٍ غير عادل، كون أن عبئها وقع على نحوٍ رئيس على كاهل من يتقاضون رواتب بدلاً من الأثرياء والمتنفذين، الذين تجنبوا دفع الضرائب على نحوٍ كبير. وعلى جبهات أخرى، كان التطور بطيئاً، والفقر المدقع واسع الانتشار، وتفاقم العجز في الميزانية جراء التزام العراق بدفع حصته من الدين العثماني (تم إيفاؤه في 1927) ولدفع نفقات الخدمات العامة التي أقامها البريطانيون خلال الحرب. وفي نهاية العشرينيات كان العراق، شأنه شأن الدول الأخرى، يعاني من الركود الاقتصادي. وبحلول 1930، تزايدت حالات الإفلاس، وانخفضت أسعار بضائع القطن إلى ما يزيد على (40%)، وتزايدت البطالة الحضرية في الصناعات الرئيسة كالسكك الحديدية. ونتيجة لذلك، لم يُنجز إلا القليل في ظل الانتداب فيما يتعلق بالتطوير الاقتصادي والاجتماعي. وقد أوجز تقرير هيلتون يونك وضع العراق الاقتصادي إذ كشف عن وجود زيادة كبيرة في الإنتاج الزراعي (بسبب المضخات)، ولكن من دون تحسين في نوعية الإنتاج وتنويعه. وفي 1930، كانت موارد العراق متخلفة، مع بقاء نسبة كبيرة من شعبه بحالة أمية. فالوضع التعليمي في ظل الانتداب كان بائساً، إلى حدٍ ما نتيجة الافتقار إلى الموارد وبعض الشيء بسبب الأعداد الصغيرة التي دربها البريطانيون، الذين كانوا متوجسين من إعداد عدد من الخريجين يفوق ما تستطيع البيروقراطية استيعابه. ففي سنة 1930، على سبيل المثال، لم يجتز الامتحانات العامة سوى (1440) طالب ابتدائية، و(136) طالب متوسطة، و(159) طالب ثانوية..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com