ذاكرة عراقية

 

ذاكرة اجتماعية تفاقم ظاهرة الطلاق في العراق الجديد

عدد المشاهدات   237
تاريخ النشر       08/01/2019 10:11 PM



 
عادل سعد

لا أدعي في هذا البحث انني وضعتُ يدي على كامل الحقيقة بشأن الطلاق، بل هو مسعى واملي ان يكون مفيدا في التصدي لهذا النخر الاجتماعي المعيب.
• هناك فرق جوهري واضح بين انتشار حالات الطلاق ضمن معدلات مقبولة كواقع اجتماعي يمثل جزءا من الحياة العامة في سياق ان الطلاق حلال وله مبرراته في بعض الاحيان للتفريق بين الزوجين عندما لا يكون للتوافق فرصته الميدانية الحقيقية، ولكن الطلاق ابغض الحلال على وفق التشخيص الديني.. اقول هناك فرق جوهريا بين ما اشرت اليه مقدما وبين ان تتحول هذه الحالات الى ظاهرة تتآكل بسببها العرى الاسرية وتضيع العديد من القيم والمبادئ التي هي الاساس اللازم لما لها من تأثير ايجابي واضح على السلم الاجتماعي، ومن هنا فأن الدوافع الموجبة لدراستنا عن الطلاق يعود الى انه قد تحول الى ظاهرة مؤسفة يمكن الاستدلال عليها من تفاقم معدلات حالات الطلاق وانتشارها في اغلب محافظات البلاد مع تباين في الارقام بين المحافظات حسب عدد السكان من محافظة الى اخرى فضلا عن اسباب سنأتي عليها تفصيلا في مضمون الدراسة. تفيد معلومات محاكم الاحوال الشخصية وعلى وفق بيانات اصدرها مجلس القضاء الاعلى ان (70 الف) حالة طلاق سجلت خلال عام  2017، وان مجموع حالات الطلاق في العراق من عام (2005 وحتى نهاية العام الماضي 2017) بلغت (600 الف) حالة ولكن هذا الرقم لا يمثل حقيقة الواقع جميعه لانه هناك حالات انفصال وطلاق تتم خارج مؤسسات المحاكم فضلا عن وجود حالات انقطاع بين الزوجين اذ تبين لنا من معلومات مؤكدة ان المئات من الازواج تركوا بيوتهم وانقطعوا عن حياتهم الزوجية ولا تعرف اقامتهم في الوقت الحاضر وبذلك اصبحت الحالة الزوجية معلقة حسب التعريف الدقيق لهذا التشخيص، يضاف الى ذلك ايضا حالات احكام قضائية (بالنشوز) اي يتم الانفصال عقوبة للمرأة اذا رفضت الالتحاق ببيت الزوجية لاسباب معينة لا يجدها قاضي الاحوال الشخصية مبررا للانفصال. ومن المعلومات الاخرى التي اصدرها مجلس القضاء الاعلى، ان دعاوى الطلاق لعام 2004 كانت 28 ألفا و 689، ارتفعت الى 33 ألفا و348 في 2005، ثم ارتفعت مجددا الى 35 ألفا و627 في 2006، وارتفعت كذلك في العام 2007 الى 41 ألفا و 536 حالة طلاق، ثم حققت نسبة الطلاق انخفاضا في الأشهر الأولى من العام 2008، الا أنها عادت لترتفع في العام 2009 بواقع 82 ألفا و453 حالة طلاق، وفي عام 2010 ارتفعت لتكون 113ألفا و312، ازدادت في عام 2011 الى 133ألفا و 869 حالة، وفي عام 2012 كانت الحصيلة 160 ألفا و260 حالة طلاق، وارتفعت بشكل خطير في عام 2013 بواقع 820 ألف و 453 حالة طلاق، وخلال عام 2015 سجلت 52 ألفا و 465 حالة طلاق، وارتفعت الى 56 ألفا و594 حالة طلاق في عام 2016 وهكذا بلغت حالات الطلاق 516 ألفا و784 حالة، خلال الأعوام من 2004-2014، في وقت كان مجموع حالات الزواج خلال المدة نفسها، 2 مليون و623 ألفا و883 حالة، مما يعني أن نحو 20% من هذه الزيجات انتهت بالطلاق، وتشير تلك الارقام الى أن نحو 145 حالة طلاق يوميا وست حالات كل ساعة، ما يعني حالة طلاق كل 10 دقائق.

أسباب تفاقم حالات الطلاق:
اولا: الاوضاع الاقتصادية السيئة:
تحتل هذه الاسباب المقدمة في حصول حالات الطلاق اذا اخذنا بنظر الاعتبار مجموعة من الحقائق الاجتماعية المرتبطة بالفقر والعوز وما يتبعه من انتشار حالات البطالة وعدم قدرة الاسرة على تغطية نفقات المعيشة اليومية مما يؤدي بالنتيجة الى حصول مشاكل عديدة خاصة اذا كانت الزوجة تطمح في امتلاك هذه السلعة او تلك، عندما تقع تحت تأثير الحس الاستهلاكي الذي اصبح بدوره ظاهرة مهيمنة على الواقع الاجتماعي العراقي، وحسب معلومات وزارة التخطيط والتعاون الانمائي ان معدلات التنمية الاقتصادية القائمة على التنمية البشرية المستدامة لم تتغير جوهريا لصالح وضع اقتصادي امن ويعود ذلك الى توقف العديد من المشاريع التنموية الصناعية والزراعية وتراجع البنية التحتية للاقتصاد العراقي وكان لتراجع اسعار النفط دور في ذلك اضافة الى الفساد الاداري والمالي الذي هو في حقيقة الامر كارثة اتت على الكثير من متطلبات التنمية. ومن المعلومات الاخرى الصادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الانمائي تفاقم نسبة الفقر في البلاد بحيث تجاوزت حاجز 30%، خلال 2016، بعد أن كانت في العامين السابقين له 23%، وقد ارتفعت نسبة الفقر بعد احتلال تنظيم داعش لمناطق واسعة في العراق صيف 2014، وسببت نزوح 2.5 مليون شخص من محافظات شمالي وغربي البلاد فيما وصل ارتفاع نسبة الفقر الى 30% عام 2016، بعدما كانت 19% نهاية 2013، وفقا لبيان "وزارة التخطيط والتعاون الأنمائي"، ولي ان اضيف هنا الى ان الانشغال الامني الواسع للدولة العراقية ادى الى انكماش في الوضع التنموي العام، وبالتالي حصول انكشاف اقتصادي هو الاعلى بين حالات الانكشاف الاقتصادي التي ضربت بلدان الشرق الاوسط عموما بما فيها دول نفطية تتمتع بايرادات مالية واسعة من ريع مبيعات النفط، وعموما ان السبب الاقتصادي ضمن النسخة العراقية المؤلمة احدث تغيرات كبيرة في موازين العلاقات الاجتماعية وداخل الاسرة الواحدة، وهذا كان سببا من الاسباب الرئيسة لحصول حالات طلاق علما ان فرص المرأة المتزوجة في العمل والحصول على وظيفة هي فرص ضئيلة مع ان نسبة النساء الخريجات اللواتي لم يحصلن على فرصة عمل ترتفع طرديا مع ارتفاع معدلات البطالة التي وصلت في بعض المحافظات الى اكثر من 54% الوضع الذي ادى ويؤدي الى انعدام فرص المرأة في الاستقلال الاقتصادي وصعوبة معاونة الازواج على تغطية نفقات الاسرة.

ثانيا: زواج القاصرات:
لا بد من الاعتراف ان هذا النوع من الزيجات يمثل اشكالية اجتماعية على درجة من التعقيد الذي تغطيه دوافع دينية غير واقعية وكذلك نزعات ذكورية بذرائع تاريخية واجتماعية يراد بها تطويع الواقع الاجتماعي الحالي لكي يلبي هذه النزعات الذكورية، مع ملاحظه ان الظاهرة تنتشر في المناطق الشعبية الفقيرة ضمن الاحزمة الجغرافية لضواحي المدن الكبيرة وكذلك في المناطق الريفية على وفق قناعات اجتماعية ان الفتاة ضيف عند اهلها، وانه لا بد من تزويجها قبل فوات الاوان ووقوعها تحت ضغط  العنوسة ويلعب بعض رجال الدين دورا محرضا في تسهيل عمليات زواج القاصرات وما يتبع ذلك من وجود فارق زمني كبير بين عمر الرجل وعمر الزوجة القاصر الى ما يتجاوز 50 عاما في بعض الاحيان، ولنا ان نتصور كم هو التأثير السلبي الخطير في هذا الفرق بين عمريي الرجل والزوجة ذات العمر الطفولي، وحسب معلومات توصلت إليها ان العديد من الزوجات ذات الاعمار الصغيرة يتعرضن لعمليات اغتصاب ممنهجة من قبل الازواج كبار السن وليس بالتوافق الجنسي الذي تحتمه العلاقات الجنسية الزوجية الطبيعية ويتبين  بالمعلومات عن انتشار ظاهرة البغاء في العراق ان العديد من الزوجات ذات الاعمار الصغيرة يضطررن الى الهروب من ازواجهن واللجوء الى مافيا البغاء، الذين يتحولون الى ملجأ، للزوجات الطفلات لان من الصعب عليهن العودة الى عوائلهن لما يمثل ذلك من عار يلحق بهذه العوائل حسب قناعات مزورة وهكذا ايضا تضطر بعض العوائل الى طلب طلاق لبناتهن بعد أن تتحول الحياة مع ازواجهن الى جحيم اجتماعي، وحسب معلومات دقيقة اخرى ان نسبة حالات الانتحار بين المتزوجات بأعمار صغيرة تتقدم حالات الانتحار في صفوف النساء العراقيات، اذ سجلت تلك الحالات معدلات غير مسبوقة خلال الاعوام الثلاثة الماضية في اقليم كردستان العراق.

ثالثا: الأوضاع الأمنية السيئة والتأثيرات الطائفية:
يحتل هذا السبب الصدارة خصوصا في تفاقم الاوضاع الامنية السيئة ابتداءا من عام (2007-2008-2009-2010-2011ثم الانحسار الامني فيها 2012) وتفاقمه مجددا ابتداء من عام (2014) باجتياح الارهابيين (داعش) لمناطق في محافظات ديالى، والانبار، صلاح الدين (تكريت)، وضواحي بغداد ثم تصاعد الموجة الارهابية باجتياح محافظة نينوى ومناطق من محافظات دهوك واربيل وكركوك. لقد كان لهذا الوضع الامني المتردي والشائك تأثيره الخطير في انتشار التفكك العائلي نتيجة عمليات التهجير والنزوح والافتراق والانشقاقات التي حصلت داخل الاسرة الواحدة بتأثيرات طائفية او بسبب ما فرضته الاجراءات القمعية الرهيبة التي نفذها الارهابيون للفصل بين الازواج وكذلك بسبب عمليات القتل والاختطاف والعزل والاحتواء والاجبار على تغيير القناعات الدينية، كما ان وقوع الالاف من العوائل تحت تأثير ظواهر السبي والقتل والاختطاف كان وراء تغذية العديد من حالات الطلاق، وحسب معلومات متوفرة عن منظمات اغاثية ان ظاهرة النزوح والهجرة والانقطاع في العائلة الواحدة كان مغذيا لحالات الاستغلال والاعتداء الجنسي ومنها ممارسة الجنس مع فئات عمرية تحت سن 18 وما يترتب على شراء الجنس بالمال ومواد الاغاثة والخدمات الاخرى (مقابل الحصول على حصص غذائية وخدمات مأوى لنازحين) الحال ان ذلك كان من اسباب حصول حالات طلاق بين الازواج بعد انفضاح امر هذه الممارسات الشائنة.

 

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com