ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق المعاصر/ العهد الملكي استغل فيصل انتحار عبد المحسن السعدون ليقدم الرجل الذي كان راغباً به منذ البدء نوري السعيد

عدد المشاهدات   668
تاريخ النشر       10/01/2019 05:54 AM


د. فيبي مار
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


اتجهَ عدد قليل منهم إلى الخارج للتعليم، ولم يُنجز سوى القليل لخلق اقتصاد حديث. وفي نهاية الانتداب، فإن المزيد من الريف العراقي –الذي يضم (70%) من السكان- لما يزل بعيداً فعلياً عن التحديث، ولم تؤسس صناعة حديثة. تكونت، في أثناء ذلك، طبقات اجتماعية جديدة. ففي المستويات العليا تكونت أوليغاركية جديدة من مالكي الأراضي العشائريين والحضريين، والمستثمرين في المضخات، والمقاولين والتجار الحضريين، والقادرين على تحقيق الأرباح جراء حالة الأمن التي حققها الانتداب. وبدأت بالظهور طبقة وسطى صغيرة من موظفي الخدمة المدنية، وتجاز التجزئة، والحرفيين. وعلى أية حال، فإن السواد الأعظم من السكان –حضريين وريفيين- ظلوا في أو قرب مستوى الفقر. فالهجرة الحضرية، مع أنها لم تكن كبيرة في الثلاثينيات، أنتجت مجموعة من مقطوعي الجذور ممن عاشوا في الأحياء الفقيرة من المدن. وقد استفاد عدد صغير من العمال من بدء الصناعة النفطية وإنشاء ميناء ومنظومة للسكك الحديدية، إلا أن الافتقار إلى الموارد المالية أبطأ من نمو الصناعة والبنية التحتية. تقوّض عمل الصنّاع والحرفيين المحليين جراء الاستيرادات الخارجية. وقد ظل المجتمع العراقي محافظاً بشدة. فالعلاقات الأسرية لما تزل في غاية الأهمية، أما الطائفية الدينية، فقد عززها البريطانيون، الذين أصروا على دعم الأقليات المسيحية واليهودية المختلفة من خلال نظام مدرسي مستقل وتمثيل خاص بالبرلمان.

معاهدة 1930 وإنهاء الانتداب
برغم أن الفريق القومي حاول طوال العشرينيات إلغاء أو تعديل المعاهدة، فإن نجاحه الوحيد تمثل في القيام بتغييرات تجميلية في 1927. فبحلول 1929، كانت الأمور قد وصلت إلى مستوى الأزمة، وحتى عبد المحسن السعدون، المناصر الوثيق لبريطانيا، كان متعباً ومحبطاً. وفي كانون الثاني 1929، استقال رئيس الوزراء السعدون وكامل مجلس وزرائه، وظلّ العراق لمدة ثلاثة أشهر من دون حكومة رسمية. وفي نيسان، جرى في نهاية الأمر تشكيل وزارة برئاسة توفيق السويدي، إلا أنها لم تُنجز شيئاً يتعلق بالمعاهدة. انفرجت أسارير الأزمة في حزيران 1929 حين أعلنت حكومة عمالية منتخبة حديثاً في بريطانيا عزمها على دعم طلب العراق الانضمام إلى عصبة الأمم في 1932 والتفاوض بشأن معاهدة جديدة تعترف باستقلال العراق. شكل السعدون وزارة جديدة وشرع بالمفاوضات، بيد أنها لم تحقق تقدماً. وبعد فترة قصيرة من توليه المنصب الوزاري، هوجم السعدون في البرلمان لموقفه من المعاهدة، وفي الثالث عشر من تشرين الثاني أقدم على الانتحار، ليأسه من محاولات التوفيق بين الموقف العراقي وموقف بريطانيا، وقد ذكر السعدون في مذكرة انتحاره: (الأمة تتوقع الخدمة، والإنكليز لا يوافقون على مطالبنا... والشعب العراقي، الذي يطالب بالاستقلال، ضعيف... وغير قادر على تقدير النصيحة التي يقدمها أصحاب الشرف أمثالي. وبرغم أنه لم يكن دوماً محط تقدير الفريق المعادي لبريطانيا، فإن خدماته إلى الأمة بوصفه وسيطاً بين البريطانيين والعراقيين كانت قيّمة. وموته كان إشارة إلى إنهاء فترة التسوية وأن على بريطانيا تقديم تنازلات وشيكة. استغل فيصل هذه الفرصة ليقدم الرجل الذي كان راغباً به منذ البدء، نوري السعيد. ومع أن بعض الشكوك ساورت البريطانيين حول قدرة نوري على التعامل مع الوضع، فإنهم سرعان ما تخلوا عن رأيهم هذا. كانت قبضة نوري الحازمة مطلوبة، لأن الحكومة واجهت حركة معارضة أكثر تماسكاً ووضوحاً من السابق. فللوهلة الأولى، تعين على نوري استخدام الأساليب التي بات مشهوراً بها لاحقاً في إسكات المعارضة، وتكميم الصحافة، وتعطيل البرلمان. إن تعامل نوري الناجع مع موضوع المعاهدة والمعارضة الداخلية رفعته إلى مصاف السياسي العراقي الأول بنظر البريطانيين، وهو موقع كان عليه أن يحتفظ به منذ ذلك الحين فصاعداً. لقد مهد موت السعدون الذي جاء في غير أوانه الطريق أمام رجل العراق القوي الجديد. وفي نيسان 1930، تم استئناف مفاوضات المعاهدة. وفي حزيران 1930، توجت المفاوضات بإبرام المعاهدة التي طال انتظارها والتي ستجعل العراق عضواً في عصبة الأمم. وفي الخريف، أقام نوري انتخابات مُسيطر عليها سيطرة صارمة، وفي السادس عشر من تشرين الثاني 1930 صادق البرلمان على المعاهدة بواقع (69) إلى (12). وقد وعدت المعاهدة الإنكلو-عراقية لعام 1930 بترشيح العراق إلى عضوية عصبة الأمم في 1932 وأبقت على تحالف أنكلو-عراقي وثيق، ونصت على مساعدة مشتركة في وقت الحرب، وتشاور وثيق في الشؤون الخارجية، وسمحت لبريطانيا بتأجير قاعدتين جويتين، يقوم العراقيون بحمايتهما على نفقة البريطانيين. وستستلم القوات العسكرية العراقية المساعدة، والمعدات، والتدريب من بريطانيا، وبالمقابل، ستتمتع القوات البريطانية بالمساعدة العراقية وحق استخدام المنشآت العراقية، بضمنها السكك الحديدية، والموانئ، والمطارات، في وقت الحرب. وستظل القوة الجوية الملكية في القواعد الجوية العراقية. ووجوب أن يكون المستشارون والخبراء الأجانب الذي يحتاجهم العراق من البريطانيين وأن لا تتأثر أوضاع أولئك الموجودين في الخدمة وسيحل سفير محل المندوب السامي، تكون له الأسبقية على باقي السفراء الآخرين. كان رد فعل العراق تجاه المعاهدة متداخلاً. فقد عارض القوميون بشدة مدة الخمسة والعشرين عاماً، واستئجار بريطانيا للقاعدتين الجويتين، والبنود التي تُلزم التشاور مع بريطانيا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، والتوظيف المستمر للمستشارين البريطانيين. وبرغم قمع نوري لها، فقد استمرت المعارضة للمعاهدة وللعلاقة الأجنبية بالطفو على سطح الأحداث في السنوات اللاحقة، وحتى خلال فترات الهدوء، استمرت الشكوك بوجود يد بريطانية خفية خلف الستار. فعلى ضوء المعارضة المستمرة للمعاهدة يُمكن فهم أسباب قيام ثورة 1958 والمشاعر المعادية للغرب منذ ذلك الحين. وفي حين عارض القوميون المعاهدة كونها لم تقطع العلاقة مع بريطانيا، فإن الأقليات العراقية – لا سيما المسيحيين والأكراد- عارضوا المعاهدة لأنها أضعفت العلاقة. ولخشيتهم على وضعهم، شرعوا بإثارة الهياج الذي أزعج الدولة الجديدة في العقد الذي تلا الاستقلال. فقد طالب الأكراد على وجه الخصوص بقيام مناطق آمنة تحددها عصبة الأمم. والانتفاضات المتعددة في الشمال، قاد أحدها الشيخ محمود وانتفاضة أخرى قادها أحمد البارزاني، كان ينبغي إخمادها بالقوة المسلحة بمساعدة القوة الجوية الملكية. وعلى أية حال، كان موقف الملك ونوري السعيد حازماً، وفي تشرين الأول 1932 تم قبول العراق عضواً في عصبة الأمم، وبذا أصبح أول دولة منتدبة تحصل على استقلالها.
 
المعارضة القومية الجديدة
وسم توقيع المعاهدة وإنهاء الانتداب تغييراً دقيقاً في ميزان القوى داخل العراق. فقد استمرت بريطانيا بحيازة بعض القوى، بيد أن معظمها انتقل إلى أيدي العراقيين. وبحلول 1930، فإن فيصل وأنصاره، لا سيما ضباط الجيش العثماني التعليم كنوري سعيد، تحركوا لملء فراغ القوى، بدعمٍ وثيق من البريطانيين. وقد أوجدت القبضة الشديدة لفيصل وزمرته معارضة جديدة، هاجمت المعاهدة الجديدة والارتباط البريطاني. وكانت هذه الحركة أكثر تماسكاً وبراعة في القيادة من حركات المعارضة في العشرينيات.تمثل الضعف الرئيس للانتداب والمؤسسات الانتدابية في نطاقها الضيق. فهي لم تصل إلا إلى العناصر العليا في الشرائح الحضرية، ولم تكد تؤثر في المناطق الريفية والطبقات الحضرية الدنيا. وقد نجحت المعارضة الجديدة، في الأقل لبعض الوقت، من الوصول على نحوٍ أعمق إلى البنية الجديدة، موحدة العناصر الحضرية والريفية، الشيعية والسنية، بل حتى دمج بعض عناصر الطبقة الدنيا الحضرية. وقد ارتكزت على نحوٍ رئيس على المشاعر القومية العربية والتأكيد على هوية العراق العربية. وبرغم أن هذه الحركة لم تستمر أبعد من منتصف الثلاثينيات، فإنها تركت تأثيرها على بعض المجموعات التي ظهرت على مسرح الأحداث في وقتٍ لاحق من العقد.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com