ذاكرة عراقية

 

ذاكرة اجتماعية تفاقم ظاهرة الطلاق في العراق الجديد

عدد المشاهدات   210
تاريخ النشر       10/01/2019 06:07 AM




الحلقة الثانية


 عادل سعد

رابعاً: العادات والتقاليد العشائرية المتخلفة:
لقد وصفت في بحث سابق لي ان العادات والتقاليد العشائرية السائدة في العراق هي احد الاورام الاجتماعية المؤثرة التي كرست الكثير من التوجهات المخالفة للاعراف المدنية فقد اعطت للسطوة الذكورية ما يلغي حقوق المرأة في العلاقات الزوجية الصحيحة ضمن انتهاكات كثيرة تحولت بمرور الزمن الى سلوك ارهابي اجتماعي بكل ما يعني هذا التشخيص من دلالة، وهكذا كان على النساء المتزوجات اما الخضوع المطلق لإساءات الازواج او الانفصال، والحال ان هذه المعادلة الاجتماعية الخطيرة دفعت العديد من الزوجات الى ارتضاء الطلاق بكل ما يحمل من توصيف اجتماعي جائر خلاصا من الوضع الذي تعيشه. ومن الحالات الاخرى التي تغذي اللجوء الى الطلاق، الخصومات بين العوائل في الوسط العشائري عموما اذ تقف سببا في حصول الطلاق، فإذا تخاصمت عائلة هناك مع عائلة اخرى فأول الاجراءات التي تتخذ سحب المرأة المتزوجة من هذه العائلة بأمر والدها او اخوتها او اقاربها، وتتخذ هذه الظاهرة ابعادا اوسع اذا كان الزواج (كصة بكصة) وهو توصيف يطلق على الزيجات التي يكون زواج امرأة الى رجل مقابل زواج احدى اقرباء هذا الرجل الى العائلة التي (منحته) امرأة وفي الكثير من الاحيان يحصل الانفصال المزدوج اذا حصل طلاق لأحدهن.

خامساً: الفساد الإداري والمالي وظهور طبقة أثرياء نتيجة ذلك:
إن استمرار استشراء ظاهرة الفساد في الحياة العراقية له انعكاساته السلبية المدمرة على الواقع الاجتماعي في العديد من المعالم اليومية ولهذا الحال العديد من التأثيرات التي يمكن ادراجها بما يأتي:
يقول رئيس المنظمة العربية لمكافحة الفساد بهيج طبارة وزير العدل اللبناني الاسبق ان الفساد لا ينتظر احدا وبمعنى تحليلي انه يسحب معه المكونات الاجتماعية الى حيث يريد في اطار تخريب النيات والعلاقات والقناعات وهذا بحد ذاته يؤدي الى تغيير في الاولويات الاجتماعية لصالح رؤية تستمد حضورها من المتغير الاقتصادي الذي حصل للذين يرتكبون جرائم الفساد وهكذا يمس البنية العائلية مع تباين المطالب والحقوق بين الازواج مما يؤدي حتما الى حصول الانفصال في العائلة الواحدة، واذا أضفنا الى تلك المتغيرات التي تطرأ على الابناء فأن التباين في مواقف الاباء والامهات ازاء ابنائهم تكرس المشاكل العائلية ويكون الطلاق هو الخلاص الوحيد لها خاصة اذا شعر احد الزوجين ان حجم الضغوط كبير عليه قياسا بحجم ضغوط الاخر. من الاسباب الاخرى المؤدية الى الطلاق بتأثيرات الفساد الاداري والمالي ظهور طبقة من الاثرياء الجدد الذين حصلوا على المال بالسرقة والسطو وعقد الصفقات المريبة والرشوة والمحسوبية مع ملاحظة ان هذه الطبقة من الاثرياء تكون نزقة في رغباتها وخصوصا الرغبات الجنسية وقد تبين لي من مراجعة عدد من ملفات الاحوال الشخصية ان من النادر جدا ان يحتفظ الموظف الفاسد بزوجة واحدة اذ لا بد ان يكون قد ورط عددا من النساء في علاقات مشبوهة او تزوج للمرة الثانية والثالثة اشباعا لعلاقاته الجنسية وهذا من الحتمي ان يجر على العائلة الاساسية مشاكل وخصومات حادة لا بد ان تنتهي بالطلاق. وحسب معلومات حصلت عليها ان الظاهرة منتشرة بمعدلات كبيرة في العراق وفي الدول الخليجية ولبنان والمملكة المغربية وبالرغم من عدم وجود احصاءات دقيقة لحالات الطلاق نتيجة الفساد المالي والاداري فأن نسبتها على وفق معلومة احد القضاة بين (10 الى 15%) من حالات الطلاق.

سادساً: التدخل العائلي في حياة المتزوجين:
كلما كان عدد افراد الاسرة كبيرا فأن ذلك محط شعور بالقوة والهيمنة في اطار ان النزعة الذكورية والابوية التي هي نتاج هذا الوضع واذا اضفنا الى ذلك ان الاباء والامهات هم الذين يختارون زوجات لابنائهم على وفق المقاييس التي يرون فيها دعما لقوتهم الاجتماعية فأن ذلك يؤدي حتما الى نشوء اسر جديدة على مواصفات الاباء والامهات وليس على ما يمليه حق الشاب والشابة في اختيار ما يناسبهم لتكوين عوائل جديدة ثم بعد ذلك تبدأ التأثيرات اليومية والصراعات بين الزوجة وعائلة الزوج وتتكاثر الاملاءات عليها في تدخل حتى ضمن ادق تفاصيل الحياة اليومية للازواج ومن هنا يحدث النفور العام بينهم. ان الكثير من الازواج اضطروا الى تطليق زوجاتهم ارضاء لمطالب ابائهم او امهاتهم بذريعة ان هذه الزوجة او تلك لا تناسبك واننا مستعدون لتزويجك من اخرى تكون اكثر اهتماما بك وكذلك تحت ما يسمى شعبيا (كسر خشم المرأة المطلقة) وتلعب التدخلات الاجتماعية من الاقارب والحاشيات القريبة من العائلة الكبيرة دورا في تكريس تلك الحالات خاصة مع استمرار ظواهر اللغط والافتراء وتأليف حكايات تمس في بعض الاحيان شرف المرأة الاجتماعي. ان تدخل العوائل والاقارب في شؤون الازواج حالة سائدة الان في العراق وقد كرستها ازمة السكن المتمثلة بارتفاع الايجارات واسعار مبيعات البيوت اذ يضطر الابناء المتزوجون حديثا الى السكن ضمن العائلة الكبيرة وبرغم حصول حالات طلاق عديدة فأن واحدا من الاسباب التي تؤدي الى ذلك انحرافات أباء واخوان حاولوا الاعتداء جنسيا على زوجات ابنائهم واخوانهم وهناك ملفات موثقة في محاكم الاحوال الشخصية عن ذلك، اضافة عن جرائم الزنا بالمحارم. ان مشاكل المجتمعات المحافظة تتحول باستمرار الى مشاكل باتجاه الافتراق وحصول الطلاق ان لم ترتبط ايضا بجرائم معينة اخرى يتم التغطية عليها خوفا من الفضيحة.

سابعاً: تعدد الزوجات بدون مبررات جوهرية:
تبين من الاطلاع على حالات عديدة لقضايا الاحوال الشخصية التي تقود الى الطلاق، ان تعدد الزوجات يقف سببا مباشرا لانتشاره اذ كثيرا ما تطلب الزوجة الاولى الطلاق معتبرة اقدام زوجها على الزواج من امرأة اخرى مسا بكرامتها الاجتماعية والانسانية مع تأكيدها انها لم تقصر في تلبيه متطلبات الزواج وانخراطها الدائم في تعزيز علاقتها العائلية وحمايتها لعش الزوجية. ويقينا ان بعض الازواج يستثمرون النص التشريعي الاسلامي الذي يقر بتعدد الزوجات استثمارا سيئا على اسس ان الشرع يجيز ذلك مع ان هذه الاجازة محكومة بشروط العدل والانصاف وعدم التجاوز على حقوق المرأة الاولى، وبالمقابل ايضا يلجأ بعض الازواج الى الزواج مرة ثانية وثالثة اشباعا لرغباته مع توفر القدرة المالية لديه في فتح اكثر من بيت واحد وبعد فترة من الاشباع الجنسي يلجأ الى تطليق زوجته الجديدة ويتكرر ذلك اكثر من مرة واحدة. ومن المعلومات الاجتماعية الموثقة ان ظاهرة تعدد الزوجات تنتشر بين رجال الاعمال والسياسيين ورجال الدين استغلالا عدوانيا لحق الزواج بأكثر من واحدة لاسباب واهية. انني اذ اشير الى الظاهرة فلا يعني الدعوة الى إلغائها وانما اعتماد اليات لا تمس حقوق المرأة وان تكون لاسباب جوهرية وليس لاشباع الرغبات فحسب، ويلاحظ ايضا ان بعض النساء تسقط في المحظور الاجتماعي وتلجأ الى اقامة علاقات غير شرعية بذريعة ان ازواجهن ارتكبوا خيانات بحقهن. وبالمقابل هناك ازواج لجأوا الى الزواج بأخرى نتيجة مرض او عجز الزوجة الاولى من تلبية حاجاته الزوجية وهذا بطبيعة الحال لا يؤدي الى حصول حالات طلاق اذا كان هناك فهم مشترك للاسباب التي ادت الى الزواج بامرأة ثانية.

ثامناً: ظاهرة الزواج السري من خلال عقود يبرمها رجال دين:
يتفق عدد من الباحثين في اوضاع المجتمعات ان المجتمع المحافظ كثيرا ما تكون له بيئتان، الاولى في الاطار المعروف السائد والظاهر والبيئة الثانية هي البيئة السرية او ما يمكن ان اصطلح عليه الانفاق الاجتماعية (جمع نفق)، ومن عينات هذه الانفاق الزواج السري ويلجأ اليه رجال اعمال وسياسيون وموظفون الدرجات الوظيفية العليا وكذلك الاشخاص الذين درجوا على النصب والاحتيال، او بين الاشخاص الذين يتنقلون من مكان الى اخر حسب اعمالهم وهناك من يؤكد ان البيئات المحافظة تشهد هذا النوع من الزواج السري الذي يظل سريا تحت تأثر الازواج وليس الزوجات معتقدا ان اعلان زواجه يمثل انتقاصا او فضيحة له، وعندما يشعر بالحرج من احتمال انفضاح امره يلجأ الى الطلاق والتسويات السرية وغالبا ما ينهي علاقته الزوجية بتعويض مالي مجز للزوجة مقابل سكوتها على قبولها زوجة له لفترة معينة. في اطار صفقات ومن ذلك ايضا الزواج السياحي وزواج المتعة وزواج المساكنة، وتنتشر تلك الزيجات في العراق ولبنان وسوريا وفي اغلب دول الجزيرة والخليج وفضلا عن انتشارها ايضا بنسبة أعلى في مصر ويقينا ان زواجا من هذا النوع لا يدوم اصلا اذ يضطر الازواج الى الطلاق. ان اقدم حالات الزواج السري هي حالات زواج المتعة وينتشر في المدن التي تكثر فيها المقامات الدينية اما زواج المسيار والمساكنة فهو ينتشر في المدن ذات الطبيعة التجارية والتسويقية وطبقا لمعلومات نشرتها صحف لبنانية ان الزواج السياحي ينتشر في لبنان خلال مواسم الصيف وضمن البيئة الاجتماعية للمنتجعات والمصايف.

تاسعاً: انتشار الأفلام الإباحية والإشباعات الجنسية المرضية والآنية:
يغذي انتشار الافلام الاباحية الاشباعات الجنسية المرضية والوقتية ويضطر المدمنون على رؤيتها الى الزواج تحت طائلة هذا السبب لتطبيق ما يشاهدونه في تلك الافلام ولذلك تكون العلاقات الزوجية عرضة لمشاكل عديدة في الفراش اذا لم تستطع الزوجة او الزوج تلبيه رغبات شريكه التي اكتسبها من تلك الافلام الاباحية مما يؤدي الى تفاقم حالات عدم التوافق والافتراق بالطلاق، او قد يلجأ احد الشريكين الى الخيانة الزوجية لارضاء الرغبات التي تكونت عنده بالمعلومات التي وفرتها تلك الافلام خاصة مع امكانية الحصول عليها بسهولة من خلال استخدام الهاتف النقال (الموبايل) وانتشار تبادل الافلام الاباحية بين الاصدقاء. وطبقا لمعلومات غير موثقة ان تبادل الافلام الاباحية تنتشر في صفوف طلبة الجامعات والمعاهد وهو ايضا عامل تحريض على الزواج السري بين الطلاب والطالبات لاشباع حاجاتهم الجنسية بالتأسيس لما يرونه من خلال تلك الافلام، وبعد ان تكون الاشباعات الجنسية قد تحققت يتم اللجوء الى الطلاق والخوض في تجارب جنسية اخرى على اساس الحقيقة الاجتماعية والنفسية ان الارواء الجنسي الآني يولد اليأس ويدفع للبحث عن نمط علاقة جديد بعد ان يكون قد استنفذ النمط السابق..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com