ذاكرة عراقية

 

الفـخ الرئـاسـي للرفاق حفريات جديدة في ذاكرة مجزرة قاعة الخلد تموز 1979

عدد المشاهدات   508
تاريخ النشر       11/01/2019 10:52 PM




تأليف - شامل عبد القادر

( كتاب في حلقات )


المشهد(2)
كانَ الدافع لاستذكار ذلك اليوم هو ما ذكرني به وما نشره.. السيد شامل عبد القادر..  في "كتابه مجزرة تموز 1979" الذي روى فيه الاحداث الدامية التي وقعت  باعتماده  على آراء  منقولة عن أشخاص لم يعايشوا التجربة من الداخل فكانت عبارة عن اجتهادات وتكهنات. وارى ان أي تحقيق لا يبنى على وقائع حقيقية لا يمكن ان  يوصلنا الى الحقيقة التي ظلت بعيدة عن أذهان الراي العام. وقد وجدت نفسي كشاهد حقيقي عاش التجربة من الداخل  أن أبدا في إعادة الذاكرة لما وقع من أحداث وقتل وتعذيب.. وللامانة أقول بان رفاقنا الذين فوجئوا بمؤامرتنا التي أختلقها صدام واجهزة مخابرته ظلوا يعتقدونها حقيقية  ويعتقدون باننا السبب في عرقلة تنفيذ الوحدة العراقية السورية. لقد تحملنا فترة الاعتقال وبعد اطلاق سراحنا من رفاقنا ما لم نتحمله من المواطنين العاديين من معاكسات بسبب هذا الشعور فقد كان الكثير منهم  قبل الاحتلال يفرون  من رؤيتنا لكوننا "متامرين على صدام حسين" واصبحوا بعد الاحتلال يشيرون لنا لكوننا من جماعة صدام حسين؟ لقد أصاب رهاب الخوف.. صدام حسين.. من الحقيقة التي طمرت مع الرفاق لخوفه من ضياع السلطة من قبضته ومن الذين ذبحهم  باسم الخيانة وعلى راسهم الرفيق "محمد عايش ومحيي عبد الحسين" فمزق الحزب وعبث بمصير الامة العربية وفتح ارض العرب للشعوبية والحركات الدينية المتطرفة وللقوة الامبريالية.. وما زالت في ذاكرتي العشرات من الاسئلة والاجوبة التي أتمنى ان يتحقق الامل في طرحها يوما ليعرف كل مواطن الحقيقة المرة!. لقد حاولت بعد شفائي من الجروح والاصابات والجروح النفسية أن التزم الصمت خلال اقامتي شبه الجبرية التي امتدت عشر سنوات حتى عام 1999 الا انني خاطرت بكتابة بضع صور شخصية عن المحنة  خوف  النسيان  وعدت  بعد الاحتلال 2003 لنشر بعضها في الصحف العالمية مثل "الواشنطن بوست" في 8 أيار 2003 والنيويورك تايم والاومانتيه  التي نقلت عنها بعض الصحف العربية والعراقية بتصرف غير مسؤول مغالطات أساءت الى الحقيقة وعرضّتني الى مخاطر عدة عندما أخذت طابعا عشائريا وطائفيا من قبل شرذمة تلبست اليسار بعد احتلال البلاد.
• هوامش "جريدة الواشنطن بوست" عدد 8 أيار 200 للصحفي الامريكي  بيتر سليفن.

المشهد (3)
لقد أوعز صدام حسين لمجلس قيادة الثورة  بتشكيل محكمة خاصة بموجب قرار "رقم 967" لعام 1979 لمحاكمة المتآمرين برئاسة.. "نعيم حميد حداد" عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي وعضوية كل من.. سعدون غيدان وتايه عبد الكريم وحسن علي نصار وسعدون شاكر وحكمت ابراهيم وعبد الله فاضل.. وفي الثامن من آب 1979 أصدرت المحكمة الخاصة قرارها على المجرمين المدرجة اسماؤهم  بالسجن للمدد المبينة أزاء كل منهم  وفق الفقرة "1" من المادة  "175" من قانون العقوبات واعتبار جريمتهم عادية مخلة بالشرف ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة.                   
وهم:
1-  حسن محمود طه 15 سنة
2-  غسان مرهون محمود  12 سنة
3-  كردي سعيد عبد الباقي الحديثي 10 سنوات
4-  احسان وفيق عبد الله السامرائي 10 سنوات
5-  علي فتحي علوش 10 سنوات
6-  بدر محمد عبد الله ظاهر 10 سنوات
7-  محمد مناف ياسين محمد أمين  10 سنوات
8-  محسن محمد رضا الذهب 10 سنوات
9-  جعفر محمد رضا الذهب 10 سنوات
10-  احمد ابراهيم صالح العبيدي 10 سنوات
11-  صالح فليح كامل الساعدي 7 سنوات
12-  عبد المنعم هادي صالح القيسي 7 سنوات
13-  عبد الواحد الحاج معيدي الباهلي7 سنوات
14-  حامد جاسم طاهر الدليمي 7 سنوات
15-  فارس حسين شهد القره غولي 7 سنوات
16-  سليم شاكر حسن الامامي 7 سنوات
17-  محمد عبد اللطيف محمد علي  7 سنوات
18- مرتضى سعيد عبد الباقي الحديثي  15 سنة
19-  شكري صبري احمد الحديثي 10 سنوات
20-  طاهر حبيب علي الربيعي 15 سنة
21- حميد عبد اللطيف وحيّد السامرائي5سنوات
22-  صالح عبد الكريم الحمداني 5 سنوات
23-  زهير قاسم شكري 5 سنوات
24-  عبد القادر عبد عثمان الكبيسي 5 سنوات
25-  حمد عايش حمد 5 سنوات
26-   معز كاظم الخطيب 3 سنوات
27-   رياض عبد الرزاق القدو  3 سنوات
28-   طالب  حمودي عباس الحمداني 3 سنوات
29-  فاضل عبد الرزاق العبيدي 3 سنوات
30-  علي جعفر حسين 3 سنوات
31-  عدنان يوسف كوشان 3 سنوات
32-  عدنان ابراهيم عبد 1 سنة
                 
المشهد (4)
في قوانين العالم الوضعية كلها يتعرض المتهم الى التحقيق عن جريمته "السياسية او العادية"  فإذا ما أدين خضع السجين الى انظمة السجن الاعتيادية التي تتضمن أسلوب الحياة اليومية من رعاية طبية ومقابلات وغيرها.. أما الاسلوب الذي اتبعه صدام حسين وأجهزته الامنية معنا فقد  الغت الاسس والمبادى الاخلاقية كلها عندما استاقنا في الاول في 22 تموز 1979 ولغاية اطلاق سراحنا في 26 آذار 1983 الى الابادة والتعذيب حين القى بنا الى زنزانات انفرادية مغلقة  وسلمنا الى قطيع من الكلاب المسعورة التي لم تتوقف عن تعذيبنا وتجويعنا واذلالنا  "ليلا ونهارا.. صيفا وشتاءا.." استعملوا فيها شتى الاساليب من "احراق وخنق بالحبال وتعليق من الاكتاف واستعمال صوندات محشوة بالحديد وهراوت كهربائية ومكاوير وأسياخ معدنية وتعفن.." إضافة الى حرماننا من النوم والرقاد والحلاقة والاغتسال ودخول المرافق الصحية الا مرة او مرتين في اليوم "حسب مزاج الحراس" ولمدد لا تتجاوز الدقيقتين  تحت تهاطل السياط  فاق كل  ما عشناه في عهود سابقة.. وقد قتل من مجموع 33  سجينا 14 رجلا "من التعذيب  والجوع" وخرج من ذلك الجب  "19" سجينا يحمل كل منهم أثار تلك الوحشية من عاهات وكسور وأمراض نفسية وجسدية. اربع سنوات ونصف في زنزانات انفرادية مغلقة مثل الصناديق  الحديدية بلا نوافذ او مراوح وعلى أرضية من الكونكريت المسلح.  أما المرة  الوحيدة التي تم وضعنا  سوية  و"تحت المراقبة"  فكانت لثلاثة أسابيع بعد صدور الاحكام ولاسباب لا نعرفها ثم أعادونا بعدها الى زنزانات انفرادية لحين اطلاق سراحنا.

المشهد (5)
 لقد كنا كقيادة  لفرع الحزب في البصرة  قد تلقينا تبليغا من مكتب أمانة سر القطر صبيحة يوم 17 تموز 1979 بالحضور الى محافظة الكوت لوجود اجتماع طارئ لقيادات "الناصرية والعمارة والكوت والبصرة". وفي مبنى شعبة الكوت بادرنا.. "حكمت العزاوي" عضو القيادة القطرية "مسؤول مكتب تنظيم  الجنوب" قائلا:
- ان الرفيق ابو هيثم "احمد حسن البكر" أمين سر القيادة القطرية ورئيس الجمهورية قرر التنازل عن مسؤوليته الحزبية والادارية ليلة البارحة  بسبب  مرضه للرفيق صدام حسين والمطلوب منكم ابلاغ جهازكم الحزبي فورا دون تأخير او مناقشة.. كان القرار مثيرا للتساؤل بسبب مخالفته لنظام الحزب الداخلي الذي ينص على ضرورة عقد مؤتمر قطري استثنائي يأخذ على عاتقه انتخاب البديل (علما بان أعضاء المؤتمر القطري البالغ عددهم "96" عضوا والذين انتخبوا في المؤتمر الثامن للحزب "لهم وحدهم حق الموافقة أوالرفض إذ لا يجوز لاية سلطة حزبية أن تنيب عنهم كما  حصل في قرار "تاميم النفط ودخول الجيش الى سوريا في حرب تشرين . لقد أثارتنا التغيرات التي أبلغنا بها فلم يكن من المعقول وقوعها ونحن في المرحلة الاخيرة من مفاوضات الوحدة بين العراق وسوريا وقد أثار ذلك لغطا بين الحاضرين الا ان "حكمت" امتنع عن الرد على تساؤلاتنا لان الوقت  كما قال لا يسمح بذلك. وفي عودتنا للبصرة كان حوارنا مستمرا حول التغييرات الا أننا لم نشكك في التغييرات في مثل هذه الفترة الدقيقة علما بان صدام كان قد التقى بنا في ندوة حزبية للقطر العراقي قبل شهر تقريبا لاستقراء رأينا حول الوحدة بعد ان شاع في الجهاز الحزبي من يقول:  واين سيكون موقع صدام بعد الوحدة؟

المشهد (6)
صبيحة يوم السبت  21 تموز 1979 أبلغنا هاتفيا  من الرفيق "زهير القادري" مدير مكتب أمانة سر القطر بدعوة أعضاء المؤتمر القطري الثامن الى اجتماع طارئ ولم يكن في البصرة قد بقى غير اثنين  هما "الرفيق علاء وانا". بعد ساعة طلبوا  اضافة وحضور أعضاء فرع البصرة للاجتماع  وما ان بلغت الساعة الثامنة مساء حتى أضيف أعضاء الشعب للاجتماع في قاعة الخلد في "الساعة الثامنة فالتاسعة من صباح يوم الاحد 22 تموز 1979". وفي حدائق القاعه التقينا بالرفيق "ب" * عضو القيادة القطرية الذي بادرنا بسؤال غريب.. ما موضوع الاجتماع؟
- اجتماع طارئ للجهاز الحزبي لعموم القطر.
- قال: لقد كنا حتى الساعة الحادية عشرة من الليلة الفائتة في اجتماع للقيادة القطرية فلم نبلغ بذلك.. واضاف: الا انني تلقيت نداء في السابعة من صباح اليوم للحضور الى اجتماع قاعة الخلد!.
- ولكننا تبلغنا بالاجتماع  صباح السبت  21 تموز "البارحة"!.
عند ابتعاد عضو القيادة سألني رفاقي:
- شيء غير معقول.. كيف لا يعرف عضو القيادة بهذا الاجتماع؟
ولكن حين راينا الرفيق "خ . د" * احد  مسؤولي المخابرات و" أ.د " * عضو  المكتب العسكري وكلاهما عملا في البصرة سابقا  توقفت تساؤلاتنا  خصوصا وان "خ" كان يلح بوجوب حضورنا  وليمة أقامها على شرفنا في بيته وانه سينتظرنا حتى  نهاية الاجتماع. عندما  دخلنا مكان الاجتماع  بدأت المفاجآت فقد كانت القاعة ممتلئة بشكل غير مألوف وقد وصل الهرج ذروته.. لان الدعوة شملت أيضا أعضاء المكاتب الحزبية من مدنين وعسكرين باستثناء "الكادر النسائي". وقد أثارنا تواجد رجال المخابرات والقوات الخاصة بكامل ثيابهم وأسلحتهم في الممرات على خلاف التعليمات التي لا تجيز دخول غير الاعضاء الى الاجتماعات الحزبية المغلقة.. وبعد دقائق دخل وزير الدفاع وأعقبه وصول صدام حسين يتبعه مرافقه "صباح مرزا محمود" ولاول مرة نراه..متغطرسا متعاليا وعابسا يمشي بأنفة  ظاهرة وقد أستقبل بالهتافات والتصفيق وهي حالة  مرفوضة وغير مالوفة في الحزب وزاد حضور "المرافق" الشك بوجود ما يريب  فكان تساؤلنا هل نحن في اجتماع حزبي او ندوة جماهيرية؟. بعد دقائق ترك الفريق عدنان خير الله وزير الدفاع القاعة فنهض صدام وردد الشعار ثم توجه ليسأل مسؤولي الفروع والشعب عن أسباب غياب البعض من الاجتماع وهي ايضا ظاهرة غير مسبوقة في الحزب وحين انتهي من استجوابه صعد للمسرح ووقف "خلفه" ليبدا حديثا كأنه أعد سابقا عن الحزب ودوره النضالي وصراعاته.. حيث كان الحزبيون مناضلون حقيقيون  وقد تساقط الكثير منهم بسبب الخلافات  التنظيمية وهذا حال التنظيمات في الاحزاب كلها الا أن  حزبنا استمر.. "ثم قطع  حديثه متلفتا الى صدر القاعة وقد رفعت صورة البكر وظلت صورة صدام على الجانب الايسر.. 
فقال عابسا: من رفع صورة البكر؟
أننا في القيادة القطرية قد اصدرنا قرارا بابقاء صورة البكر مع صورة صدام حسين في المؤسسات الحزبية والادارية مدى الحياة..!
"ارتفعت الهتافات والتصفيق.."
ثم عاد لكلامه:
وتعرفون بان الانشقاقات والتكتلات لا تمزق الاحزاب أنما تمزقها الخيانة والغدر وقد اكتشفنا مؤخرا وجود ذلك  في حزبنا من قبل بعض القياديين الذين كانوا يعدون مؤامرة كبرى للقضاء على الحزب في وقت كنا مرشحين لتولي السلطة في قطر اخر.. ويقود هذا الانحراف "محمد عايش" بالتنسيق مع "حافظ اسد" في سوريا والتمهيد لدخول لواء مظلي سوري لتنفيذ الانقلاب واعتقال صدام حسين وبقية الرفاق وتعيين عبد الخالق السامرائي رئيسا للجمهورية.. "توقف صدام عن الكلام واخرج منديلا من جيبه وبحركة مصطنعة راح يمسح الدموع من عينيه" فارتفعت هتافات مستنكرة لتتحول القاعة الى مناحة.
ثم نهض "علي حسن المجيد" دون اذن بالكلام وأمسك  بشاربه قائلا: سيدي الرئيس.. ما دام عبد الخالق السامرائي حيا فلن  نحض بالاستقرار ولن تتوقف المؤامرات الا باعدامه..!
"كانت لحظات مثيرة لا تنسى عندما اختلط الزعيق بالبكاء والصراخ فتحول الاجتماع الى فوضى ولم يتحرك صدام لايقاف التمثيلية..
ثم عاود صدام صب الزيت على النار قائلا: لقد كشفنا أول خطوط المؤامرة خلال اجتماع للقيادة القطرية عندما رأينا  "محيي عبد الحسين" يكتب  ورقة لمحمد عايش لاحظتها انا والرفيق حسن العامري ثم أخفاها في جيبه.. وقد اعترف "محيي مشهدي" بعد ذلك بأنه أراد ان يبلغ "محمد عايش" بانه يروم كشف المؤامرة الا انه تراجع..!
ومن خلال التحقيق اكتشفنا بان العملية اكبر مما أعتقدنا بأن "عايش" كان ضالعا في المؤامرة بعد ان أجرى اتصالات مع بعض الخونة في الحزب واكثرهم أعضاء "في القيادة القطرية والكادر المتقدم.." راينا الرفيق "محيي عبد الحسين الشمري" يدخل مع احد رجال المخابرات متعثرا مطأطئ الرأس ويتجه الى حيث أشار له صدام بالجلوس مكانه على الطاولة فارتفعت صيحات منكرة وهتافات..
"لا.. لن يجلس الخائن مكانك ولن يلوث المكان.."  
وعادت القاعة الى  العزاء والمناحة والبكاء..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com