ثقافة

 

ناقدة مصرية تتهم السينما بتشويه صورة توفيق الحكيم

عدد المشاهدات   76
تاريخ النشر       20/01/2019 10:09 PM


شريف الشافعي

أمران بإمكان الواحد منهما أن ينتقص من قيمة النص الأدبي المقروء عند تقديمه سينمائيّا؛ الأول: المستوى الفني للمعالجة، والثاني: سيف السلطة الذي قد يلوي عنق الرؤية الأصلية للكاتب ليوجهها صوب ترويج سياسي فج ودعائية مُخلّة، ولم تنج مسرحيات توفيق الحكيم العميقة من هذه الفخاخ عندما حولتها منظومة ثورة يوليو في العهد الناصري إلى أفلام احتفالية تبارك المرحلة الجديدة. كثيرة هي الأعمال السينمائية المأخوذة عن نصوص أدبية لمبدعين بارزين في ميدان الرواية، على رأسهم نجيب محفوظ الذي حظيت أفلامه بنصيب وافٍ من التحليل سواء النقدي المجرد في حقل السينما أو ذلك الذي يقارن بين النص الأصلي المقروء وبين معالجة الكاميرا. كثيرة هي الأفلام العربية المأخوذة عن الروايات، أما الأفلام السينمائية المأخوذة عن مسرحيات عربية رصينة، بخاصة أعمال توفيق الحكيم التأسيسية والفلسفية المتعمقة، فعلى الرغم من أنها ليست قليلة عدديا، فإنها لم تلق بعد الاهتمام الكافي، ويُلاحظ أن بعض هذه الأفلام لم يكن بالمستوى المضاهي للنص الإبداعي بسبب توجيهات وتدخلات متعددة، وإن حقق نجاحا جماهيريّا كبيرا مثل “الأيدي الناعمة”.
السينما والأدب
في هذا الإطار، أطلقت الناقدة والأكاديمية نهاد إبراهيم صاحبة “موسوعة النقد السينمائي.. تشكيل الوعي عبر القوى الناعمة” أطروحة لافتة تناولت فيها رحلة مؤلفات توفيق الحكيم من المسرح إلى السينما. في حديثها كشفت الباحثة، عضو جمعية نقاد السينما، والمحاضِرة بأكاديمية الفنون، الملابسات والأسرار التي أحاطت بتسطيح تعادلية الحكيم “أبوالمسرح العربي” وتقديم نظرياته وأفكاره بخفة في فضاء الفن السابع. يبدو أن الأدب يخسر كثيرا حينما تتسيّده السياسة، وهو خسران دائم على طول الخط، بسبب التوجيه والدعائية والمباشرة والزعيق، وأحيانا الترويج والتدليس وتزييف الحقائق وتقديم الظواهر والأمور من زوايا محدودة ضيّقة ووجهات أحادية لا تقبل الرد. هذا الخسران المطلق، المتفق عليه، يختلف عن خسران آخر قد يكون نسبيّا، يراه البعض بدرجة وآخرون يرونه بدرجة أقل أو ربما ينكرونه في بعض الأحوال، وهو المتعلق بتحويل العمل الأدبي من مصدره الورقي إلى الوسيط السينمائي، فهل السينما التي تعد أقوى وسيلة للتأثير على الشعوب، قادرة بجمالياتها الجاذبة وفرجتها البصرية الآسرة على بلوغ عمق الأدب وسحره؟.
المؤكد أن المقارنة بين لونين إبداعيين مختلفين غير منطقية أصلا، لكنها مع ذلك ركن أصيل من أركان النقد ومساجلات المبدعين المنشغلين بهذه الملاعب المتداخلة، فإن أدت السينما ما عليها من أمانة وجهد إزاء النص الورقي المتفوق شهدوا لها بالنجاح وإضاءة النص الأصلي، وإن أخلّت بمضمون العمل أو سطّحت رؤيته أو افتقرت إلى العناصر السينمائية المتطورة، فإنها عندئذ ذلك الفن الناقص القاصر. ولأن المسألة صعبة ومربكة، فإن آراء كبار المبدعين فيها تبدو متذبذبة متأرجحة، فها هو توفيق الحكيم نفسه، محل النقاش في هذه السطور، يقول ذات مرة  في كتابه “فن الأدب” إن الأديب “لا يستطيع أن ينقل الصور إلا عن طريق المعاني”، على حين أن السينمائي “يستطيع أن ينقل الصور عن طريق مباشر”. لذلك وقفت السينما أمام واجهة الأدب المنظورة البراقة دون أن تجرؤ على ولوج بابه والتوغل في دهاليزه وسراديبه، فعالم الكتاب أضخم وأعمق وأغنى من عالم الشاشة، لأن القلم يصل إلى أبعاد في الفكر والنفس لا تصل إليها الكاميرا. على أن توفيق الحكيم ذاته، يعود في موضع لاحق إلى الانتصار لفن السينما بوصفه صِنْوَ فن الشعر أو خلاصة الأدب، بقوله “في مقدور السينما عندما تعثر على السينمائي الفنان الحقيقي أن تصل إلى الشعر بوسائله الخاصة، فالسينمائي الموهوب هو من يجعلك تدرك عمقا جديدا كلما أعدتَ قراءة الكتاب”.

تعادلية الحكيم، وفلسفته، ومداركه الذهنية
ستة نصوص مسرحية لتوفيق الحكيم (1898-1987) توقفت عندها الباحثة نهاد إبراهيم، الحاصلة على الدكتوراة في النقد الأدبي من أكاديمية الفنون وصاحبة مؤلفات ومترجمات متعددة في نقد السينما والمسرح والأدب وقضايا المفاهيم والمصطلحات الرئيسية، لتتعمق في قراءتها بالدرس والتحليل في كتابها “توفيق الحكيم.. من المسرح إلى السينما”، الصادر عن دار العلوم، القاهرة 2018، من خلال تقصّيها تعادلية الحكيم، وفلسفته، ومداركه الذهنية، ونظرته الشاملة للفن وللمجتمع، وعلاقته ببطلات أعماله في هذه النصوص، وصولا إلى السؤال الجوهري: ماذا جرى عند تحويل الأعمال إلى أفلام سينمائية؟
قبل فض الاشتباك بين الكلمة والصورة في عالم توفيق الحكيم الجدلي الثري، هناك أمران محوريان يحكمان مسارات هذه النصوص وغيرها من مسرحياته، ويعدان مفتاحين لازمين لاستشفاف طبقات الفن والوعي في تجربة الحكيم، وفي حالة تجاهلهما أو عدم إدراكهما، فإن مقاربة المسرحيات من جانب السينمائيين أو حتى من القرّاء العاديين ستبدو بالضرورة منتقصة أو مبتورة. الأمر الأول: الفلسفة التعادلية، والثاني: عشقه لـ”هي”، المجسّدة للمرأة والإلهة (المعبودة أو رمز القداسة) في آن واحد. تعكس التعادلية لدى الحكيم منظورا مزدوجا ومتعمّقا للأدب والفن، فهناك قوتان متوازنتان ضروريتان للخلق الإبداعي وامتداد تأثيره: قوة التعبير، وقوة التفسير. وتعتمد قوة التعبير على فرادة الشكل (الأسلوب) والموضوع (المضمون)، وتناغمهما معا، دون طغيان أحدهما على الآخر. أما قوة التفسير فتعني امتداد رسالة المبدع إلى ما هو أبعد من الرصد، لتغدو إشعاعات كاشفة موجهة للإنسانية. أما عشق توفيق الحكيم لـ”هي”، على الرغم من تسميته في بواكيره الإبداعية “عدو المرأة”، فيتجلى في الحضور الخصيب الإيجابي للمرأة لديه كقيمة فاعلة إلى جوار الرجل، وطاقة للحياة، ومحرّكة للوجود، كما في “الأيدي الناعمة”، بل إنها قد تتحول إلى إلهة أو معبودة أو رمز فوقي كما في “إيزيس” و”شهرزاد” و”عودة الروح” وغيرها من مسرحياته. يقترن تقديس الحكيم للمرأة بتفضيله للموروث الفرعوني والعربي كمنهل للاستلهام على غيره من منابع التراث الإنساني، كالثقافة اليونانية مثلا. وفي مزجه بين الحقيقة والخيال، والواقعية والرمزية، وجد الحكيم في الرموز النسوية ضالته، كما في أسطورتي “شهرزاد” و”إيزيس”، فالأولى “شهرازد” هي التي تغلبت على قهر شهريار ورسمت مستقبل بنات جنسها والمجتمع عموما، والثانية “إيزيس” هي التي لملمت أشلاء زوجها الإله “أوزوريس” فأعادت إحياءه وأنجبا الوريث “حورس”، بما يرمز إلى إمكانية نهوض مصر الممزّقة في ظل زعامة قوية. لم تتعامل السينما مع تعادلية الحكيم الفلسفية العميقة، ونظرته الشاملة للرموز الأنثوية، على النحو المأمول، الذي يقترب من الطرح الإبداعي المكتوب. وترى الناقدة نهاد إبراهيم، أن التعاطي مع أعمال توفيق الحكيم المسرحية لم يتجاوز السطح الظاهري، فظهرت أفكاره وتأملاته وكأنها مجرد قضايا عاطفية وصراعات طبقية بحتة. لم يتم الربط، كما ينبغي، بين البساطة الظاهرية في أعمال الحكيم، وفلسفته التعادلية في بناء الوطن على أساس من العدل والتعادل والاعتدال والموازنة بين قوى العقل والقلب، ولم تتضح نظرته إلى تاريخ مصر القديمة، ورؤيته الخاصة للإلهة إيزيس في ضوء تاريخ مصر الحديث، وإسقاطات الواقع. وتقول نهاد “لم تنفصل أعمال الحكيم عن المجتمع، وقد كان منطقه في استلهام الأساطير المصرية والتاريخ القديم محاولة منه لمد حبل يربط الحياة الروحية والفكرية للمصريين في أطوارها المختلفة، وذلك إيمانا منه باستعادة مصر جديدة متطورة مبنية على إعمال العقل وقواعد العلم، ولا تنعزل عن ماضيها”. وتؤكد نهاد إبراهيم أنه “على عكس التسطيح السينمائي، فإن الشخصيات النسائية التي قدمها الحكيم في مسرحياته ليست شخصيات عادية، ولكنها ذات أبعاد رمزية وأسطورية وقدرات خارقة، خارج التقليدية البشرية، وهي مقترنة عادة بالجهد والبعث والخلود، ومنصهرة في جوهر التعادلية، التي من قيمها: أن الحضارة تقوم على العمل المتواصل وعدم الاستسلام، فلا مستقبل للمتواكلين والضعفاء والسلبيين”. التعاطي مع مسرحيات الحكيم لم يتجاوز السطح لصعوبة تحويل "المسرح الذهني" إلى صور سينمائية.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com