ملفات وقضايا

 

بعد هزيمة العرب في فلسطين قرر الوصي إعادة نوري السعيد إلى السلطة كونه الشخص الوحيد القادر على التعامل مع تأثيرات الحرب

عدد المشاهدات   717
تاريخ النشر       08/02/2019 08:33 PM


د. فيبي مار
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 


برغمِ حصول خسارة إلى حدٍ ما، فإن الفراغ الذي تركته الهجرة الجماعية اليهودية – لا سيما في الحقل التجاري- سرعان ما ملأه الشيعة والمسيحيون، الأمر الذي أعطى لكلتا الطائفتين قناة حراك جديدة. فقد شغل الجيل الشيعي الشاب، الذي تلقى تعليمه في الاختصاصات التقنية والمهنية، مواقع في الطب، والقانون, والمالية. وقد استخدم البعض رأس المال الذي كوّنه الجيل الشيعي القديم من مالكي الأراضي والتجار ليصحبوا مقاولين، الأمر الذي شكّل العمود الفقري لطبقة وسطى شيعية جديدة. ومع تصاعد التوترات السياسية والاقتصادية الناجمة عن الهزيمة في فلسطين، قرر الوصي إعادة نوري السعيد إلى السلطة كونه الشخص الوحيد القادر على التعامل مع تأثيرات الحرب. طلب الأردن انسحاب الجيش العراقي، وحين عقدت سوريا والأردن هدنة في آذار 1949، كان على العراق سحب قواته. ولّدت هذه الخطوة المزيد من المرارة، لأن اسرائيل كسبت المزيد من الأراضي نتيجة لذلك، ولكن لم يكن ثمة خيار آخر. لم يُستكمل الانسحاب دون فرض ضوابط سياسية صارمة اشتهر نوري السعيد بها. وعلى الجبهة الداخلية، استفاد نوري من فرض الأحكام العرفية ليوجه إلى الشيوعيين ضربة عنيفة. فحين استمرت الإضرابات والتظاهرات في ظل وزارة نوري، ألقى باللوم على الزعماء الشيوعيين الذين كانوا يقضون أحكاماً بالسجن، إذ حوكموا مجدداً من محكمة عسكرية هذه المرة. وفي شباط 1949 حُكِمَ عليهم بالإعدام، الأمر الذي حرم الحركة من أفضل زعمائها. وبعد نجاحه في سحب القوات وإسكات المعارضة، تحول نوري السعيد صوب معالجة الوضع الاقتصادي المتدهور. وبحلول نهاية الصيف، تفاوض للحصول على قروض وسُلف تكفي لإخراج العراق من مشكلاته المتعلقة بالميزانية. تسلم العراق ثلاثة ملايين باون استرليني من الأسواق البريطانية، وحصل على قرض بدون فائدة من شركة نفط العراق. وبحلول خريف 1949، أُعيد الهدوء الظاهري. وأُعيد رجال بورتسموث إلى مواقعهم في السلطة، تماماً بعد فترة تربو على السنة بقليل عقب الوثبة والهزيمة المذلة في حربٍ تركت تأثيرها على كل العرب في الصميم. كل هذا تم إنجازه بإدارة نوري السعيد الصارمة والحاذقة، الأمر الذي أعطى انطباعاً، داخل المؤسسة الحاكمة وخارجها، بأن نوري هو الرجل الوحيد القادر على حماية النظام. ومع تراجع أزمتي بورتسموث وفلسطين، برزت مشكلة جديدة في السياسة الخارجية والتي ستسبب انقساماً في المؤسسة الحاكمة، وستصرف انتباه النظام عن المشكلات الداخلية الملحة، وستركز اهتمام الوصي على استثناء كل الأمور الأخرى تقريباً. المسألة الجديدة تتمثل في الصراع على سوريا.
الصراع على سوريا
نجم الصراع على سوريا من محاولة العراق ودول الهلال الخصيب الأخرى تكوين وحدة عربية إثر تقسيم القوى الأوربية للمنطقة إلى دول منفصلة بعد الحرب العالمية الأولى. وعلى أية حال، ففي الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية فإن رغبة هذه الدول بالحفاظ على مصالحها وامتيازاتها قد أصبحت أمراً راسخاً. هذا الوضع جعل من الصعوبة بمكان تحقيق الوحدة. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت سوريا مركزاً للمشاريع الوحدوية، ليس بسبب موقعها الاستراتيجي فحسب، بل بسبب دورها التاريخي كونها مركز الامبراطورية العربية في الأزمنة السالفة. والأحدث، إن سوريا كانت موقع مملكة فيصل القصيرة الأمد في 1918. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، وانسحاب القوى الأجنبية، وتأسيس الجامعة العربية، انتعشت فكرة سوريا الكبرى. في البدء، كان الداعم الرئيس لهذا المشروع عبد الله ملك الأردن، الذي كان يأمل بضم مملكة أخيه الضائعة بمملكة مركزها عمّان، وليس دمشق. أحبط السوريون هذا المشروع، إذ قاوموا فكرة إن يصبحوا تابعين للأردن، وأحبطه المصريون، الذين عارضوا أية هيمنة هاشمية على الوحدة، وكذا ملك السعودية عبد العزيز، الذي كان يخشى من تطويق أعدائه التقليديين لحدوده الشمالية. ومع أن الآمال بتحقيق نوع من الوحدة خفتت مؤقتاً جراء حرب فلسطين، فلم يمضِ الوقت طويلاً قبل أن ينتعش المشروع بدفعٍ من الأحداث في سوريا. وفي الثلاثين من آذار 1949، جرت السلسلة الأولى من الانقلابات العسكرية لفترة ما بعد الحرب في سوريا، التي وقعت إلى حدٍ ما جراء السياسة الداخلية، وبعض الشيء جراء الاضطراب الناجم عن الهزيمة في فلسطين. أحدثت الانقلابات فترة من عدم الاستقرار، وأصبح الصراع على سوريا جاداً. وجد الوصي في هذا الوضع فرصة ذهبية؛ إذ أنها أنعشت أمله الذي طال تعلقه به بتشكيل مملكة وإمكانية ضمانه لمنصب نائب الملك في دمشق. ومنذ لحظة وصول حكومة عسكرية جديدة إلى السلطة، عمل الوصي بهدوء وحماس لبلورة مشروع وحدة عراقية – سورية يكون له مكان فيها. لم يشاطر نوري السعيد الوصي في حماسه. ومع أن نوري كان قد بدأ حياته السياسية قومياً عربياً فإنه الآن أكثر اهتماماً بالعراق من اهتمامه بوحدة قومية. ولإرضاء الوصي، فقد قام برغم ذلك ببعض المحاولات الفاترة لإبرام اتفاقية بالوحدة في ربيع 1949. قوبلت هذه الجهود بجهود مماثلة بين المملكة العربية السعودية ومصر، اللتين وقفتا ضد المشروع. تلى الانقلاب العسكري السوري انقلاب ثانٍ، ومن ثم، في كانون الأول من العام نفسه انقلاب ثالث، أوصل العقيد أديب الشيشكلي إلى السلطة. وفي كل تلك الأحداث، لعب العراق دوراً كبيراً. ولسوء حظ الوصي، عارض الشيشكلي مشروع الوحدة، لكن عبد الإله لم يفقد الأمل. كان لهذه الأحداث مضاعفات خطيرة على المؤسسة الحاكمة في العراق، برغم أن الشعب والبرلمان لم يتأثرا بها. وسرعان ما تحول نوري ضد المشروع، لخشيته أن الموارد المالية العراقية المطلوبة كثيراً لمعالجة أوضاع الداخل ستُنفق بدلاً من ذلك على السوريين دون تحقيق نتائج واضحة. فمعارضته للوصي في هذه المسألة ولّدت خلافاً عميقاً لأن الوصي استمر في مشاريعه. أحدث هذا الخلاف صدعاً في الجبهة المتحدة للمؤسسة الحاكمة، فاستقال نوري في تشرين الثاني 1949. ومما يبعث على السخرية، أنه هوجم إعلامياً من مصر والسعودية بسبب المشروع السوري. لم يكن لاستقالة نوري تأثير ملحوظ على حماسة الوصي. اختار عبد الإله رئيس وزراء آخر، علي جودت الأيوبي، الذي كان أكثر إذعاناً لتنفيذ رغبات الوصي. لم يحقق الأيوبي نجاحاً يفوق أسلافه، لذا تم استبداله برئيس وزراء آخر. استمر نوري بالسيطرة على البرلمان، وبسبب مناورات أعضائه، سقطت هذه الوزارات. ولإحباط هذه المناورات باصطناع مناورات أبرع، أعاد الوصي تعيين نوري رئيساً للوزراء في تموز 1950. لقد أوضح هذا الحدث على نحوٍ جلي عيوب النظام الدستوري. فالوصي، الذي لا يحوز على قاعدة للسلطة، سيختار وزراء لأغراض وسياسات لا تدعمها الأغلبية البرلمانية. فالبرلمان عادة يسيطر عليه نوري من خلال شبكة أنصاره من النواب، ومن خلال مجموعة مالكي الأراضي المحافظين، في الوقت الذي تم فيه تجاهل كامل للشعب، الذي لربما أيّد صيغة ما من الوحدة برعاية مناسبة..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com