ذاكرة عراقية

 

كتاب في حلقات ثـورة 14 تمـوز 1958.. الأسـباب والأحـداث والنتـائـج

عدد المشاهدات   224
تاريخ النشر       10/02/2019 07:19 AM



حامد الحمداني


حاولَ الجنرال مود خداع الشعب العراقي عند دخوله العاصمة العراقية حيث أصدر بياناً موجهاً للشعب باسم سلطات الاحتلال البريطانية جاء فيه: (إنني مأمور بدعوتكم بواسطة أشرافكم، والمتقدمين فيكم سناً وممثليكم، إلى الاشتراك في إدارة مصالحكم، ولمعاضدة ممثلي بريطانيا السياسيين المرافقين للجيش، كي تناضلوا مع ذوي قرباكم شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، في تحقيق طموحاتكم القومية). (9) لكن أهداف ومخططات الإمبرياليين البريطانيين، والفرنسيين سرعان ما تكشّفت، عندما قامت ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا عام 1917، بقيادة فلاديمير لينين، حيث فضح بنود اتفاقية سايكس بيكو المعقودة بين الإمبرياليين البريطانيين والفرنسيين وروسيا القيصرية حول اقتسام ممتلكات الإمبراطورية العثمانية فيما بينهم. وعلى أثر ذلك سارع قائد الحملة البريطانية الجنرال مود إلى إصدار بيان جديد للشعب العراقي، في محاولة لتطمينه، والتستر على النوايا الحقيقية للإمبرياليين البريطانيين، وجاء في ذلك البيان ما يلي: (إن الغاية التي ترمي إليها كل من بريطانيا وفرنسا في خوض غمار الحرب في الشرق من جراء أطماع ألمانيا هي تحرير الشعوب التي طالما رزحت تحت أعباء الاستعباد التركي تحريراً نهائياً وتاما، وتأسيس حكومات وإدارات وطنية تستمد سلطاتها من رغبة نفس السكان الوطنيين ومحض اختيارهم). (10) استمرت القوات البريطانية بالتقدم شمالاً واحتلت مدينة خانقين في كانون الأول 1917، ثم احتلال مدينة كفري في نيسان 1918، ثم واصلت زحفها نحو مدينة كركوك حيث احتلتها في 30 تشرين الأول 1918، ثم واصلت زحفها نحو مدينة الموصل وانتزعتها من أيدي الأتراك في 8 تشرين الثاني 1918. وقامت الحكومة البريطانية بتعيين العقيد لجمان حاكما سياسياً على المنطقة، وامتدت سلطاته نحو أربيل، والسليمانية، ودهوك، وراوندوز، وبذلك أحكمت بريطانيا سيطرتها على كافة أرجاء العراق. ولا بد أن أشير إلى أن بريطانيا لاقت مصاعب جمة في سيطرتها على مدينة السليمانية، التي كانت تعتبر مركزاً لحركة التحرر الوطني الكردي، مما اضطرها إلى تعيين الشيخ محمود الحفيد حاكماً على المنطقة، في أواخر عام 1918، وعينت الميجر جنرال نوئيل مستشاراً له، وخصصت له راتباً شهرياً مقداره 15000 روبية هندية (الروبية تساوي 75 فلساً عراقياً آنذاك)، وسمحوا له بتعيين عدد من الموظفين الأكراد لإدارة المنطقة. إلا أن الشيخ محمود الحفيد لم يكن راضياً على تلك الأوضاع، وأخذ يتحين الفرصة للثورة على المحتلين. استمرت بريطانيا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في حكم العراق، حكماً عسكرياً، وكان على رأس السلطة القائد العام للقوات البريطانية، يعاونه الحاكم الملكي العام السير بيرسي كوكس. وكان من ضمن كادره الجاسوسة البريطانية المشهورة المس بيل حيث شغلت منصب السكرتيرة الشرقية. ثم نقل بيرسي كوكس فيما بعد إلى إيران وحل بعده الكولونيل أرنولد ولسن، والذي عُرف بممارساته القمعية وأساليبه الوحشية التي أثارت المشاعر الوطنية ضد الإنكليز في مختلف مناطق العراق، وخاصة في منطقة الفرات الأوسط. فقد قام أرنولد ولسن بتنظيم استفتاء مزور حول رغبات الشعب في مستقبل البلاد مستخدماً كل أساليب التزوير والرشاوى والإغراء لكي يخرج الاستفتاء بنتيجة تؤيد بقاء الوجود البريطاني واستمراره. ومن أجل إحكام سيطرتهم على البلاد أسس البريطانيون عدداً من الدوائر المدنية لتسيير أمور الشعب، ما عدا جهازي الشرطة والتعليم اللذين بقيا تحت إدارة ضابط سياسي بريطاني مسؤول أمام المفوض السامي، وكان يتلقى منه الأوامر بصورة مباشرة. وجرى تقسيم العراق إلى وحدات إدارية كبيرة تسمى (اللواء)، حالياً (المحافظة) وقسم اللواء إلى وحدات أصغر تسمى (القضاء)، ونصّب الإنكليز في كل وحدة إدارية ضابطا بريطانياً لشؤون الأمن الداخلي، ومنحوا الضباط السياسيين سلطات واسعة في الشؤون الإدارية والقضائية والمالية. كما باشر المحتلون بتشكيل قوات محلية مسلحة بإشراف ضباط بريطانيين دُعيت بقوات (الشبانة، أو لليفي) من أبناء العشائر التي كان شيوخها موالين لهم، ومن الآشوريين الذين اعتمدت عليهم بريطانيا كل الاعتماد، واستخدمتهم في حماية مصالحها في البلاد. كما استخدمتهم في قمع الحركات الكردية مرات عديدة، مما سبب في خلق الأحقاد والكراهية بين القوميتين.

ثالثاً: المقاومة الوطنية للاحتلال البريطاني
أصيب الشعب العراقي بخيبة أمل مريرة، بعد أن تكشفت مخططات الإمبرياليين البريطانيين في الهيمنة على البلاد، حيث ما كاد يتخلص من الاستعمار التركي ليقع تحت نير الاستعمار البريطاني الجديد، الذي بدأ يركز أقدامه، ويجمع حوله عددا من الضباط السابقين في الجيش العثماني بالإضافة إلى عدد من كبار رؤساء العشائر الذين منحتهم قوات الاحتلال مقاطعات واسعة من الأراضي لتربط مصيرهم بالإمبريالية الجديدة، وتحمي مصالحها. لكن الشعب العراقي لم يكن راضياً على ما آلت إليه الأمور، وبدأت طلائعه الثورية تعبئ الجماهير الشعبية، وتحثها على الكفاح ضد الاستعمار البريطاني الجديد، وتدعو إلى الاستقلال الوطني الناجز. ومما أثار وضاعف في عزم جماهير الشعب على مقاومة الاحتلال النداء الذي وجهه قائد الثورة الاشتراكية في روسيا (لينين) إلى شعوب الشرق والذي جاء فيه فيما يخص العراق ما يلي: (يا فلاحي ما بين النهرين، إن الإنكليز قد أعلنوا عن استقلال بلادكم! إلا انه يوجد 80 ألفاً من جنود الاحتلال على أراضيكم، يعملون فيكم نهباً وسلباً وقتلاً، ويستبيحون أعراضكم). (11) أخذ قادة حركة التحرر الوطني يرددون النداء باستمرار، معلنين معارضتهم للاحتلال البريطاني، ويشدون همم الشعب للنهوض والدفاع عن حريتهم واستقلال بلادهم، وأخذت بذور الثورة تنمو وتكبر يوماً بعد يوم، وكانت الانتفاضات الشعبية تتوالى في النجف، وأبو صخير والحلة وكربلاء والكوفة والسليمانية والعمادية في كردستان العراق، مشددين الضغط على قوات الاحتلال لإجبار بريطانيا على الوفاء بوعودها التي قطعتها على نفسها بمنح الحرية والاستقلال لسائر البلدان العربية، وكان على رأس حركة التحرر الوطني هذه المثقفون والتجار المستنيرون، ورجال الدين، وشيوخ العشائر الوطنيون. كانت أخطر تلك الانتفاضات ثورة النجف في آذار 1918، حيث وقعت معارك عنيفة مع جيش الاحتلال بعد حصار للمدينة دام 45 يوماً، وقد وقع الكثير من القتلى والجرحى في صفوف الطرفين، واستطاعت القوات البريطانية اقتحام المدينة، وقامت باعتقال أعداد كبيرة من المواطنين المشاركين في الثورة، وأعدمت قسماً منهم، وسجنت القسم الآخر، كما جرى نفي البعض الآخر إلى خارج البلاد. لكن الجولة مع الإمبرياليين الجدد لم تنتهِ، بل كانت خير محفز لقوى العشائر العراقية على المقاومة، والإعداد للجولة القادمة لا محالة. ففي السليمانية اندلعت ثورة الشيخ محمود الحفيد في عام 1919، بعد أن أدرك الحفيد أن الإنكليز ليسوا مهتمين بحقوق الشعب الكردي، وأنهم إنما أرادوا إسكاته عندما عينوه حاكماً اسمياً على السليمانية، فقد كانت السلطة الحقيقية بيد مستشاره البريطاني الميجر نوئيل. (12) لقد دارت رحى المعارك الدامية بين قوات الاحتلال وقوات الليفي الآشورية من جهة، والشعب الكردي من جهة أخرى، وبسبب عدم تكافؤ القوى بين الطرفين استطاعت القوات البريطانية إخماد الثورة، وألقت القبض على الشيخ الحفيد بعد إصابته بجروح أثناء المعارك ونفته إلى الهند ولكن إلى حين، حيث لم يهدأ الشعب الكردي على الضيم الذي أصابه، وأخذ يستعد للجولة القادمة. (13) واستمر الغليان في نفوس العشائر العربية بعد أن وجدت أن المستعمرين الجدد في نيتهم الاستمرار في وضع العراق تحت الهيمنة البريطانية، وبدأت عوامل الثورة تنضج في رحم المجتمع العراقي التواق إلى الاستقلال والحرية لتفاجئ المحتلين البريطانيين بثورة عام 1920 التي دخلت التاريخ كأول ثورة ضد الاحتلال البريطاني الجديد، وبرغم أنها لم تحقق كامل أهدافها لكنها مثلت الخطوة الأولى في هذا السبيل.

التوثيق
(1) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الجزء الأول ـ الدكتور علي الوردي ـ ص 41.
(2) المصدر السابق ـ ص 43.
(3) سليمان القانوني ـ هارولد لا نب ـ ترجمة شكري محمود نديم ـ بغداد 1961.
(4) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الدكتور علي الوردي ـ ص 69.
(5) أربعة قرون من تاريخ العراق ـ هيسلي لونكرك ـ ترجمة جعفر خياط ـ ص 74.
(6) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الدكتور علي الوردي ـ 89.
(7) تاريخ الوزارات العراقية ـ الجزء الأول ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 161.
(8) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الجزء الخامس ـ علي الوردي ـ ص 100.
(9) الثورة العراقية الكبرى ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 18.
(10) لمحات اجتماعية من تاريخ العراق ـ الجزء الخامس ـ علي الوردي ـ ص 41.
(11) الثورة العراقية الكبرى ـ عبد الرزاق الحسني ـ ص 75.
(12) حقائق تاريخية عن القضية البارزانية ـ محمد البريفكاني ـ ص 21.
(13) مأساة بارزان ـ معروف جاويك ـ ص 156.

رابعاًً ـ تصاعد الصراع مع المحتلين
واندلاع ثورة العشرين
لم يكد يمضِ وقت طويل حتى تكشفت كامل الأهداف الاستعمارية لبريطانيا، وتصميمها على إدامة هيمنتها على العراق، فقد أصدرت عصبة الأمم،التي كانت تهيمن عليها بريطانيا، صك الانتداب البريطاني على العراق في 17 حزيران 1920 والذي جاء فيه: (حيث أن حكومة جلالته قد تقررت وكالتها في خصوص العراق، فنتوقع جعل العراق مستقلاً تضمن استقلاله جمعية عصبة الأمم، وتكليف الحكومة البريطانية بالمسؤولية في حفظ السلم الداخلي والأمن الخارجي، وبعد انقضاء الإدارة العسكرية سنعطي السلطة للسير بيرسي كوكس لتنظيم مجلس شورى تحت رئاسة عربي). (14) وهكذا كشف صك الانتداب الأهداف الحقيقية للسياسة البريطانية، وأثار صدوره موجة غضب عارمة لدى كافة فئات الشعب العراقي التواق للحرية والانعتاق من العبودية، وأخذت شرر ذلك الغضب تنذر بوقوع أحداث جسيمة.
كانت اجتماعات قادة التحرر الوطني في تلك الأيام تتوالى في المساجد والدواوين، في بغداد والحلة والنجف وكربلاء وغيرها من المدن العراقية، كما كانت الاتصالات مع رؤساء العشائر تجري على قدم وساق، وأجراس الثورة تدق، وأصواتها تتعالى شيئاً فشيئاً لتملأ أسماع العراقيين جميعاً. وفي الوقت نفسه كان المحتلون البريطانيون يزدادون هستيرية وعنفاً في قمع نشاطات الوطنيين، حيث منعوا (المواليد) التي كان يجتمع خلالها الناس، وتلقى الخطب الوطنية فيها. فقد أصدر القائد العام البريطاني في 12 آب 1920 قراراً بمنعها، وأنذر بإنزال أشد العقوبات بحق المخالفين، وأقرن القائد أمره بالأفعال فأقدم على إعدام ستة من المناضلين الوطنيين لتحديهم ذلك القرار، وقد عرف هؤلاء الشهداء بمواقفهم البطولية، وجرأتهم في تحدي الاحتلال البريطاني، وأدى إعدامهم إلى هياج الرأي العام العراقي، ودفعهم إلى التظاهر ضد الاحتلال الغاشم. (15) كما رفع المشاركون في التظاهر مذكرة للسلطات البريطانية تضمنت جملة من المطالب كان منها:
1ـ تأليف مؤتمر يمثل الشعب العراقي، ليقرر شكل الإدارة الوطنية وعلاقاتها بالدول الأجنبية.
2ـ إطلاق حرية الصحافة والمطبوعات ليستطيع الشعب التعبير عن آماله وتطلعاته الوطني.
3ـ رفع الحواجز البريدية والبرقية بين أنحاء البلاد، وبينها وبين الأقطار الأخرى.
كان الشعب العراقي في تلك الأيام ينتظر مَنْ يطلق الطلقة الأولى لتنبعث شرارة الثورة إلى شتى أنحاء العراق بعد أن أقدمت قوات الاحتلال على اعتقال الشيخ (شعلان أبو الجون) المعروف بعدائه للاحتلال، وسبب اعتقاله هيجاناً كبيراً في صفوف العشائر. (16) صمم أبناء العشائر على إطلاق سراح الشيخ شعلان، وتحدي قرار المحتلين باعتقاله، فانطلقت عشائر الرميثة تهاجم السجن الذي أودع الإنكليز فيه الشيخ شعلان، وتم تحريره من الاعتقال، وكانت هذه العملية إيذاناً ببدء اشتعال نار الثورة، وبدء المعارك بين الشعب العراقي والمحتلين. ففي مساء يوم 6 تموز 1920 توجهت قوة عسكرية بريطانية تضم 2000 ضابط وجندي بقيادة الكولونيل (دي مارفين) نحو الرميثة، التي سيطرت عليها قوى الثورة في محاولة لفك الحصار عن القوات البريطانية المتواجدة هناك، فكانت (معركة العارضيات) التي يفتخر بها أبناء العشائر الثائرة والشعب العراقي كافة، حيث لم تستطع القوات البريطانية من الوصول إلى الرميثة نظراً للمقاومة الباسلة التي واجهتها تلك القوات، حيث تم إيقافها على بعد 7 كيلومترات منها بعد معركة دامية دامت 17 ساعة متواصلة استبسل فيها أبناء الشعب، واضطر قائد الجيش البريطاني إلى التراجع والانسحاب نحو الديوانية.  لكن تلك القوات لم تستطع الوصول إلى الديوانية، حيث جوبهت بقطع الطريق عليها، وقلع السكة الحديدية التي كانت القوات البريطانية تستخدمها في الانسحاب وجوبهت بوابل من الرصاص من قبل العشائر الأخرى التي هبت لدعم الثورة في الرميثة، وهرب قائد الحملة البريطانية لينجو بنفسه تاركاً قواته تحت رحمة الثوار الذين استطاعوا قتل أعداد كبيرة منهم، وتم أسر من بقي منهم على قيد الحياة واستولى الثوار على جميع أسلحة القوة البريطانية، وقد بلغ عدد القتلى البريطانيين زهاء 260 فرداً. ولما بلغ الأمر إلى قائد القوات البريطانية (الميجر ديلي) أمر بـإعداد قوة أخرى قوامها 5000 ضابط وجندي مجهزين بكامل المعدات الحربية، واستعدت قوى الثورة للمعركة القادمة، وأخذت تنظم صفوفها، وترتب استحكاماتها، وتحفر الخنادق في منطقة العارضية على بعد 7 كم من الرميثة استعداداً لمجابهة قوات الاحتلال الجديدة بقيادة (الميجر كونتن كهام)، حيث وصلت تلك القوات إلى (الحمزة) في 16 تموز 1920، تحت غطاء جوي من الطائرات الحربية، وقد أبدى الثوار مقاومة باسلة، منقطعة النظير، وانزلوا بقوات الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. وامتد لهيب الثورة إلى (الرارنجية) التي ضربت مثلاً رائعا في البطولة والفداء، وقامت قوات الثورة بمحاصرة مدينة الكوفة في أواخر شهر تموز 1920 من جميع أطرافها مشددون الضربات على القوات البريطانية المحاصرة فيها، والتي أصبح موقفها في غاية الصعوبة، وطلبت النجدة من القائد البريطاني في الحلة، الذي أسرع إلى إرسال قوات كبيرة لفك الحصار عن القوات المحاصرة في الكوفة. تقدمت القوات البريطانية باتجاه المدينة حتى وصلت إلى (الرارنجية)، التي تبعد 12 كم عن مدينة الحلة و8 كم عن (الكفل)، وعسكرت هناك. واستعد الثوار لملاقاة القوات البريطانية في منطقة الكفل، وقسموا قواتهم إلى قسمين، قسم أخذ مواقعه على طرف شط الهندية الشرقي والقسم الثاني أخذ مواقعه على امتداد سكة القطار التي تربط الحلة بالكفل، وكانت قوات الثورة مدفوعة بإيمانها بعدالة قضيتها، وقد عقدت العزم على التصدي لقوات الاحتلال المدججة بشتى أنواع الأسلحة والمعدات الثقيلة، وهي لا تملك سوى الأسلحة الخفيفة من بنادق قديمة ومسدسات وفؤوس ومكاوير، ولكنها كانت تملك الإيمان بعدالة القضية التي تناضل من اجلها، والإصرار على التحرر من ربقة الاستعمار الجديد، فيما كان الجنود البريطانيون الذين أتعبتهم الحرب يحاربون من أجل ملء جيوب الرأسماليين الإمبرياليين. كانت ثلة من الجنود البريطانيين برشاشاتهم الثقيلة قد أخذت مواقعها واستحكاماتها عند قنطرة على قناة الرارنجية، وعندما أزفت ساعة الهجوم انقضّتْ قوات الثورة على القوات البريطانية عند الجسر، وما هي إلا برهة حتى وقع الجسر في أيديهم، فيما التحمت قوات الثورة من الجهتين مع القوات البريطانية في معركة شرسة ومتلاحمة بحيث تعذر على قوات الاحتلال استخدام المدافع في القتال، وكانت المعركة تجري بالبنادق والسيوف والفؤوس والمكاوير، وكان الثوار يرددون الأهزوجة الشعبية المشهورة (الطوب أحسن، لو مكواري)، فقد تغلب المكوار على السلاح البريطاني، واندحرت قوات الاحتلال، وهرب قائد الحملة تاركاً جثث المئات من أفراد قواته في ارض المعركة. وفي الوقت الذي كانت قوات العشائر في الجنوب تخوض المعارك ضد المحتلين كان رصاص الثوار في كردستان ينطلق بغزارة ضد المحتلين هناك، فقد هب ثوار كردستان بوجه المحتلين، ووقعت بين الطرفين معارك شرسة في (السليمانية وعقره وكفري). وتمكنت قوات الثورة في (كفري) بقيادة (إبراهيم خان) في أواخر تشرين الأول 1920 من الاستيلاء على المدينة وتحريرها من سيطرة قوات الاحتلال، وقتل القائد البريطاني (جاردن)، واستمر لهيب المعارك ضد المحتلين في المنطقة 23 يوماً قبل أن تتمكن القوات البريطانية التي وصلتها نجدات جديدة من الهند من إعادة احتلالها..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com