ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق المعاصر/ العهد الملكي ارتفعت عائدات النفط في العراق من (32) مليون دولار فـــي 1951 إلـــى (112) مليـــون دولار في 1952

عدد المشاهدات   367
تاريخ النشر       11/02/2019 07:24 AM



د. فيبي مار
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 

 

أعطت وزارة نوري، التي استمرت عامين كاملين، العراق فترة راحة من الإضرابات والتظاهرات ووضعاً اقتصادياً محسناً. وتمثل الإنجاز الرئيس الأول لوزارته في عقد اتفاقية نفطية جديدة في تشرين الأول مع شركة نفط العراق زادت بموجبها عوائد النفط. وفي 1952، فإن اتفاقية ثانية، مبرمة على غرار التعديل في المملكة العربية السعودية الذي قامت به شركة النفط الأمريكية-العربية (أرامكو)، أعطت الحكومة العراقية نصف أرباح شركة نفط العراق. ونتيجة لذلك، ارتفعت عوائد العراق من (14) مليون دينار عراقي ما يعادل (32) مليون دولار في 1951 إلى (40) مليون دينار عراقي ما يعادل (112) مليون دولار في 1952. وقد خصصت (70%) من هذه العوائد إلى التنمية بموجب قانون صادقت عليه الوزارة السابقة. وقد أظهرت الميزانية العراقية أول فائض لها منذ سنوات، في حين كان يجري القيام ببرنامج إعمار ببطء.
كان برنامج الإعمار رد فعل نوري على الاضطراب الاجتماعي والسياسي. وعموماً، فإن البرنامج مصمم لتعجيل التحديث ومواجهة مشكلات التخلف. لذا، تركز الاهتمام على الاستثمار بعيد الأمد في الموارد الطبيعية للبلاد وتطوير البنى التحتية. وتم أيضاً إنفاق الموارد المالية على الخدمات الاجتماعية كالصحة والتعليم، إلا أن لهذه الخدمات أولوية دنيا. جرى تأسيس مجلس إعمار لإدارة البرنامج. ضم المجلس ثلاثة أعضاء بصفة خبراء، وعضوين من الأجانب – بريطاني وأمريكي. ولإبعاد المجلس عن السياسة وللسماح له بالقيام بتخطيط طويل الأمد، فقد مُنِحَ صفة مستقلة عن الحكومة.
كانت نتائج البرنامج كبيرة، سيما في تسخير إمكانية البلد الزراعية. ولسوء الحظ، لم يكن لهذه الإنجازات ما يماثلها في القطاع الاجتماعي، التي هي أصل مشكلات البلد الرئيسة. أُنفق القليل على مشاريع قصيرة الأمد التي كان من شأنها أن ترفع من مستويات المعيشة، سيما بين السكان الحضريين سريعي الاستثارة ممن ازدادت آمالهم بالظفر بحصة من عوائد النفط. فقد كانت هذه النفقات أمراً مطلوباً على نحوٍ عاجل. وفي 1950، فإن (23%) فقط من السكان في عمر الدراسة كانوا منخرطين في التعليم؛ وقد تخرج (7) آلاف طفل فقط من الدراسة الابتدائية؛ وتُقدر الأمية بـ(90%) من نسبة السكان تقريباً. ورغم التقدم في الخدمات الصحية، الأمر الذي قلل من الأوبئة، فإن الأمراض المستوطنة كالملاريا والتراخوما لا تزال واسعة الانتشار. و(40%) فقط من البلديات لديها تجهيزات بالماء الصافي؛ ومعظمها بدون كهرباء؛ وقد أُهملت المجاري إهمالاً كبيراً تقريباً، حتى في بغداد.
وفي أثناء ذلك، كان ثمة القليل من التطوير الصناعي لاستيعاب السكان الريفيين الذين تدفقوا على المدن. ففي 1950، قُدِرَ أن من أصل (60) ألف مواطن منخرطين في الصناعة، خارج إطار الصناعة النفطية، فإن جميعهم تقريباً يعملون في مشاريع صغيرة ويؤدون العمل بصورة يدوية في الغالب. ارتفعت أجور العمال، إلا أنها لم تكن تتماشى مع التضخم، أو مع الآمال المتصاعدة، سيما في قطاعي النفط والنقل الرئيسين، حيث تعاظم الوعي بالتناقضات. هذه الظروف، مع التدفق المتزايد لعوائد النفط، ساعدت في تسليط الضوء على النفاد المتزايد لصبر الشعب إزاء حكومة يبدو أنها لا تقوم بما يكفي لتحسين ظروف الشعب. فوجود مستشارين أجانب وابتعاد مجلس الإعمار عن رغبات الشعب ترك الباب مفتوحاً لانتقادات المعارضة من أن البرنامج مثّل سيطرة أجنبية متزايدة على الاقتصاد.
إن إخفاق المؤسسة الحاكمة في إحداث تغيير اجتماعي كان أكثر تأثيراً من إخفاقه في تحقيق تغيير سياسي. ففي عيون العديد لم يكن بالإمكان تحقيق التغيير المطلوب إلا بتقاعد الجيل القديم من الساسة ومناصريهم البرلمانيين المحافظين. وبحلول 1950 كان هذا الأمر واضحاً حتى بالنسبة للعديد من أعضاء المؤسسة الحاكمة. فقبضة نوري الصارمة على السلطة كانت قد ثبطت من عزيمة حتى أولئك الذين لربما كان من المتوقع أن يناصروا النظام. وفي آذار 1950، استقال (37) نائباً من البرلمان على خلفية حدث صغير. كان بعضهم أعضاء في الحزب الوطني الديمقراطي، بيد أن معظمهم انتمى إلى مجموعة جديدة، الجبهة الشعبية المتحدة، التي ضمت عدداً من أعضاء المؤسسة الحاكمة الشباب. كان هؤلاء الساسة الشباب تواقين لدفع البلد إلى الأمام بسرعة والاضطلاع بمواقع القيادة بأنفسهم. إن خيبة أمل العناصر المعتدلة في هذه المرحلة أنذرت بشؤوم في المستقبل. فحتى صالح جبر، عضو راسخ في المؤسسة الحاكمة، اختلف مع نوري، رغم أن الخلاف نجم عن أمر شخصي. ففي حزيران 1951، أسس صالح جبر حزب الأمة الاشتراكي، وبالتالي تحدى احتكار نوري للسلطة ضمن المؤسسة الحاكمة . هذا السخط السياسي والاجتماعي ساعد بوضوح في اندلاع العنف السياسي القادم، العنف الأخطر منذ الوثبة. تأججت شرارة العنف جراء الأحداث في دول الشرق الأوسط المجاورة التي أوجدت مناخاً سياسياً جديداً في المنطقة، معادياً للأنظمة القائمة وتواطئها مع الغرب. فبزوغ مصدق في إيران والتأميم الإيراني لشركة النفط في 1951 ألهم المعارضة في العراق على اتخاذ خطوة مماثلة لتأميم شركة نفط العراق. وفي مصر، أطاحت مجموعة من الضباط الشباب بالملكية في الثالث والعشرين من تموز 1952 ونصّبوا أنفسهم حاكمين. ومع أن نوع النظام الذي انبثق هناك لم يكن واضح المعالم لحد الآن، فإن سقوط ملكية تعود جذورها إلى قرن ونصف القرن أوجد قلقاً كبيراً لنظام ملكي لم يمضِ على وجوده سوى ثلاثين عاماً.
وعلى أية حال، كان الأهم بالنسبة للعراق إضراب عمال الموانئ في الثالث والعشرين من آب 1952 الذي نشأ جراء خلاف بين العمال والحكومة حول الأجور، وسرعان ما تصاعد الخلاف بدفعٍ من الشيوعيين. فقد طالب المضربون برفع الأجور، وتوفير إسكان، وظروف أفضل للعمل. وقد تمكنوا من الاستيلاء على مولّد البصرة الكهربائي، فقطعوا مؤقتاً الماء والكهرباء عن المدينة. تدخلت الشرطة؛ وحصل صدام حتمي؛ ومرة أخرى كانت الحصيلة إصابات وقتلى. ولم يتوقف الإضراب إلا في مطلع أيلول.
أعمال الشغب 1952
من المشكوك فيه أن كانت هذه الأحداث ستدفع باتجاه أعمال الشغب في 1952 لو كان نوري السعيد في السلطة. ففي العاشر من تموز 1952، وعقب إبرام اتفاقية نفطية ناجحة واستعداداً لانتخابات وشيكة، قدم نوري استقالته. حل محله مصطفى العمري، الذي انحصرت مهمته الرئيسة في إجراء انتخابات محايدة. أصبح العمري، الذي يُعد حامي المؤسسة الحاكمة، هدفاً للسخط الشعبي المضطرم تحت السطح. بدأ الاضطراب في نهاية تشرين الأول، حين قدم حزب الاستقلال، والحزب الوطني الديمقراطي، والجبهة الشعبية المتحدة مذكرة إلى الوصي يطالبون فيها بإجراء انتخابات مباشرة من مرحلة واحدة وبسياسة عدم انحياز – التي لم تكن تعني سوى إلغاء المعاهدة الإنكلو-عراقية.وقبيل إقامة الانتخابات، تفجر العنف جراء مسألة لا علاقة لها بذلك. وهذا مؤشر على كيفية أن الصراعات الاجتماعية في العراق كانت قد أفلتت من أية سيطرة منظمة. ففي السادس والعشرين من تشرين الأول، نظم طلبة كلية الصيدلة إضراباً احتجاجاً على حصول تعديل في أنظمتهم الامتحانية. وقد أصبحت الإضرابات، في هذه الفترة، تصرفاً مألوفاً يلجأ إليه الجمهور الطلابي. فلتت الأمور من زمام السيطرة، وقام الجيش ببعض الاعتقالات، وقد انضم إلى طلبة كلية الصيدلة زملاؤهم من الكليات الأخرى في إضراب عام. وحين أخفقت حكومة العمري باتخاذ إجراءات صارمة فوراً، تحول الإضراب إلى أعمال شغب، سرعان ما انتشر إلى مدن أخرى. وفي منتصف تشرين الثاني كانت معظم المراكز الحضرية في العراق بحالة اضطراب، ففي بغداد جرى حرق مركز للشرطة والمكتب الإعلامي الأمريكي وتسويتهما بالأرض. وعند إخماد أعمال الشغب إخماداً نهائياً، لقي عشرة إلى خمسة عشر شخصاً حتفهم وجُرحَ أكثر من خمسين شخصاً. إن الهجوم على المؤسسة الأمريكية دلّ على أن الولايات المتحدة ارتبطت بأذهان الشعب ببريطانيا بوصفها قوة خارجية غير مرغوب بها. وجرى استهداف الشرطة كونها الذراع الرئيس للمؤسسة الحاكمة في قمع السخط.

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com