ثقافة

 

كاتب عراقي يحرض قارئه على الاستجابة لغوايات القراءة

عدد المشاهدات   60
تاريخ النشر       11/02/2019 07:42 AM



أحمد رجب
قال بورخيس: "هناك من لا يستطيع تخيل العالم بلا طيور، وهناك من لا يتخيل العالم بلا ماء، أما بالنسبة إليّ، فأنا غير قادر على تخيل العالم بلا كتب". الكاتب العراقي علي حسين مثله لا يتخيل حياته دون كتب، يقول في رابع كتبه "غوايات القراءة" الصادر حديثا عن دار أثر السعودية، في أثناء عملي بائعاً للكتب، كانت الكتب التي تصل إلى المكتبة كثيرة جداً، وكنت أصاب بالحيرة في اختيار ما أقرأه، وأسال نفسي هل أستطيع قراءة كل هذه الكتب. وفي موضع آخر يضيف: لقد ساعدتني القراءة كثيراً في تأليف كتابي، فكل الكتب التي قراتُها منَحتني أفكاراً وخواطر للكتابة. ولولا الكتب، ما كان لي أن أكتب. وهو يصف كتابه بإنه أشبه بخلاصة تجربتي في الحياة. وقد كتبه ليكون قادراً على بث الشغف بالمزيد من القراءة من قبل الآخرين. والحقيقة أن كتبه الثلاثة السابقة "في صحبة الكتب"، و"دعونا نتفلسف"، و"سؤال الحب" مدينة بوجودها لقراءات الكاتب، وليس فقط كتابه الرابع "غواية القراءة"، وكذلك يقر على حسين بفائدة أخرى كبرى للكتب حين ينقل عن ستيفان ريفايج قوله "تتم كتابة الكتب من أجل تأكيد وحدة البشر وبالتالي الدفاع عن أنفسنا أمام الوجه الآخر القاسي للوجود: الزوال والنسيان".

سجن الخيال
تطول سلسلة الغواية لتشمل خمسا وعشرين حلقة، تحكي كل منها حكاية عن أكثر من كاتب وأكثر من كتاب، فهو يحكي في كل حلقة عن موضوع ما مهتديا بقول ألبرتو مانغويل "إن الاعمال الاستثنائية في الأدب أو الفن تسبغ على أصحابها مسحة من القوة والسحر والغموض"، فيسعى الكاتب في كل فصل من الفصول الخمسة والعشرين للإمساك بتلك المسحة والإتيان بقبس منها، يبدأها الكاتب بالذكرى: "تمثل القراءة إحدى أجمل ذكرياتي في الصغر، ذات يوم وأنا ابن العاشرة من عمري وفي إحدى مناطق بغداد، أخذتني قدماي الى مكتبة يملكها أحد أقاربي يبيع فيها الكتب والمجلات، في ذلك النهار وأنا أتجول بين العناوين وصور الأغلفة الملونة، اكتشفت أن هذا المكان يمكن أن يصبح كل عالمي. عندما استرجع كيف قضيت سنوات طويلة من عمري في رفقة الكتب، أتساءل أحيانا إن كانت هذه الكتب غيرت حياتي، أم انها سجنتني في عوالم مثالية وخيالية". وكانت خطوته الأولى نحو سجن الخيال "الكونت دي مونت كريستو" رواية الكسندر دوماس "التي أخذني فيها أنا الصبي الذي لا يعرف من العالم سوى الشارع المؤدي من البيت الى المدرسة، إلى بلد غريب وبعيد، وأدخلني عالماً مسحوراً، وكنت وأنا التهم صفحات الرواية وأتخيل نفسي أدخل إلى شوارع باريس التي تدور فيها حكاية السجين إدمون وأنني التقي بأناس أشعر بأنني قريب منهم، هكذا قرأت أول رواية مثل طفل يمتلئ دهشةً من عجائب العالم". أما رواية ثيربانتس دون كيشوت، فقد قرأها في صباه لمجرد المتعة، وكانت قد صدرت ملخصة ضمن سلسلة تسمى "أولادنا"، ومكتوب على غلافها "الفارس الباحث عن العدالة"، وكانت أول مرة يلتقي فيها بتلك الكلمة "العدالة"، لكنه انتظر نحو عشر سنوات قبل أن يفهم معنى الرواية، فقد قرأها وهو في الخامسة والعشرين ترجمة عبدالرحمن بدوى، كان يقرأ لمجرد المتعة، أما المعرفة فأتت فيما بعد، فيدرك أن الأدب ظل يسأل ما هو الإنسان، وجاء نيتشه ليطرح سؤالاً جديداً ماذا يستطيع الانسان؟ وحاول سانت إكزوبيري أن يجمع بين السؤالين ويسأل: ماذا سيصير مصير الانسان؟ وكان في بحثه عن ماهية الإنسان أشبه بصاحب رسالة أخلاقية حاول من خلالها أن يمارس دور المرشد الروحي من خلال كتب لا تزال على قائمة الأعلى مبيعاً في العالم.

المختلفون عنا
من أمتع حلقات سلسلة الغواية تلك التي عنوانها "ما الذي يجعل هؤلاء مختلفين عنّا؟" لا يتحدث فيها على حسين عن المتنبي فحسب، بل يحكي شطرا من حياته باستعادته قصته مع المتنبي منذ اكتشفه لأول مرة عبر لافتة معلقة في إطار مذهب على حائط دكان لبيع الكتب القديمة، اللافتة تضمن بيتا شهيرا من أشعار المتنبي هو:
أعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابحٍ ** وَخَيرُ جَليسٍ في الزّمانِ كِتابُ.
بعد ذلك قرأ كتابا غلافه عبارة عن لوحة ملونة لرجل يرتدي الغترة البيضاء والعقال وتبدو ملامح وجهه صارمة، كان الكتاب بعنوان "المتنبي شاعر العرب". يقول المؤلف "فتحت الكتاب وقرأت ووجدتني أواصل القراءة وبلغت النهاية في يوم واحد. ووجدتني أمام أمر عجيب، فالمتنبي الذي يقول لنا ناشرو الكتاب إنه أحد الناجحين لم ينجح في حياته، لم يتزوج المرأة التي أحبها، ولم يحصل على الراحة والاستقرار، ومات في النهاية مقتولاً.. فأين هو النجاح؟". يقرأ فيما بعد ديوان المتنبي وشروحه  وكتاب "ذكرى أبي الطيب المتنبي"، لعبد الوهاب عزام،  ويقرأ عنه كذلك كتبا لطه حسين ومحمد محمود شاكر والعقاد وغيرهم، واكتشفت وأنا أتابع قراءة ما كتب عن المتنبي، أن الأعمال الادبية العظيمة تستلزم حكايات غير عادية حولها، فقد نسجت سيراً سحرية حول المتنبي الإنسان والشاعر والتي استمرت حتى بعد موته. هنا يتذكر هوميروس الذي لم يعتبره اليونانيون بشرا عاديا، ويتذكر بوكاشيو ودانتي قبل أن يعود إلى المتنبي، وتشكيك طه حسين في نسبه ودفاع شاكر عنه ونفيه ادعاء المتنبي للنبوة، ثم يعود لدانتي مستعرضا للكوميديا الإلهية، فيرى أن دانتي كتبها تعويضاً عن حياته التي عانى فيها الشقاء، فهذا الإنسان المطارد، الممقوت، خلق عالماً رحب به وصادقه ولرفع من شأنه، وأدخله عالم العظماء، مثله مثل ابي الطيب المتنبي الذي هزم وقتل في عالم الملوك والأمراء والحسّاد، لكنه انتصر في عالم الفكر والشعر. هكذا يجيب بعد عمر عن السؤال: فأين هو النجاح؟ خدمة

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com