ملفات وقضايا

 

تاريخ العراق المعاصر/ العهد الملكي عام 1953 بلغ فيصل الثاني سن الرشد وأصبح ملكاً على العــراق

عدد المشاهدات   457
تاريخ النشر       12/02/2019 02:08 AM


د. فيبي مار
ترجمة : مصطفى نعمان أحمد

 

 

بحلولِ نهاية تشرين الثاني، بات واضحاً للنظام أن إجراءات الطوارئ ستكون أمراً ضرورياً لإعادة الهدوء. وفي الحادي والعشرين من تشرين الثاني، استقالت وزارة العمري؛ وفي الثالث والعشرين من تشرين الثاني، تشكلت أول حكومة عراقية عسكرية برئاسة نور الدين محمود، رئيس أركان الجيش. جرى إعلان الأحكام العرفية، وحُظِرت كل الأحزاب السياسية، وتوقف إصدار عدد من الصحف، وأُعلن منع التجول. وجرت اعتقالات جماعية لمثيري الشغب والساسة –شملت بعض الوزراء والنواب السابقين.  وسمت الانتفاضة، التسمية التي أطلقت على أعمال الشغب، نقطة تحول للنظام. ومع أن المعارضة لم تكن منظمة بما فيه الكفاية للإطاحة بالنظام، فإن السخط الواسع الانتشار لقطاعات حساسة من الشعب كان واضحاً. كانت المؤسسة الحاكمة مجبرة على الاعتماد على الجيش علاوة على الشرطة للحفاظ على النظام، وبذا انغمس الجيش بالسياسة. أقنعت الانتفاضة أيضاً العديد من الجيل الشاب أن المزيد من الأنشطة العنيفة السرية ستكون أمراً ضرورياً لتحقيق أهدافهم. دلّ عنف أعمال الشغب ومرارتها على وجوب تقديم النظام لبعض التنازلات إلى المعارضة لحماية نفسه. ففي كانون الثاني 1953، أصدرت الوزارة قانوناً جديداً نص على تنظيم انتخابات مباشرة، وفقاً لما طالبت به الأحزاب. فشل القانون بإزاحة نوري ومناصريه. ففي أول انتخاب مباشر، جرى القيام به في ذلك الشهر في ظل الأحكام العرفية، أُعيد انتخاب برلمان أعطى نوري وأتباعه المحافظين أغلبية (100) مقعدٍ من أصل (138) مقعداً(21). وفي الثاني والعشرين من كانون الثاني استقال نور الدين محمود. انتهت الأزمة، وعاد ساسة المؤسسة الحاكمة مجدداً للإمساك بحزم بمركز السلطة.
 
فيصل الثاني
كان من الممكن أن تصبح سنة 1953 نقطة تحول في تاريخ العراق؛ بدلاً من ذلك فإنها أرخت تضييع النظام لفرصة أخرى: ففي الرابع والعشرين من آيار، بلغ فيصل الثاني سن الرشد وأصبح ملكاً على العراق. وكان ينبغي أن يكون تتويجه فاتحة عهد جديد. كان شاباً (في الثامنة عشر من العمر)، وغربي التعليم، ولديه أفكار ديمقراطية. وكونه ينتمي إلى الجيل الشاب، فلربما كان بمقوره التعامل بيُسر مع الطبقة المثقفة تثقيفاً غربياً المنبثقة في المدن، الطبقة التي سببت مشكلات عديدة للنظام. أحبه العديد من العراقيين. ومع ذلك، لم يحدث تحولاً كهذا لأسباب عدة. فكونه شاباً وعديم الخبرة، كان فيصل خجولاً وذا شخصية واهنة لم تتوافر فيها مواصفات القيادة التي يحوز عليها ابن عمه، الملك حسين ملك الأردن، برغم أن علاقته الشخصية عبرت عن جاذبيته. وكونه الابن الوحيد للملك غازي والملكة عالية، فقد نشأ فيصل محط رعاية مفرطة. مات والده وهو لا يزال طفلاً، وماتت أمه عندما كان عمره خمسة عشر عاماً. ومنذ ذلك الحين أُحيط بعماته، في جو منعزل عن المجتمع العراقي. وتعليمه عُدَّ ضده أيضاً. فقد تلقى تعليمه في الغالب في بغداد أو في مدارس إنكليزية، بضمنها هارو، لذا كان بعيداً عن الرأي الشعبي العراقي.
المشروع السوري للوصي
تمثل الأمر الأكثر أهمية في عدم نية عبد الإله التخلي عن سلطته الفعلية إلى الملك الشاب، حتى بعد 1953. فطيلة الفترة المتبقية للنظام القديم استمر ولي العهد بالهيمنة على سياسة القصر، برغم أنه لم يعد يحوز على السلطة القانونية للقيام بذلك. ومع ذلك، فإن الأمر ينطوي على اختلاف الآن. فحالما يتزوج الملك وينجب ورثيه، لن يعد عبد الإله ولياً للعهد. هذا الوضع الجديد أقلقه، ولم يمضِ الأمر طويلاً قبل أن ينتعش اهتمام عبد الإله بالمشروع السوري إذ شجعته الأحداث الأخيرة في سوريا على المضي بهذا المشروع، فقد تعرضت ديكتاتورية أديب الشيشكلي إلى هجوم عنيف. وأصبح موضوع الإطاحة به أمراً محتملاً على نحوٍ متزايد، وقد تغير الوضع في المملكة العربية السعودية أيضاً، إذ توفّي عبد العزيز وخلفه سعود الضعيف. وجد ولي العهد رئيس وزراء يُنفذ له مخططه فاضل الجمالي، الذي كان راغباً بالاضطلاع بالمشروع السوري مقابل دخوله إلى معاقل السلطة العليا. ومنذ البدء، شغل المشروع السوري لولي العهد الاهتمام السري لوزراة الجمالي فقد دُفعت مبالغ كبيرة إلى صحف لبنانية وسورية وإلى ساسة سوريين مؤيدين للعراق للإطاحة بالشيشكلي. جرت المحافظة على اتصالات دائمية مع هؤلاء الساسة من خلال وزراء وأشخاص آخرين. حتى أن خطة مفصلة وُضعت لقيام قوات عراقية بغزو سوريا إذا دعت الحاجة. هذا النشاط السري ترافق مع مقترح شعبي قدمه الجمالي إلى الجامعة العربية لقيام اتحاد عربي يبدأ بالعراق، وسوريا، والأردن. ومع أن الانقلاب الذي أطاح بنهاية الأمر بالشيشكلي في شباط 1954 كان من تدبير مجموعة من الجيش السوري، فثمة شك أنهم تلقوا مساعدة العراق بالأموال، والدعاية، والدعم. ومع الإطاحة بالشيشكلي ووصول ساسة مؤيدين للعراق إلى السلطة في سوريا، تطلع ولي العهد إلى نهاية ناجحة لمشروع الاتحاد. لكن نوري لم يكن معه. فقد تدهورت العلاقات بين الرجلين. ومع أن نوري لا يتمكن من معارضة النظام علانية، فقد كان بإمكانه معارضة ولي العهد من خلال سيطرته على البرلمان. ولتحقيق المشروع السوري، احتاج عبد الإله إلى المزيد من الأموال. رفض نوري السماح لنوابه بحضور جلسة الميزانية، وبهذه الطريقة كان قادراً على إسقاط الوزارة. حتى هذا الأمر لم يحد من طموح ولي العهد؛ فقد استمر بالبحث عن وسائل لعزل نوري ومواصلة سياسته. فتشاور مع عدد من الساسة، الذين نصحوه بحل البرلمان وإقامة انتخابات جديدة. تماشت هذه النصيحة مع رغبة عبه الإله بالكامل، كون أن برلماناً جديداً قد يُستخدم لتحديد نفوذ نوري ودعم المشروع السوري. وفي نيسان 1954، كُلّف أرشد العمري مرة أخرى بتشكيل وزارة جديدة مهمتها إجراء الانتخابات.

انتخابات 1954
أصبح إجراء انتخابات 1954 أمراً مثيراً للجدل. فبينما كان نوري السعيد يقضي إجازة في أوربا، استعد ولي العهد وأرشد العمري لإجراء الانتخابات كما يرغبان، ودون استشارته. عُدّت انتخابات 1954 الانتخابات الأكثر حرية في تاريخ العراق بحق، برغم الحفاظ على بعض الضوابط المعتادة. فقد أعطت هذه الانتخابات العراق برلمانه الأكثر تمثيلاً. اشتركت في الانتخابات كل الأحزاب المجازة، وكانت الحملة متوترة، شارك فيها زهاء (425) مرشحا تنافسوا على (135) مقعدا. وفي نهايتها، فإن حزب نوري، برغم أنه حافظ على الكتلة الأكبر للمقاعد -51 مقعدا- تراجع عن كونه يمثل الأغلبية المسيطرة. أُنتخب عن الحزب الوطني الديمقراطي ستة أعضاء، بضمنهم كامل الجادرجي؛ وعن حزب الاستقلال عضوين اثنين؛ وعن الجبهة الشعبية المتحدة عضواً واحداً. حتى أن متعاطفاً معروفاً مع الشيوعيين تم انتخابه: ذو النون أيوب، وهو كاتب ومدرس من الموصل. توقف ميزان القوى على المستقلين، المفترض أنهم ملتزمون بولي العهد. فباتت الساحة مهيئة لإحياء المعارضة القانونية ولولي العهد للمضي في مشروعه السوري. فما من شيء أبعد من الواقع. فخلال أقل من شهرين، سيُحل البرلمان، ويعود نوري السعيد رئيساً للوزراء، وتجري إقامة انتخابات جديدة وصارمة لاستبدال أول مجلس تمثيلي معقول للعراق. والسبب حلف بغداد. كان من المؤمل أن تنتهي المعاهدة الإنكلو-عراقية في 1957. وقد نصت المعاهدة المذكورة على إجراء مفاوضات لإبرام معاهدة جديدة بين 1952و1957. وإذا قُيض إبرام أية معاهدة جديدة، وتجنب تكرار الوثبة، فقد شعر معظم ساسة المؤسسة الحاكمة أن لنوري دوراً أساسياً في هذه المرحلة. ومع ذلك، فإنهم لم يكونوا قد عولوا على ثمن تعاونه. وبينما كان يقضي إجازة في أوربا، أوضح نوري أنه لن يضطلع بمسؤولية الأمور في ظل البرلمان المنتخب حديثاً، لا سيما أنه لن يعمل مع برلمان يضم اليساريين ككامل الجادرجي. وفي اجتماع عاجل في باريس مع عبد الإله ورئيس الديوان الملكي، قدم نوري شروطاً عدة لعودته إلى السلطة. أحد هذه الشروط أن يوقف ولي العهد تدخله بالشأن السوري؛ والآخر أن يحل البرلمان ويجري انتخابات جديدة. أنهى هذا الأمر مصير البرلمان المنتخب حديثاً..

 

 





   

   مشاركات القراء

 

 

اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

 

   

 

  Designed & Hosted By ENANA.COM

AlMashriqNews.com